— وصلوا القاهرة، والزحمة كانت بتبلع كل صوت جواها. سليم وقف بالعربية قدّام عمارة في حي هادي، نزل الأول، وبعده نزلت دهب من غير ما ترفع راسها. طلعت معاهم بنت شابة، باين عليها البساطة والهدوء. سليم بصّ لها وقال بسرعة: ـ دي قريبتي من البلد… ومش هينفع تعيش معايا، أنا عايش لوحدي. هتقعد عندك كام يوم بس، لحد ما أظبط أموري. سالي ابتسمت بهدوء، محاولة تطمّنها: ـ طبعًا يا أستاذ سليم، البيت بيتها.
دهب ما علّقتش، فضلت ساكتة زي ما هي، ماسكة في طرحتها بإيديها. سليم ما استناش رد، لفّ ومشي، ولا بص وراه، ولا فكّر للحظة إنها بقت لوحدها في مدينة عمرها ما عرفتها. باب الشقة اتقفل، ودهِب لقت نفسها غريبة… في بيت غريب، مع واحدة أول مرة تشوفها. بس سالي كانت بنت لطيفة قوي، ملامحها هادية وصوتها واطي: ـ اتفضلي يا دهب، ارتاحي… أكيد الطريق كان متعب. دهب هزّت راسها بخـ,ـفة،
وأول مرة تحس إن القاهرة كبيرة قوي… وأوحش بكتير مما كانت متخيّلة. — سالي ابتسمت لها بحنية وقالت: ـ اعتبري البيت بيتك، وخدي راحتك خالص… وإن حابة، شيلي الطرحة، مفيش حد غريب هنا. دهب ترددت لحظة، وبعدين بإيد مرتعشة رفعت الطرحة السودة عن وشها. سالي اتسمرت مكانها. الجمال اللي كان مستخبي تحت السواد فاجأها… ملامح هادية، بشرة صافية، وأنوثة بسيطة تخطف العين من غير ما تحاول. بس عيون دهب… كانت حكاية تانية خالص.
حزينة، حمرا من كتر البُكا، كأنها شالت وجع أكبر من سنها بسنين. عدّت أيام… وبعدين أسابيع. ودهِب عايشة في شقة سالي، بين أربع حيطان غريبة، ولا خبر، ولا اتصال. واضح إن سليم نسيها… أو يمكن كان مستني اللحظة اللي يصدّق فيها إنه خلص منها. في ليلة هادية، دهب حكت. قالت لسالي كل حاجة… إنه جوزها، وإنها اتجوزته وهي طفلة، وإنه سابها وسافر، ورجع عشان يرميها من حياته من غير ما يبص في وشها.
سالي قلبها وجعها عليها، وتعاطفت معاها من قلبها، غضب هادي بدأ يكبر جواها. ومن اللحظة دي… قررت سالي حاجة واحدة: هتساعد دهب، وهتخلي سليم يندم… على كل لحظة قسوة عدّت منه عليها. — بعد كام يوم، سالي رجعت من الشركة بدري، وابتسامتها فيها حماس: ـ دهب، في حفلة كبيرة النهاردة للشركة… وأنا جايه أجهز عشانها. وطلعت عينها على دهب: ـ تحبي تيجي معايا؟ دهب ترددت، قلبها بيخفق من الخـ,ـوف:
