صافية قعدت على طرف الكرسي كأنها خايفة توســ,,ـــــخه، وهي بتحاول تجمع اللي بيحصل حواليها. “بصي بقى يا صافية، عشان تكوني فاهمة الوضع هنا من الأول.” بدأت مدام نيفين تتكلم، وصوتها بقى أكثر جدية. “احنا بنحب أهلك أوي، وبنقدر ظروفهم، عشان كده وافقنا إنك تيجي تقعدي هنا معانا.” صافية هزت راسها بإيجاب، وقلبها بدا يدق بسرعة.
“بس بما إنك هتعيشي معانا، لازم تعرفي إن البيت هنا ليه نظام. إحنا عندنا خدامات طبعًا، بس بما إنك هنا، يبقى مفيش مانع إنك تساعديهم.” كملت مدام نيفين، وهي باصة لصافية من فوق لتحت كده، “يعني، متتكسفيش كده، دي فرصة تتعلمي منهم شغل البيت، عشان لما تتجوزي تبقي ست بيت شاطرة.” كلمة “تساعديهم” دي نزلت على صافية زي الصاعقة. خدامات؟ هي هتشتغل خدامة؟ عيون صافية لمعت بالدموع، بس مسكت نفسها بصعوبة. جت القاهرة عشان تدرس وتكبر، مش عشان تبقى خدامة!
“بس أنا… أنا جاية عشان أدرس في الجامعة يا مرات خالي.” قالت صافية بصوت مهزوز، وهي بتحاول تشرح موقفها. مدام نيفين ضحكت ضحكة قصيرة كده مسموعة، كأن صافية قالت نكتة. “يا حبيبتي، الدراسة حاجة، والواجبات المنزلية حاجة تانية خالص. وبعدين، دي فرصة ليكي عشان تتعودي على مسؤولية البيت. يعني مثلاً، ممكن تبدأي بإنك تساعدي في ترتيب المطبخ بعد الأكل، أو تنضيف أوضتك، أو حتى تلميع الفضيات اللي في الصالون ده.” وشاورتلها على ترابيزة كبيرة عليها حاجات بتلمع كتير.
صافية حست كأن فيه سـ,ـكين غرز في قلبها. دي الكلمات الباردة دي كانت كافية إنها تمحي أي حلم رسمته لنفسها وهي في القطر. “خدمة؟ أنا؟” الفيلا الواسعة اللي كانت بالنسبة ليها جنة، اتحولت فجأة لسجــ,,ـــــن كبير. مدام نيفين كملت كلامها، وصافية حست إنها بتتوه في المتاهة دي. “ها يا صافية، إيه رأيك؟ مش دي فرصة كويسة ليكي تتعلمي وتكبري؟” قالتها وهي بتبص لصافية بنظرة فيها استعلاء كده، كأنها متأكدة إن صافية مش هتقدر تقول “لأ”.
صافية سكتت شوية، الدموع كانت متحجرة في عينيها. الفرحة اللي كانت مالياها كلها طارت. كل الأحلام الوردية اللي كانت راسماها للقاهرة اتكسرت في لحظة. افتكرت أهلها في البلد، كلام أبوها “يا صافية، اوعي ترجعي مكسورة، دراستك دي هي سلاحك”. افتكرت أمها ودموعها وهما بيودعوها، “متكسفيناش يا بنتي، إحنا مستندين عليكي”. لو رجعت دلوقتي، هتقولهم إيه؟ إنها معرفتش تتأقلم؟ إنها مكملتش دراستها؟ استحالة! أهلها عمرهم ما هيوافقوا إنها تعيش لوحدها في القاهرة، وده كان الحل الوحيد عشان تكمل تعليمها. مفيش حل تاني قدامها غير إنها تستحمل وتصبر.
خدت صافية نفس عميق وحاولت تخلي صوتها ثابت على قد ما تقدر. “اللي تشوفيه يا مرات خالي. أنا هنا تحت أمرك.” ابتسمت مدام نيفين ابتسامة باردة كده، كأنها انتصرت. “شاطرة يا صافية، عجبني كلامك ده. تعالي بقى أوريكي أوضتك، عشان ترتاحي من تعب السفر، وبكرة نشوف هتبدأي في إيه.” قامت صافية ورا مدام نيفين، وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. مشيت وراها في ممرات طويلة، كلها أبواب مقفولة، لحد ما وصلوا لآخر الفيلا. فتحت مدام نيفين باب صغير، وأشارت لصافية.
“دي أوضة الخدم، هتقعدي فيها مؤقتًا لحد ما نشوف مكان تاني مناسب ليكي.” قالتها ببرود، وكأنها بتقول خبر عادي. صافية دخلت الأوضة اللي كانت صغيرة، فيها سريرين فوق بعض، ودولاب قديم. كان فيه بنتين قاعدين على سرير منهم، بصوا لصافية باستغراب. “دول البنات اللي بيشتغلوا معانا، هيعلموكي كل حاجة.” وقبل ما صافية تلحق تتكلم، مدام نيفين سابتها وراحت.
صافية وقفت في نص الأوضة، شنطتها القماش لسه في إيدها. بصت للبنتين، وبصت للأوضة اللي المفروض تبقى بيتها الجديد. دمعة نزلت غصب عنها، مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها. “لازم أكون قوية، لازم أتحمل.” قالت لنفسها بصوت واطي، وقررت إنها هتصبر وتتحمل كل حاجة عشان توصل لهدفها، وتكمل دراستها. دي بداية جديدة، حتى لو كانت صعبة، لازم تعديها.
عدى أسبوع على صافية في الفيلا الكبيرة دي، وكل يوم بيعدي بيثبتلها إنها دخلت عالم غريب عنها تمامًا. مدام نيفين مكانتش بتهزر لما قالت إن صافية “هتساعد” في البيت. صافية لقيت نفسها بتشتغل زي أي حد من الخدم بالظبط. من تنضيف وتلميع لحد المساعدة في المطبخ، كله كوم، وشرط مدام نيفين الجديد كوم تاني خالص. “بصي يا صافية، لما يكون فريد وكريم موجودين في البيت، مش عايزة أشوفك بتطلعي من أوضتك.” قالتها مدام نيفين بصوتها البارد المعتاد. “الشباب هنا بيحبوا خصوصيتهم، ومينفعش يشوفوا أي حد كده رايح جاي. هتكوني في أوضتك، ولو احتجناكي هنبعتلك حد.”
صافية مكانش قدامها غير إنها توافق، رغم إن القرار ده كان بيخنقها أكتر. أوقات كتير كانت بتحس إنها محبوسة، كأنها في سجــ,,ـــــن. بتشوف جزء صغير من الفيلا، والغرفة اللي بتشاركها مع البنات التانيين هي مساحتها الوحيدة. في يوم من الأيام، بعد أسبوع كامل من حكاية “متخرجيش لما يكونوا موجودين”، كان الليل متأخر أوي. صافية كانت جعانة. طول النهار مكنتش قدرت تاكل كويس بسبب زحمة الشغل، ومكانش ليها نفس أصلًا. قامت بهدوء من سريرها، البنات التانيين كانوا نايمين. اتسللت بره الأوضة، والفيلا كانت ضلمة وهادية. وصلت للمطبخ، ولعت نور خافت، وفتحت التلاجة عشان تشوف أي حاجة خفيفة.
وفي اللحظة اللي كانت بتطلع فيها طبق جبنة، لقت اللي دخل المطبخ وراها. قلبها وقع في رجليها. لفت بسرعة، وبصت للشخص الواقف على باب المطبخ. شاب طويل، شعره منكوش شوية، ولابس شورت وتيشيرت. عيونه كانت باصة عليها باستغراب، وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة. “إيه ده، هو في حد صاحي دلوقتي؟” قالها الشاب بصوت هادي، وعيونه كانت بتفحص صافية من فوق لتحت. شكلها الغريب، لبسها البسيط، كل ده خلاه يفتكر إنها الخدامة الجديدة اللي أمهم قالت عليها. بس كانت أحلى بكتير من أي خدامة شافها قبل كده.
صافية حست بخوف فظيع. ده واحد من ولاد خالها اللي مدام نيفين حذرتها منهم! وايه اللي جايبه المطبخ دلوقتي؟ هي كده هتتنفخ أكيد. اتوترت أوي، والطبق كاد يقع من إيدها. “أنا… أنا كنت… كنت جعانة بس.” قالت صافية بصوت متقطع، وهي بتحاول تبعد عينيها عن عيونه. الشاب ابتسامته وسعت أكتر. “أكيد جعانة” قالها وهو بيقرب خطوة.
صافية حست إنها لازم تهرب. خافت أوي من مدام نيفين لو عرفت، ومن الشاب ده نفسه. سابت طبق الجبنة على الرخامة وجريت من المطبخ بسرعة الصاروخ، ورجعت على أوضتها وهي قلبها بيدق زي الطبلة. قفلت الباب بهدوء، واتغطت كويس، وهي حاسة إن وشها نــ,,ـــــار من الكسوف والخوف. الشاب اللي هو كريم، فضل واقف في المطبخ مبتسم. “دي الخدامة الجديدة؟ دي حلوة أوي، ومجنونة كمان.” قال لنفسه، وهو بيفتكر نظرة الخوف في عينيها وجريتها الغريبة. الموضوع ده عجب كريم، وحس إن الفيلا بقى فيها حاجة جديدة ومثيرة.
تاني يوم الصبح، كانت صافية صاحية بدري كعادتها، وبتساعد في تحضير الفطار اللي بيتحط على سفرة مدام نيفين الكبيرة. كانت بتحاول متلفتش أي انتباه، وبتتجنب أي عين ممكن تيجي عليها، وخصوصًا بعد اللي حصل في المطبخ بالليل. كانت بتدعي إن الشاب ده ميكونش من ولاد خالتها، أو على الأقل، ميعرفش يوصلها. قاعدة مدام نيفين على رأس السفرة، ووراها قعد فريد وكريم. فريد، الأخ الكبير، كان باين عليه الجدية والتركيز، لابس بدلته الرسمية ومستعد ليوم شغل طويل كمحامي مشهور. أما كريم، كان لسه شكله باين عليه آثار النوم، شعره منكوش بس بابتسامة خبيثة مش مفارقاه.
مدام نيفين بدأت تدي الأوامر للخدم بصوتها اللي مفيش فيه هزار، وبتتابع كل كبيرة وصغيرة. صافية كانت بتبص للأرض وهي ماشية عشان متتقابلش عينيها بعين حد، وخصوصًا كريم. وفي وسط ما الخدم كانوا رايحين جايين، كريم ميل على أخوه فريد وهمسله في ودنه، وصوته كان كله حماس: “إيه يا فريد، مش ملاحظ حاجة جديدة في البيت؟” فريد كان بيشرب قهوته وهو بيبص في ورق قدامه، رفع حاجبه ورد بضيق: “ملاحظ إيه يا كريم؟ يا ريت تكون حاجة ليها علاقة بشغلك أو دراستك بدل سهرك اللي ملوش لازمة ده.”
