منوعات

بني سليمان

عَلي صوت المذياع بأرجاء القصر بالقرأن الحكيم الذي كان يرتله القارئ ‘ مشاري راشد العفاسي ‘ بصوته الخاشع، كان الصمت يعم ارجاء البهو الا من بعض شهقات كانت تخرج في كل حينا والاخر، من سيدة القصر السيدة الوقور ‘ سوزان سليمان ‘ بالفعل كانت ملامحها متماسكة الي حد كبير، لكن بدون ذنب كل فنية والاخري تنفلت منها شهقة وجع جديدة دون انتباه منها، فالميت رفيق الدرب، الذي حيت معه عمرا كاما من حزن .. وجع .. وهناء !

قلبها المفطور من قبل علي ابنائها لم يستطيع ان يتحمل صدمة فقدانه التي اتت فجأة، لم تكن بالمفاجأة ابدا فقد كان السيد ‘ عبد الحميد سليمان ‘ مريض لمدة شهرين فاتوا وحالته في غاية الخطورة ايضا، لكن لانها تبغض فكرة الفراق ظنت انه سينهض ويهب الي الحياة مرة اخري، لكن كل هذا لم يحدث ..

خرجت من بين شفاتيها المغلقتين شهقة بكاء اخري متألمة، بدون شعور سقطت من عينيها دمعة بها الاف القصص التي تُحكي بداخلها بحروف وجعها علي زوجها الحبيب، لم تشعر سوي بكفا يربت علي ظهرها المنحني الذي لم يعتاد الانحناء في وجود زوجها مسبقا وصوت ‘ سلمي ‘ يقول:-
_ماما الحاجة كفاية كدا عينك من العياط .. حَمرت
قالتها سلمي ‘ زوجة حفيد سوزان ‘ بشفقة وهي ترمقها بحزن علي حالها، فمنذ علمها بالخبر وحتي تمام دفــ,,ـــــنه، والسيدة سوزان مازالت تبكي بلا توقف، تتماسك ولم يجدو تماسكها نفعا فتعاود البكاء، هكذا منذ التاسعة صباحا ولحتي حل المساء علي الاجواء ..

خرج صوتها متحشرجا ضعيفا وهو الذي ما كان يخرج الا قويا .. صارما في بعض الاحيان:-
_عبد الحميد مات ياسلمي، مش هشوفه تاني ياسلمي
وعادت تبكي، لكن تلك المرة سلمي اخذتها بين احضانها تربت عليها وهي تشاهد ضعفها بتألم عليها
رغم ان سلمي لم تكن يوما ذات قلب حنون .. عطوف، تستطيع جيدا ان تخفي عواطفها، لكن حالة السيدة سوزان بالفعل كانت تستسحب شفقتك وان كنت كارها لها ..

علي مقعد ساكن بالقرب منهم سكن جسد السيدة ‘ منال ‘ زوجة ابن السيدة سوزان رحمه الله منذ عدة اعوام فاتت ايضا، تبكي بحزن علي رجلا كان لها ابا بعد اب
خرج صوتها بداخل نفسها يهمس وهي تنظر الي سقف المنزل بوجع:-
_مين هيلم شمل العيلة من بعدك ياعمي ؟

فما تعلمه .. بل المتاكدة منه
ان هناك حربا سَـ تُقام بهذا القصر وتندلع، حربا قريبة لـ الغاية، بل هي علي بعد لحظات منهم، فبعد الكبير يبقي الصغار، وجميع صغار هذا المنزل، لا يوجد وصف قد يصف مـدي تهوراتهم .. !
. . . * . . .
كانت الساعة تصل الي العاشرة ليلا، حيث تحشدت شعوبا من رجال العائلة ورجال الاعمال، وعدة فروع اخري ..

في الحديقة الملتفة حول القصر، علي طول مـمـر وُجدت عدة مقاعد كان امامها يقف عدة رجال تعرف من هيأتهم وسلامهم علي الذاهبين والحاضرين انهم اقرب الاقربون الي الميت، كان اخر ثلاثة من ناحية البوابة الخارجية هم الاقرب
الاول كان الحفيد الاول ..

الواقف يتعامل بكل آلية ودون ردود افعال تُذكر بـملامح من جليد، يسلم علي الحاضرين يتقبل كلمات نعيهم بلا اجابات تُذكر
والثاني اجابته كانت تخرج احيانا بصوت يَكاد يظهر، والاخير كان اكثرهم تمالكا لنفسه ولاحزانه رغم انه الاصغر، فكان هو من يرحب ولو قليلا بالحاضرين
المشهد كان مهيبا
بالداخل صوت المذياع يغط علي مجلس النساء، وهنا صوت إحدي المشايخ يرتل بصوته القوي فيـزلـزل قلوب الجالسين
ظلوا يستمعون ويستقبلون، يودعون ..

الي ان حلت الثانية عشر ليلا، فلم تبقي الا تلك الثلاث وجوه
جلس ‘ عابد ‘ علي مقعده وهي ينطق بتألم واضح:-
_رجلي لو حد قطعها مش هحس بيها
تابعه في الجلوس ‘ واجد ‘ اخيه الاكبر وزوج سلمي وهو يهتف بتأكيد:-
_كان يوم ميتوصفش
نظر عابد لـ ابن عمه الذي مازال واقفا ك صنم بلا حراك .. يسأله:-
_مش هتعلق انت كمان ؟
لم يبدو انه سمعه، فقد كان غارقا في بحور اخري بعيدة عن بحور اؤلئك، يفكر في الف شئ وشئ، يجمعهم شئ واحد وهو فقدان السيد عبد الحميد سـ يؤثر فيهم بلا شـك !

تنهد عليا بتعب واضح، نظر لأثنتيهم ناطقا، بينما يستعد ليغادرهم:-
_هطلع اوضتي نطقها باختصار وغادرهم، ليبقا الاثنين ينظران لاثره الذي اختفي منه بعيون محتلفة الانظار، لا تُفهم .. لا تُقرأ .. بها لمعات لا تتفسر ايضا واجد بملامح وجه لا تَظهر ما معني حديثه:-
_اللي جاي لو كان مش ولا بـد، القصر دا هيتقلب لـ قلعة حجيم، قابلوني لو حد عرف يطفيها نظر لـ نافذة ابن عمه العلوية التي أُضيت .. متابعا بسخرية بيّنة:-
_حتي سليمان باشا .. مش هيعرف ولا هيقدر يقف قدامها

النيران محتبسة في جوفها الان، لن تخرج حتي يؤذن لها، ولن يؤذي حتي يأتي السبب .. والسبب كانت الوصية … !
. . . * . . .
بالصباح عادت تلك الاحداث من جديد، زوار وبكاء، نحيب وصراخ، حزن دامي .. حتي ساد الصمت علي ارجاء القصر بعد عشرة ايام من يوم الوفــ,,ـــــاه

صباح ذلك اليوم كان مختلفا، سبقه ليل ممطر بغيوم كثيفة حتي ان السماء اسودت، عندما هبطت الامطار ظن الجميع ان تلك الغيوم سـ تتبلد وتختفي مع ظهور اضواء النهار، لكن لم يحدث ذلك ومازال الصباح مغيما بعتومه وظلامه، يزهق كل لحظة واخري صوتا من الرعد يدخل بالقلب مخاوف عـدة ومشاعر متضاربة
لكن رغم هذا ..

بغرفة مكتب القصر، علي مقاعده، ارتصت افراد العائلة علي مقاعد جلدية تجاور المكتب، وامامهم السيد ‘ رفعت ‘ المحامي لــ تلك العائلة، ينظر لهم بنظرات متحيرة، لا يعلم ما سيقوله كيف ستكون نتيجته فيما بعد، وردهم عليه كيف سيكون شكله، مهما تصور لم يجد تصوراً قد يقترب من ان يكون حقيقيا .. بالنهاية .. الوصية سـ تُقال، فلا جدوي من التأخير !

تنحنح وهو ينقل ابصاره بينهم، بدايةٍ بالسيدة سوزان تليها منال فـ سلمي .. علي اريكة اخري قبع سليمان فـ واجد فـ عابد
ملامح سوزان كانت ذابلة، تقف علي شفرة المــ,,ـــــوت من كثرة الحزن، منال ملامحها لا تُقرء كـ الباقيين جميعا
خرج صوت رفعت اخيرا يقرأ الوصية:-
_ ‘ اقـر انا عبد الحميد سليمان وانا بكامل قواي العقلية والجسدية، وبدون ضعطا من احد، ولا تأثُر بـ أي مواقف من جميع الوارثين بوصيتي والتي ستوزع كما ارغب .. واعلم انها علي حق، وبالطريقة المستحقة ان تُوزع علي وارثيني ..

أن تُوزع اسهم امبراطورية شركات سليمان بين احفادي الثلاثة بتلك النسبة : لـ حفيدي الكبير سليمان نسبة 50 % من الاسم، لـ كلا من حفيداي واجد وعابد نسبة 25 % من الاسم ‘وقف رفعت عن قراءة الوصية عنـد ذلك الحد، لينظر الي وجوههم رغبة في معرفة ما يحدث داخلهم عن طريق ملامح وجههم، سوزان كانت كما هي بلا ملامح جديدة تُذكر، انغص جبين منال قليلا، عابد ضاقت حاجبيه بتركيز وعيون وامضة ببعض الضيق بل كثير من الضيق، واجد ملامحه كانت ك جمرة من نــ,,ـــــار يظهر عليه جيدا كيف يحاول ان يتماسك كي لا ينفجر
اما سليمان ..

فكان باردا ك التلج ولم تتحرف فيه قيـد شعرة حتي بالحزن او بالفرح وعاد يتابع رفعت حديثه وقرائته لـ الوصية:-
_ ‘ يوزع القصر سليمان بين جميع سكانه بتلك الطريقة : لـ واجد نسبة 20 % منه، لـ عابد 20 %، لـ سوزان زوجتي 5 %، لـ منال زوجة ابني 5 % سليمان حفيدي الاكبر 50 %، يُكمل باقي ورث احفادي كل من عابد وواجد بأمتلاكهم جميع مباني العائلة ومنازلها المختلفة، علي ان تكون مزرعة سليمان لـ سوازن زوجتي ومنال زوجة ابني وفقط .. ‘

كاد رفعت ان يتابع حديثه لكن اوقفته صيحة غاضبة من واجد وهو ينهض عن مقعده، بنهضته نهض الجميع عَـدا سليمان، ظل جالسا علي مقعده كما هو واضعا قدما علي الاخري بتريث و… برود
خرج صوت واجد متشنجا:-
_اية الهبل دا، انا لا يمكن اسمح بالكلام الاهبل والعبيط دا ابدا، هو عبد الحميد باشا فاهم هو عمل اية ولا لا ؟ الباشا مخلي سليمان هو اللي ليه حق التصرف في كل حاجة كدا
نطق رفعت متنحنحا وهو ينقل ابصاره بين الجميع بقلق:-
_دي رغبته ياواجد باشا، واعتقد دا اللي هو عايزه فعلا !

اقتربت سلمي من زوجها تحاول ان تهديه بعبارات خافتة، لكن ثورته لم تهدأ بل زادت مع نطق عابد المعترض ايضا بنقم:-
_دا مش عـدل ، هو كدا زيه زينا كلنا، بل بالعكس ازود مننا كمان
وضح رفعت الوصية لهم:-
_باقي ورث حضراتكم كل عمارات وبيوت……
لم يكاد يتابع حتي اشاح واجد بيديه بعصبية و:-
_بيوت اية وعمارات اية، دا كلام فارغ، 1 % بس من القصر دا بكل الهري اللي هو كاتبه لينا، هو بيستهبل ولا اية ؟
كادت سوزان ان تنطق اخيرا؛

لتنهره، لكنها ما ان كادت تفعل حتي وجدت سليمان اخيرا يترك جلسته ويقف بطوله الشامخ مقتربا من واجد وهو ينطق بعيون محذرة:-
_انا سايبك تتكلم وهسيبك لحد ما ترتاح وتطلع كل غ*ضبك بس كلمة واحدة هتقولها علي جدك مش هتعجبني، عند هنا .. انا هعرف كيف اوقفك عند حَدك ياواجد
عابد متدخلا بسخرية، وهو يرمقه بنظرات بُث فيها الكره فجأة:-
_دلوقتي بقيت مش قادر تستحمل عليه كلمة !

طبعا ما انت اللي طلعت من الليلة دي بكل ثمين، دا مش بس تقف وترد علي كلام واجد، دا انت مفروض تعمله تمثال في القصر هنا وتقف قدامه كل يوم تشكره، ما هو اللي رفعك علينا
ترك سليمان نظرات عينيه تبتعد عن واجد وتتجه نحو عابد، ليرمقه بنظرات متفحصة تحتوي علي معانٍ كثيرة و:-
_للاسف ياعابد انت دايما شايفني مرفوع عليكم من غير حاجة اصلا
ازدادت نظرات عابد حقدا نحو سليمان، بينما تابع واجد بعصبية:-
_دا باعتبار اصلا اني هوافق علي الكلام الاهبل دا
نطق رفعت بصوت مرتفع قليلا ..

يهتف بــ بنـد من بنود الوصية:-
_’ ومن يرفض تلك القسمة بأي شكل من الاشكال، فأمر انا بألا توزع تلك الورثة بأي شكل اخر، وتتوجه جميعها لــ جمعيات الاعمال الخيرية تحت أشراف سليمان ‘ قال رفعت الكلمة الاخيرة وهو يطالع واجد باستفزاز ومكر مخفي، لم تزيد تلك الكلمات سوي غض*ب واجد وعابد اكثر فتوجه واجد نحو باب الغرفة، ناويا الخروج بعدما قال بغ*ضب:-

السابقانت في الصفحة 1 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى