الفصل السادس عشر
وصل إلى الطابق الثالث حيث الجناح الخاص بوالده “طاهر ” دلف إلى الداخل
وهو ينظر إلى المكان بعينان لامعتان فقد غلفت الطبقه الشفافه حدقتيه الزرقاء لتعلن عن
انسياب الدموع من مقلتيه فهو أصبح لا يحتمل فراق والده كم شعر الآن بالوحده فلا أم تخفف
عنه ولا أب يربت على كتفه وياخذه في كنفه ورعايته فقد أصبح عمه شديد القسوه عليه بل
ويحمله نتيجه ماحدث ،تحسس مكتب والده باصابع مرتجفه فقد اشتاق إليه كثيرا وإلى
حديثه ،كما أمسك نظارته الطبيه ونظر إليها والدموع تنساب على وجنتيه فما أصعب دموع
الرجال ،وقف أمام
خزانه ملابسه وأخرج سترت والده السوداء وقربها نحو أنفه يشتم رائحتها
وقلبه يتمزق لفراقه فقد شعر الآن بقله الحيله ،جلس على الفراش وهو يضم سترته إلى صدره
فهو الآن في أشد الاحتياج إليه ،شعر بانفاسها اللاهثه بجانبه التفت ينظر وجدها هي من أتت
لتشهد انكساره ويأسه ، خرجت نبرته الغاضبه وهو يحدق بها بضيق
_انتي ….ايه اللي جابك اخرجي من هنا أنا عايز ابقى لوحدي
تجمدت مكانها وهي ترى دموعه لأول مره فهو والمعروف بخفته ومرحه قد تغير حاله الآن
حركت رأسها نافيه وهزتها عده مرات وهمست بعدم تصديق وعينان متسعتان
_ليه ….
الدموع دي وعلشان ايه انا مش مصدقه عنيه ابدا
كفكف بأطراف أصابعه دموعه واشاح بوجهه بعيدا عنها وهو يقول بعصبيه
_يبقى كان قلتهم أحسن …..قولت اخرجي ….
تمسكت بقميصه من الخلف وهي تحاول أن تعانقه فدفع يدها و نهض من مكانه
متجها إلى مكتب والده واتكأ عليه بكف يده واولاها ظهره وهدرا بقسوه
_ايدك …….متلمسنيش واتفضلي بقااا من غير مطرود
نهضت من مكانها واتجهت ناحيه الباب وهي تسير بقدمان مرتجفتان
ووقفت امام الباب واوصدته بقوه التفت ينظر إليها بعينان غاضبتان
وقفت خلف الباب وهي تفرد ذراعيها على جانبي الباب تتمسك به وهتفت بقوه
_مش …..هخرج ولازم تعرف انى مش ممكن اسيبك وانت بالحاله دي انت فاهم
شعر بالاختناق يكبل عنقه تحرك من مكانه متجها إليها والشرر يتطاير من عينيه وضر.ب
بقب.ضته الباب عده مرات وهتف بحده
_قولتلك اخرجي حالا أنا مش في حالتي الطبيعيه دلوقتي
أغمضت عيناها وهي ترى عصبيته والتي لم تعهدها بهذا الأسلوب من قبل
وقد بدأ جسدها بالارتجاف وهمست بخفوت
_علشان خاطري تخليني جانبك مش عاوزه غير اكون جانبك بس يا “رفعت ”
صك على أسنانه بقوه وامسكها من رسغها بشده وتحدث من بين أسنانه
_عايزه تبقى جانبي علشان ابوكي يتهمني تهمه تانيه وابقى السبب في كارثه
جديده ……اخرجي قالها وهو يدفع جسدها بقوه لتصطدم بالباب لتسقط على الارضيه البارده
لم يبالي بسقوطها فقد سيطر عليه كبريائه وكرامته التي انجـ,ـرحت
للتو ،أغمض عيناه بقوه
حتى لاتاخذه الشفقه نحوها ولكن شعر بيديها تحتضن ساقه بقوه همست من بين بكائها
_متعملش في نفسك كده انا قلبي مش متحمل انهيارك ده ،بلاش علشان خاطري انااا
علشان خاطر اونكل” طاهر ” أنا عارفه انك زعلان من بابي بس صدقني هو ماكنش يقصد
هو بيعتبرك زي “عاصم ” علشان كده عملك بالطريقه دي
التوي فكه ببسمه ساخره وهو يردد كلمتها بتهكم
_زي …..”عاصم ” ……واسترسل بنبره مهتزه قد غطت على ملامحه الجامده
عمري ماهكون في منزله ابنه ولا
هو هياخد مكانه ابويا انتي متعرفيش يعني ايه فقدان الأب
، الاحساس ده إحساس صعب
جدا انك تبقى لوحدك وميبقاش لكي حد في الدنيا دي ،أنا مش عارف انا عايش ليه تخيلي
انك تعيشي لوحدك هيبقى ايه شعورك !!!!!!!!
من غير ما حد يطمن عليكي أو تشتكي له همك أو تدوري على حد
تتكلمي معاه وتكوني مضايقه ومتلقيش وفي الاخر تقولي بيعتبرك زي” عاصم ”
شددت من ضغطها على ساقه وهي تحتضنها وأخذت تحرك رأسها نافيه وهي تنظر إلى الأسفل
وشهقاتها تعلو تدريجيا لتصل إلى مسامعه ولكن كانت صلابته وقوته والتي لم تشهدها من قبل
عاملا في اختناقها خرجت نبرتها الباكيه والصادقه أيضا لعلها تقيظه من قسوته
_حرام عليك ….أنا قلبي مش متحمل كلامك ده انت بقيت بتقسي عليه بزياده وانا مش بتكلم
وساكته ….انت بتقول ملكش حد طيب انا بالنسبه لك ايه قولي
للدرجه دي مش بمثلك شئ
رفعت رأسها لتحدق بسحابته الزرقاء والتي امتلأت بالدموع من حديثها ،مسحت بظهر يدها
دموعها لتكمل حديثها وهي تنظر إليه بأسى وحزن
_لازم تعرف اني مكتفيه بيك انت ،بقيت كل شئ بالنسبه ليا ،يكفي ان مثلي الأعلى
واللي اتهان قدامي مطمنتش عليه وجتلك أنت ،جيت علشان اسمع منك
الكلام ده مكنتش اتوقع منك القسوه دي ابدا
انحنى بجسده أمامها وأمسك كفها البارد ليشعر بارتجاف جسدها ضمها إلى صدره
_”رؤى” ……انتي جسمك بارد اوووي كده ليه !!!!!!!!!
أغمضت عيناها لتستمع إلى لهفته الواضحه إليها واسندت رأسها إلى صدره لتقول بعدم اكتراث
_ بارد …….ولا سخن يارب امو.ت وترتاح مني بقااا انت مش بتحبني ابدا
صرخ بها وهو يج.ثو على ركبتيه أمامها ويهز جسدها بعنف
_اوعى أسمعك تجيبي سيره المو.ت على لسانك انتي سامعه عايزه تسبيني أنتي كمان
زفرت بضيق وهي تحاول النهوض ولكن كانت يديه مثبتتان على كتفيها
وبدأ في معانقتها وهو يضع رأسها على كتفه وهمس إليها وهو يمسد على خصلاتها الصفراء
_ اسألي قلبك وهو هيجاوب ويقولك ان محبتش حد إلا انتي
_حقيقي …..بتحبني يا” رفعت ” !!!!!!!قالتها بتساءل
وهي تعتصر جفونها
تنهد بهدوء وهو يرفع زرقاوتيه ليحدق بعينيها اللامعتين وأردف بعدم تصديق
_انتي حقيقي مش واثقه في حبي ليكي لواقدر افتح قلبي وتشوفي حبك مالي قلبي ازاي
مش هتستغربي ابدا هتتاكدي أنك بتجري في دمي ……ولو اني كنت ناوي ……
صمت قليل وهو يخفض رأسه لأسفل ويحك بسبابته ذقنه وشرد بقراره السابق
رفرفت بعينيها وقد هوى قلبها بين قدميها وهمست بخفوت وهي تحاول أن تستشف قراره
_كنت ناوي عليه ايه ………..يا “رفعت ” قلقتيني
رفع رأسه وهمس أمام شفتيها وهو يفجر إليها مفاجأه كادت أن تطير فرحا بها
_كنت …..ناوي افاتح
عمي بس طبعا الظروف مش ملائمه دلوقتي وبدل ما تكون خطوبه بس
يكون كتب كتابنا يا “رؤى” لو القرار ده طبعا ميضيقكيش !!!!!
ترقرقت الدموع من حدقتيها وهي تستمع لقرار عقد قرانها من بين شفتيه هزت رأسها
عده مرات ايجابا فقد تمنت هذا اليوم من أعماق قلبها بأن تحمل اسمه وتكون زوجته
فقد قدر لها بأن يكن ملكها إلى الأبد همست إليه بخفوت وقد تخضبت وجنتيها
_وأنا موافقه …….يا “رفعت ”
ارتفعت ابتسامه على زاويه فمه ووضع أصابعه أسفل ذقنها يرفع وجهها وهمس بتساءل
_مش هتندمي في يوم من الأيام يا “رؤى ” على موافقتك دي
هزت رأسها نافيه ومازالت تزفر الدموع من حدقتيها وهي ترتمي في صدره بقوه
_ليه …….دموعك دي دلوقتي كنت فاكرالخبر ده هيفرحك
مكنتش اتوقع الصدمه دي
د.فنت رأسها داخل صدره وهي تشهق بهستريه ليربت حول كتفها بهدوء
_مش مصدقه اللي كنت بتمناه وبدعي ربنا علشانه هيتحقق خلاص
_كنتي بتتمني اليوم ده حقيقي ان مش قادر استوعب كلامك
أغمضت عيناها فها هي تعترف إليه بعش.قها إليه دون أن تتحدث قشعريره
بارده سرت في جسدها من أثر حديثه المفاجئ همست إليه بتوسل
_اوعى في يوم تقسي عليه يا “رفعت ” اوعدني ان عمرك ما هتسبني مهما حصل
وحافظ عليه واتقى ربنا فيه انا من غيرك مش هقدر أعيش
ابتلع ريقه وهو يحدق بها بعينان هائمتان وأردف بنعومه
_ هو في حد بيقسي على نفسه يا” رؤى”
هنفذ فيكي شرع الله هعملك بالمعروف وهفارقك بالإحسان ،مبسوطه كده
زمت شفتيها وهي تتنهد بارتياح وهمست بخفوت
_أنا مبسوطه وسعيده طول ما انا جنبك بس بليز متجبش سيره الفراق
__________________________________________
أنهت نوبتها الليليه وارتدت ملابسها واتجهت ناحيه الكافتريا التابعه للمشفي لتتناول
وجبه العشاءالمخصصه لجميع العاملين بمشفي “زيدان ” جلست أمام طاوله الطعام
ليبدأ النادل بتوزيع الوجبات المغلفه وعصير البرتقال المشروب السائد مع هذه الاطعمه
بدأت في في تناول الطعام بصمت رهيب وهي شارده في أسرتها الصغيره زوجها وابنها أنس ”
الصغير ذو الخمس
أعوام فلم يرزقها الله به الا بعد فتره طويله من الزواج حمدت ربها على
نعمته ولكن هل جاء اليوم الذي يصبح هذا الصغير سبب لتصبح حريتها مكبله
فلولا تعلقها به وأنهاتخشى فراقه لرحلت منذ علمت بخيـ,ـانه زوجها لها ،
مضغت الطعام بهدوء ليتوقف في حلقها عندما استمعت إلى هذا الحس الرجولي
_تسمحيلي …….
أشاركك الهدوء ده يا دكتوره” اميمه ”
وضعت الشوكه جانبا على الطاوله وابتلعت الطعام بصعوبه ورفعت وجهها تنظر إليه
_دكتور “أيمن ” …….اتفضل ده شئ يشرفني ……قالتها بخجل
جلس أمامها وهو يتطلع إلى وجهها الأحمر وخجلها الظاهر وهمس إليها بإعجاب
_طول عمرك بتحبي تبقى لوحدك بتعرفي تختاري الوقت المناسب وتنسحبي بهدوء
رفعت كأس العصير إلى شفتيها لترتشف منه عده قطرات فقد شعرت بجفاف حلقها
_أوقات الانسحاب في الوقت المناسب بيكون لتفادي أخطاء ممكن تحصل فبيبقي أفضل
لمعت عيناه وهو يرى نبرتها الهادئه ووجهها الملائكي المنير بطلته ورزانته وهمس بخفوت
_انتي خلصتي شغلك متأخر
جدا النهارده …..ثم رفع معصمه ينظر إلى ساعته وأردف بجديه
_احنا بقينا في نص الليل معاكى عربيه وإلا اوصلك بعربيتي يا “اميمه ”
جحظت عيناها وفرغت فاها وهي تسمع اسمها يخلو من أي القاب ،عضت على
شفتيها بعنف فقد بدأ الحديث يأخذ منعطف آخر
_هاخد …..تاكسي انا مبعرفش أسوق “خالد ” اتحايل يجيب لي عربيه بس انا رفضت
_تاخدي تاكس في وقت زي ده انتي بتهزري طبعاااا ،على فكره لو انا من جوزك لا يمكن
اسيبك كده انتي جوهره لازم يحطهاجو عنيه مش يسبها كده لنص الليل تروح لوحدها
ابتسمت ابتسامه خفيفه وقد احمرت
وجنتيها خجلا لحديثه وهمست بخفوت
_ميرسي جدا ……يا دكتور “أيمن ”