كريم ضحك ضحكة مكتومة: “يا عم لا، دي حاجة أحلى بكتير. أنا شوفت بالليل في المطبخ خدامة جديدة، إيه القمر ده يا فري! بجد أنا اتفاجئت، دي صاروخ أرض جو. وأول مرة أشوفها هنا.” فريد بصله بنظرة حادة، وساب الورق من إيده بغضب واضح: “ايه الكلام ده يا كريم؟ إيه صاروخ أرض جو دي؟ عيب عليك! وبعدين، أنت إزاي تتكلم على أي بنت بالشكل ده، وخصوصًا لو شغالة هنا في البيت؟”
كريم بصله باستغراب: “في إيه يا فريد؟ مالك اتعصبت كده ليه؟ دي خدامة زي أي خدامة. وأنا بتكلم عنها عادي يعني، مفيهاش حاجة. دي كانت بتسـ,ـرق جبنة من التلاجة بالليل، شكلها طفسة وبتتخفى عشان محدش يشوفها.” فريد كان وشه أحمر من الغضب: “سـ,ـرقت جبنة إيه وهبل إيه اللي بتقوله ده؟ حتى لو زي ما بتقول، ده مش مبرر إنك تتكلم عنها بالطريقة دي! أنت فاكر نفسك مين؟ البنت دي ليها كرامتها، وبعدين إزاي تتدخل في خصوصيات الناس كده؟ سيب البنت في حالها، ومتقربلهاش أبدًا، فاهم؟”
كريم تنهد بملل: “يا عم فري، على إيه العصبية دي كلها؟ ما خلاص فهمت. بس بجد يا أخي لو شفتها هتقولي إن كلامي صح. دي جميلة بشكل مش طبيعي، ولونها القمحاوي ده يجنن!” فريد بصله بنظرة تحذيرية: “كريم! أنا قولت كلمتي. سيبها في حالها، ومش عايز أسمع سيرة الموضوع ده منك تاني. أنت فاهم كويس إن أمك بتتصرف تصرفات ساعات مش مفهومة، ومش عايزك تكون جزء من أي مشكلة.”
كريم عمل نفسه متفهم، لكن في عينه كانت لسه لمعة فضول مش هتطفي بسهولة. صافية، اللي كانت بتعدي من جنبهم بالظبط وهي بتحط طبق مخلل على السفرة، سمعت آخر كلمتين من كلام كريم عن “لونها القمحاوي”، قلبها دق بسرعة، وعرف إن هو ده الشاب اللي شافته في المطبخ. حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وخافت أوي.
بعد الفطار، صافية كانت على أعصابها. كل كلمة سمعتها بين فريد وكريم كانت بترن في ودانها. الخوف كان مسيطر عليها من مدام نيفين، ومن كريم اللي باين عليه استهتار، ومن نظرة فريد الحادة. كل اللي كان في دماغها دلوقتي إنها تلحق تروح الجامعة، يمكن هناك تحس بإنها بني آدمة ليها قيمة. خلصت شغلها بسرعة، وخرجت تتسحب من الباب الخلفي للفيلا، اللي كان جنب أوضة الخدم. كانت متأخرة على أول محاضرة، فكانت بتجري على قد ما تقدر في الشارع اللي كان لسه هادي نسبيًا. شنطتها القديمة بتتهز على كتفها، وخطواتها سريعة، وعينيها على الساعة اللي في إيدها.
وفي نفس اللحظة دي، فريد كان خارج بعربيته الفخمة من بوابة الفيلا الرئيسية. كان دماغه مشغولة بأوراق الشغل والقضايا، ومكنش مركز أوي في الشارع. طلع بالعربية ومشي. الكاتبة ملك إبراهيم صافية كانت بتعدي الطريق من زاوية ضيقة، ومكنتش شايفة العربية اللي جاية من الناحية التانية. وبسرعة رهيبة، عربية فريد ظهرت قدامها. فريد شافها في آخر لحظة، وداس فرامل العربية بكل قوته. صوت الفرامل كان عالي ومخيف، والعربية وقفت على بعد سنتي واحد من صافية.
صافية صرخت صرخة مكتومة، وحست إن قلبها هيطلع من مكانه. رجلها متلخبطتش، ووقعت على الأرض من شدة الخوف، وهي بتضم نفسها كأنها بتحمي نفسها من الخبطة اللي كانت على وشك إنها تحصل. عينيها كانت مقفولة جامد، ومش قادرة تفتحها. فريد نزل من عربيته بسرعة البرق، وجري ناحيتها وهو وشه أصفر. “أنتِ كويسة؟ يا آنسة، أرجوكي ردي عليا. حصلك حاجة؟” صوته كان كله قلق. صافية رفعت راسها ببطء، فتحت عينيها اللي كانت مليانة دموع، وبصت لفريد. للحظة، فضلت عينيها متعلقة بيه، مش مصدقة إنها لسه عايشة. الشاب الأنيق اللي كان قاعد على سفرة الفطار، واللي هو ابن خالها، كان واقف قدامها.
“أنا… أنا كويسة.” قالتها بصوت مرتعش، وهي بتحاول تقوم.