رفع عمران عينيه عن الهاتف، فوقعت على ليلى التي كانت تقف أمامه بابتسامة مشرقة. اقتربت منه، ثم احتضنت ذراعه بعفوية.
— يلا… علشان شغلك. وأنا كمان هعدي على فريد.
أنهى المكالمة حين قال:
— نص ساعة وأكون في الشركة.
ثم أمسك كفها، وعادا باتجاه السيارة.
وقبل أن يستقلاها، وقعت عيناه على بعض المحال الصغيرة التي تفترش أمامها قطعًا من التحف والهدايا المستوحاة من الحضارة الفرعونية.. توقف فجأة.
— خليكي هنا… راجع.
— رايح فين؟
— دقيقة واحدة.
اتجه إلى أحد الباعة، وظل يتفحص الأشياء المعروضة، حتى وقع اختياره على قطعة صغيرة أنيقة، دفع ثمنها وعاد إليها.
مد يده بها نحوها.
— خدي.
نظرت إليها باستغراب.
— دي إيه؟
ابتسم وهو يجيب ببساطة:
— ذكرى… علشان لما تكبري توريها لأولادنا وتقولي لهم إن أبوكم جابهالك هدية.
توقفت الكلمة في أذنيها.
أولادنا… أبوكم.. لم تسمع سواهما.
رفعت عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه بصمت، ثم احتضنت ذراعه أكثر.
تساءلت في داخلها، بدهشة فتاة لم تعرف من الدنيا سوى الخوف:
ماذا فعلت في حياتي حتى يرزقني الله رجلًا مثله؟
انتبه عمران إلى نظراتها.
— بتبصيلي كده ليه؟
ابتسمت، وقالتها للمرة الأولى دون خوف:
— بحبك أوي.
توقف قلبه للحظة.
رغم انه كان يعرف مشاعرها، يشعر بها في نظراتها وارتباكها، لكنه حين سمعها تنطقها بهذه البساطة، شعر أن شيئًا داخله قد اهتز.
رفع يده، ومرر أنامله برفق على وجنتها، ثم توقف عند شفتيها المطليتين بالأحمر، ومسح أثر اللون بطرف إصبعه، وقال بنبرة امتزج فيها الحب بغيرة صادقة:
— بقيت بغير عليكي أوي… متحطيش حاجة تاني على وشك.
ابتسمت بخجل، لكنه أكمل وهو يبتسم:
— ده يتحط لي لما نتجوز.
لم تستطع منع دموعها.
انزلقت دمعة وحيدة على وجنتها.
اعتدل واقفًا أمامها، ثم احتوى وجهها بين كفيه.
— ليه الدموع دي؟
وهنا لم تعد قادرة على الصمود.
اندفعت نحوه، وألقت نفسها بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء.
لم تكن تريد شيئًا سوى ذلك الحــ,,ـــــضن.
ذلك الأمان الذي افتقدته، والدفء الذي جعلها للمرة الأولى تشعر أن هناك مكانًا في هذا العالم يمكنها أن تختبئ داخله دون خوف.
ضمها عمران بقوة، وأغمض عينيه، وكأنه يتمنى لو يستطيع أن يحميها من كل شيء يؤلمها.
همس فوق رأسها:
— الدموع دي خاصة بيا يا ليلى…
قولي الدموع دي خاصة بيا، غير كده مش هسمح.
لم تجبه.. همست همسًا مكسورًا:
— متسبنيش… أنا بحبك أوي.
طبع قبلة طويلة فوق رأسها، ثم أبعدها برفق، وفتح لها باب السيارة.
جلست، استقل مقعد القيادة، وظل ينظر إليها لحظات.. هربت من عينيه بخجل.
قاد السيارة، وبعد دقائق مد ذراعه نحوها، فاستقرت بين ذراعيه دون اعتراض.
لم تكن تريد الحديث.. كانت فقط تريد أن تبقى هكذا…قريبة منه.. آمنة.
بعد فترة، لمح محلًا للمجوهرات، فتوقف.
التفت إليها مبتسمًا:
— حبيبتي، هنزل أجيب حاجة وراجع.
أومأت له.
دخل المحل، وظل يتفحص الخواتم والدبل، يشعر بأن كل قطعة يراها كانت تحمل صورتها
رفع هاتفه واتصل بها:
— ليلى، انزلي وتعالي حبيبتي.
— انت فين؟
خرج من المحل، وأشار إليها.
— شايفاني؟
تحركت نحوه، فاحتضن كفها ودخل بها.
— عمران… جايبنا هنا ليه؟
وضع إصبعه على شفتيها مبتسمًا:
— ششش.
ثم التفت إلى البائع:
— عايز أجمل الخواتم والدبل اللي عندك.
سحبت ليلى يدها بسرعة.
— عمران…
التفت إليها.
— مهما تقولي، مش هسمع كلامك. سمعت منك كتير ووافقت… المرة دي بقى رجاءً تسمعي كلامي.
أخرج البائع مجموعة من الخواتم.
ظل عمران يتنقل بينها حتى وقعت عيناه على خاتم رقيق تتوسطه نجمة صغيرة من اللؤلؤ الأزرق.
أشار إليه
— عايز ده.
نظرت ليلى إليه بذهول.
— عمران… ده شكله غالي أوي.
رفع حاجبه ساخرًا
— هيغلى على مرات عمران الزيني يا لولو؟
لم تعرف بماذا تجيبه.
خرجت من المحل ودموعها تنساب بصمت.
لم تكن دموع فرح، بل صورة أبيها تمر أمام عينيها، وصوته حين هددها بألا تكمل تعليمها، وخوفها من اليوم الذي قد يُنتزع فيه هذا الحلم من يدها..
ورضخها للعبة ابن عمها
كل هذا يحدث تحت انظار شهاب الذي كان يراقبهما منذ خروجهما من المنزل.
استقل عمران السيارة إلى جوارها، ولاحظ دموعها.. أسرعت بمسحها.
فتح العلبة وأخرج الخاتم.
— دي هدية… علشان متزعليش، مجبتش دبل.
أمسك كفها برفق، وألبسها الخاتم.
ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها.
— عقبال ما ألبسك الدبلة في إيدك الشمال يا حبيبتي.
نظرت ليلى إلى الخاتم طويلًا، ثم رفعت عينيها إليه.
ثم وضعت رأسها على كتفه، واحتضنت ذراعه.
— تعرف نفسي في إيه؟
لف ذراعه حولها، وقال مبتسمًا:
— انتي تأمري… متفكريش حتى.
رفعت رأسها، وتأملت وجهه القريب.
رفعت أناملها إلى وجهه، تمررها برفق، وكأنها تحفظ ملامحه في ذاكرتها.. أو كأنها تودعه، ثم قالت بصوت خافت:
— نفسي أمــ,,ـــــوت وأنا في حــ,,ـــــضنك.
توقفت السيارة فجأة، والتفت إليها عمران بفزع.
— إيه اللي بتقوليه ده يا ليلى؟ ليه بتوجعي قلبي كده؟
ابتسمت رغم دموعها:
— علشان بحبك أوي يا عمران… أوي.
ثم أعادت رأسها إلى كتفه.
نظر إليها طويلًا دون كلام.
كان قلبه يرتجف من تلك الجملة، فقاد السيارة من جديد، لكنه هذه المرة ظل ممسكًا بيدها.