منوعات

الفصل السابع

“اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك ” نظر عمران إلى الصور طويلًا، يتفحص تفاصيلها بعينين متسعتين، وكأنه يبحث بين كل صورة وأخرى عن كذبة تنقذه من الحقيقة التي ترفض عيناه تصديقها.
ربما كانت مُركبة… ربما خدعة… أي شيء، إلا أن تكون حقيقية.
لكن الصور كانت أمامه، واضحة وقاسية، لا تمنحه حتى فرصة واحدة للإنكار.
قبــ,,ـــــض على الصور بين أصابعه، ثم دفعها بعنــ,,ـــــف، فتطايرت من فوق المكتب وسقطت على الأرض.
راقبته نيفين بشماتة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، قبل أن تقول بنبرة مشبعة بالحقد:
_فضلت تأنبني وتطردني من بيتك علشان حتة عيلة…

حبيتك سنين يا عمران، واستنيت اليوم اللي تيجي فيه وتقولي إنك بتحبني، خصوصًا بعد ما دينا سابتك… وأهو في الآخر، حتة عيلة ضحكت على عمران الزيني… كالعادة.
رفع عينيه إليها، نظرات كافية لتمحو ابتسامتها
ثم قال بصوت خافت، لكنه حمل تهديدًا مرعبًا:
_اطلعي برة.
ضحكت بسخرية، وكأنها تتعمد إشعال النــ,,ـــــار داخله أكثر.
_إيه؟ مضايق من الحقيقة؟ مش عايز تواجه نفسك يا عمران؟
لم يجبها..بل نهض من مكانه، واتجه نحوها بخطوات سريعة وغاضبة. تراجعت نيفين إلى الخلف
وصل إليها بخطوة واحدة، وقبــ,,ـــــض على عنقها، فتوقفت أنفاسها للحظة، وارتعبت عيناها وهي تحاول الإفلات من قبــ,,ـــــضته.

انحنى نحوها، وهمس من بين أسنانه بصوت خفيض أشد رعبًا من الصراخ:
_بلاش أقولك إنك أقذر واحدة شوفتها في حياتي… وأنا معاقبتكيش لحد دلوقتي علشان اسم العيلة. يا زانية… يا زبالة، أوعي تفكري إن لياليكي الحمرا مع شهاب مش بتوصلني.
اتسعت عيناها في صدمة.
_إنت… إنت عرفت؟
دفعها بعيدًا عنه بعنــ,,ـــــف، فسقطت على الأرض، وظلت تسعل محاولة التقاط أنفاسها.
ثم دوّى صوته في أرجاء المكتب:
_برررررررررة!
كانت صرخته كافية ل ترتجف السكرتيرة خلف الباب، بينما بدأ بعض الموظفين يخرجون من مكاتبهم على استحياء، يتبادلون النظرات القلقة.

أما نيفين، فزحفت على كفيها حتى وصلت إلى الباب، ثم وقفت بصعوبة، واضعة يدها على عنقها، قبل أن تفر هاربة دون أن تجرؤ على النظر خلفها.
أغلق الباب.. وبقي عمران وحده.
استدار في منتصف الغرفة، وعيناه تائهتان، ثم انفجر غضبه دفعة واحدة.
كالأسد الحبيس، أخذ يتحرك في المكان، يدفع ما أمامه ويحطم كل ما تطاله يدخ
_ليه؟!
خرجت منه صرخة ممزقة، كأنها انتزعت من أعماقه.
_ليه؟!
ضــ,,ـــــرب سطح المكتب بقبــ,,ـــــضته مرة أخرى، ثم توقف فجأة.
ساد الصمت..

سوى من انفاسه
ظل واقفًا في منتصف الغرفة، وصدـ,,ـــره يعلو ويهبط بعنــ,,ـــــف، وأنفاسه متقطعة، وببطء، تجمعت الدموع في عينيه.
حاول أن يمنعها… قاومها بكل ما يملك.
لكن صورًا أخرى بدأت تقتحم رأسه.
ضحكتها…نظراتها…لحظاتهم معًا.
الكلمات التي صدقها…
والحب الذي ظن، للحظة، أنه نجا به من كل شيء.
أغمض عينيه بقوة، وانسابت دمعة وحيدة على خده
نظر إلى يده، فوجد الدماء تنساب من بين أصابعه بسبب الزجاج الذي اخترق كفه.
حدق فيها لثوانٍ دون اهتمام، ثم مسح الدماء بعنــ,,ـــــف، وكأنه يحاول أن يمحو معها كل ما حدث.
اتجه إلى الحمام.

وبعد دقائق، خرج وقد غسل وجهه ويديه، وجفف خصلاته بمنشفة صغيرة.
لكن شيئًا في ملامحه كان قد تغير.
عيناه حمراوان، جامدتان، خاليتان من أي حياة.
من يراهما الآن، لا يملك إلا أن يخشى الاقتراب منه.
جالت عيناه في المكتب المحطم، ثم التقط هاتفه واتصل بالسكرتيرة.
_ابعتي حد ينضف المكان.
قالها ببرود غريب، بصوت خالٍ تمامًا من الحياة، وكأن الرجل الذي حطم المكتب منذ دقائق لم يكن هو نفسه الذي يقف الآن أمامها.
ثم أغلق الهاتف، واتجه إلى مقعده.
جلس.
أسند ظهره إلى المقعد، وظل يحدق في نقطة مجهولة أمامه، بلا حركة.

بعد دقائق، دخل عامل النظافة، وبدأ يجمع الزجاج والملفات الملقاة على الأرض، ويعيد للمكان شيئًا من نظامه.
أما عمران، اتجه إلى النافذة، أشعل سيجارته، ووقف يحدق في الشارع أسفل المبنى.
الدخان يتصاعد أمام عينيه، بينما كان عقله يغرق في شيء واحد فقط…
كيف استطاعت أن تخدعه إلى هذا الحد؟
ــــــــــــــــــــــ
عند ليلى…
اعتدلت بصعوبة، تشعر بأن جسدها لم يعد يطاوعها على الوقوف، تحركت تجر قدميها جَرًّا. لم تهتم بما ترتديه، ولا بخصلات شعرها التي تناثرت حول وجهها، ولا حتى بدموعها التي لم تتوقف منذ أن رأت الصور.
خرجت من المنزل بحالتها تلك؛

ملابس بيتية ضيقة، شعر مشعث، ووجه شاحب غارق في الدموع، وعينان متورمتان من كثرة البكاء حتى كادت لا ترى الطريق أمامها.
خطت عدة خطوات مترنحة، وكادت تسقط، فمدت يدها سريعًا تستند إلى الجدار، وظلت للحظات تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم واصلت طريقها.
أوقفت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي دون أن تنطق بكلمة.
ظل السائق ينظر إليها من المرآة بين الحين والآخر، وقد أثار حالها شفقته.
وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام الشركة.
نزلت ليلى، ثم فتشت على حقيبتها بيدين مرتجفتين، قبل أن تتجمد فجأة.. لم تحد الحقيبة ولم تجد نقودًا.

السابقانت في الصفحة 1 من 36 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى