اللي أشوفه. إنت ما تشوفش.
في منزل محمد… عم ليلى
كانت منال تجلس وهي تلطم صدـ,,ـــرها وتولول:
— يا حبيبي يا ابني… يا ترى عامل إيه دلوقتي؟! كان وشها شؤم بنت وفاء…
صاح محمد بضيق:
— قومي يا منال، خلينا نروح نشوف الواد محبوس ليه.
وقبل أن تتحرك، دخل محمود بعد أن نادى على أخيه:
— لو جاهزين… يلا، هاجي معاكم.
التفتت إليه منال باستنكار:
— مش هتروح تشوف بنتك يا محمود؟
تجمدت ملامحه، ثم قال بجمود قاتل:
— بنتي ماتت يا منال
نظر إليه أخوه في صدمة.
أما محمود، فتابع بصوت مكسور يخفي خلفه قسوة:
— ماتت يوم ما وطّت راسي… يوم ما خلتني أبص في وش الناس بسببها.
ثم اتجه نحو الباب.
— يلا… هشام أهم دلوقتي.
مساء ارتفع رنين جرس الباب، نهض فريد وفتحه
_مستر مدحت
_تسمح لي يابني ادخل
اومأ وابتعد عن فتحة الباب
_طبعًا اتفضل
خرجت وفاء وعيناها متورمة بالبكاء
حمحم مدحت
_مساء الخير يامدام
اومأت دون رد، اشار فريد الى مدحت
_مستر مدحت ياماما رئيسي في الشغل
_اهلا يااستاذ، قالتها بصوت مختنق
_اهلا بيكي
رفع فريد رأسه اليها
_ماما اتنين قهوة مظبوطة حبيبتي
_حاضر….
قالتها ودلفت للداخل
راقبها مدحت الى اختفت داخل المطبخ
صمت دام الى أن قال فريد
_عارف ان حضرتك مضايق، بس انا مش هينفع اشتغل في الشركة دي تاني
توسعت أعين مدحت من حديثه
ورغم ذلك لم يعلق، عجز عن الحديث لبعض الدقائق ثم قال
_والله يافريد مش عارف اقولك ايه، معرفش عمران بيه اصلا ماله بقاله يومين مش على بعضه، وعمال يرفض في الموظفين، وامر كل اللي مجاش الشغل النهاردة يترفض
حزن فريد من كلماته، علم أن عمران رفضه لسبب خاص، ورغم ذلك قال
_يعني أنا اترفضت قصدك، انا لسة قايلك، انا مكنتش
هروح تاني
_مش عارف اقولك ايه يابني
_متقولش حاجة يامستر… كله نصيب
انا اصلا بدور على شغل، فلو مفيهاش ازعاج لو تعرف شركة طالبة محاسبين هكون شاكر لحضرتك
_هشوف لك يابني حاضر
رفع حقيبة المال ووضعها أمامه على المنضدة
_الفلوس دي صرفها عمران بيه لكل اللي اترفضوا
نظر للفلوس، ثم الى مدحت
_اسف مش هقدر اخدهم، انا مش بقالي سنين، اشكره، مش محتاجهم
_بس يافريد
قاطعه فريد
_لو سمحت يامستر مدحت
وصلت وفاء بالقهوة، وضعتها امامهم بصمت فجأة، ارتفع صوت نحيب ليلى بالداخل، ركضت وفاء للداخل وخلفها فريد.
حاول تهدئتها، يضمها، ولكن بكاؤها اخترق الصدور.
_ليلى حبيبتي، اهدي ياماما، اهدي حبيبتي
ولكنها تبكي فقط
حقنها فريد كالعادة، ظل لدقائق معدودة بالداخل ثم خرج معتذرا الى مدحت
طالعه مدحت بااستفهام
_فيه حاجة يابني
_لا دي ليلى اختي تعبانة
_سلامتها… ألف سلامة عليها، بس ليه صوت عياطها كدا، لو عايز مساعدة
_شكر لحضرتك يامستر، اختي للاسف فقدت النطق والحركة وعايشة على المهدئات
ذهل مدحت من كلماته، هل يحكي عن الفتاة التي تملأ الدنيا ضحك
لقد حزن كثيرا عليها…
بمنزل شهاب
خرجت نيفين من المطبخ تحمل فنجان القهوة، واتجهت إلى الأريكة وجلست بجوار شهاب.
— تفتكر عمران صدّق اللي حصل؟
مد شهاب ذراعه، وأحاط خصرها يقربها منه بلا اهتمام بما يدور داخل رأسها.
— مش مهم صدّق ولا لأ… المهم إن البنت اتجوزت، وبعدت عنه. وبعدين على فكرة، عمران كان هيتسلى يومين بجواز عرفي، انا خفت تحمل منه
هزت نيفين رأسها نافية، وقالت بنبرة واثقة:
— لا يا شهاب… أنت مشفتوش ولا سمعته وهو معايا. ده كان واقع فيها
ابتسم شهاب بسخرية.
— خلاص انسي. أهم حاجة إن البنت بعدت، ومش هيتجوزها.
وأنا مش عايز عمران يتجوز خالص يا نيفين… مش قبل ما ناخد كل حاجة.
ارتشفت نيفين من قهوتها، لكن عقلها لم يكن مع شهاب.
كانت قبلات عمران ما تزال عالقة في ذاكرتها… صوته، نظراته، ارتباكه، وطريقته التي جعلتها للحظات تنسى كل شيء حولها.
لاحظ شهاب شرودها، فقال بضيق:
— هتفضلي تشربي القهوة دي لحد الصبح؟ ما تقومي علشان ننام.
وضعت الفنجان على الطاولة.
— ماليش مزاج يا شهاب.
في لحظة واحدة، امتدت يده وأطبقت على عنقها.
شهقت نيفين، ورفعت كفيها تدفع يده بعيدًا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
— إيه؟! عايز تمــ,,ـــــوتني؟
اقترب منها بعينين غاضبتين:
— مالك من يوم ما الزفت قرب لك وإنتِ مش طايقة لمستي؟
دفعته عنها، تلهث وهي تحدق فيه بخوف.
لكنه نهض، وعدّل ملابسه ببرود، ثم اتجه نحو الباب.
— قبل ما أوصل الباب تكوني ورايا… سمعتي ولا لأ؟
تركها واقفة في مكانها، بينما ظلت تنظر إلى أثره بصمت.
في اليوم التالي… بمكتب عمران
كان جالسًا خلف مكتبه، يحاول أن يدفــ,,ـــــن عقله في العمل بعدما عجز طوال الليل عن إسكات أفكاره.
دلف مدحت إلى المكتب.
رفع عمران عينيه إليه.
— حضرت المهندسين اللي هيقدموا العرض كويس يا مدحت؟ بالميزانية وكل حاجة؟
أومأ مدحت.
— جهزت كل حاجة يا عمران بيه.
رفع عمران رأسه عن الأوراق، وأسند ظهره إلى مقعده.
— الاجتماع ده مهم أوي يا مدحت. إنت عارف ميزانية المشروع كام. عايزك تبقى فايق لكل رقم… غلطة واحدة ممكن تضيع علينا المشروع كله. وأنا دماغي مشغولة اليومين دول.