_نورت ياعادل
نظرت لابنها الذي شحب وجهه وتجمعت الدموع بعيناه، نهض وهو يقول بنبرة متقطعة
_تعالى ننزل نتمشى ياعادل شوية
اومأ عادل وهو ينظر لحسناء التي هزت رأسها بصمت
باليوم التالي
دلف عبدالرحمن الى الورشة، يبحث عن فاروق، قابله خالد لم ينظر اليه، فنادى الى احد الصبيان
_المعلم فاروق مجاش
هز الصبي رأسه وقال
_هيجي بعد الضهر، وبيقولك انت لازم تخلص العربيتين دول، ومحدش يقرب منهم غيرك
نظر للسيارات وقال له
_لا..
لما يجي قوله عبدالرحمن ساب الورشة
في تلك اللحظة وصل احد ملاك السيارات
_يعني معلمك بيضحك علي
_لا والله ياباشا، البشمهندس هيخلص لك العربية
نظر الصبي لعبد الرحمــــــــن برجاء، سحب عبدالرحمن ملابس العمل من يده، وتحرك للداخل
مضى اكثر من ساعتين، غادر خالد بعدما قال للصبي
_انا رايح المستشفى، لو المعلم فاروق جه
بعد فترة
وصلت الى الورشة توقفت تراقبه ودموعها تنساب على خديها، سحبت اقدامها واتجهت اليه، الى أن اصبحت خلفه مباشرة
_عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم
تجمدت يداه على مايفعله، ظل يواليها ظهره لدقائق، ثم استدار اليها ببطء
تقابلت الاعين في عتاب مؤلم، حمحم وتراجع وهو يخرج سجائره، وأشعلها، وطالعها مقطب الجبين
_موضوع زي ايه
_هنتكلم كدا، في الشارع قدام اللي رايح واللي جاي
نفث دخان سجائره، وهو يرمقها بثبات مصطنع
_مش فاضي
_بس الموضوع مهم ياعبد الرحمن
_مفيش أهم من شغلي دلوقتي، روحي، وأنا لما افضى هكلمك، ولا أقولك كلمي خطيبك هيفيدك اكتر وخاصة متريش
اقتربت منه ورفعت عيناها التي لمعت بطبقة من الدموع
_شغلك أهم مني
اومأ وهو ينفث سجائره بلا إكتراث
_اه… اللي يخصني أهم من أي حد في الدنيا..
ومش عايز اضيع وقتي في حاجة متستهلش
كانت تعلم سيكون رده قاسي، ولكنها اشتاقت اليه، اتت عله يجد لها حلا فيما يحدث معها، تريد ان تشكي له مافعلته جيهان، تريد ان تبكي في احضانه علها تجد مأمنها به، بعد أن منعتها بالجلوس مع والدتها بالمشفى سوى دقائق معدودة يوميا
_عبدالرحمن لازم تسمعني
_قولت لك مشغول… طعنها فوق ماتشعر به هزت رأسها وقالت
_اسفة عطلتك يابشمهندس
_عادي…
تمتُم بها ودلف للداخل، بينما هي تجمد جسدها للحظات، تشعر أنها فقدت الحركة، وكأن قدميها التصقت بالأرض، سحبت اقدامها بصعوبة، تشعر بانخفاض انفاسها، تتحرك ببطء تتخبط بسيرها كطفلا يتعلم السير، ودموعها تفرش طريقها، تريد أن تصرخ، تريد ان تبكي بصوتا مرتفع، ولكنها تشعر وكانها داخل قبر، انفاسها ثقيلة
وصلت إلى منزلها بصعوبة، فهوت على الدرج، على كفها، رأتها صديقتها من نافذة منزلها، سحبت حجابها، وركضت اليها
_ خديجة، خديجة، مالك ياقلبي
بسم الله، بسم الله
لكن بترت حروفها
_كنت فين ياغندورة، وسايبة البيت يض،رب يقلب، حد قالك انا الخدامة بتاعتكم
هبت حنان صديقة خديجة
_انت مش شايفة حالتها، اتفي ربنا شوية
نفخت الاخرى بتصنع بصدرها
_ حوش ياحواش، والبعيدة بصفتها ايه
امشي يابت انجري على بيتكم ولا انادي لابوكي يعلم على جسد مك زي المرة اللي فاتت
رمقتها حنان باشمئزاز
_انسانة بشعة، ربنا يخلصنا منك
شهر انقضى مابين البكاء على والدتها التي دخلت غيبوبة بعد العملية، وعلى تحديد موعد زفافها… جاء يوم مماتها، دلفت جيهان بفستان زفافها
ألقته على الفراش تشير اليها
_الميكب ارتست جت برة، مادام رافضة كوافير، امك ماتت ياختي عيشي حياتك
قالتها وخرجت تغلق الباب خلفها، بينما ضمت خديجة ساقيها تضع رأسها فوقهما وذهبت بذكريات أجمل أيامها مع والدتها مرة، ومع حبيبها مرة
مدت يدها للهاتف، وقامت بفتحه على رسائله تتلمسها بدموعها، كأن كل حرف بها بماء الذهب
همست اسمه
_عبد الرحمــــــــن…
ياريتك تيجي وتخطفني، أنا بموت حبيبي
شهقة اخرجتها تضع كفيها على فمها تمنع صوت أنينها
_يلا خديجة، يلا علشان والدتك
_يارب ماطولش رقدتها
مضت الساعات سريعا الى أن جاء موعد عقد القران، ارتفعت الزغاريد بالخارج، ولكن كانت تستمع اليها وكأنها صوت عويل صارخ، حتى أنها دعت ربها أن يصيبها بالصمم او العمى
_يارب… اللهم إني مغلوب فانتصر
توقفت تنظر الى نفسها بالمرآة بفستان زفافها، رأت وكأنها ترتدي كفنها، تبسمت حين تمنت ذلك
_كفن…
يارب اجعله كفني
دلفت حنان تنظر اليها بدموع حبيسة
_زي القمر ياديجة
تهكمت على كلماتها ولم تعلق، رفعت الحجاب على الفستان
خطت حنان تنظر الى الفستان الملقى على الفراش، ثم الى الفستان الذي ترتديه
_ليه مالبستيش فستانك حبيبتي
_كفاية علي الكفن دا ياحنان، التاني تقيل وفيه حاجات مينفعش نلبسها وندفن بيها.
بكت حنان وسحبتها للاحضانها، لتبكي معها هي الاخرى
_حنان قولي له الحقيقة، عرفيه اني مبعتوش زي ماهو فاكر، قولي له يعيش سعيد ويكمل حياته.
احتوت وجهها
_خلاص انسي وفكري في نفسك، عبد الرحمــــــــن عاقل وهيتفهم، لازم تنسيه ياخديجة علشان تعيشي
_ومين قالك عايزة اعيش، يارب ا/مو/ت، ياريتني مكان امي مش حاسة بحاجة
دلفت جيهان
_المأذون وصل ياعروسة
لم تكمل جملتها حين وجدتها ترتدي فستان ابيض بسيط وحجاب بنفس اللون
_والله… احسن اهو غالي عليكي اصلا، سبيه ابعته لاختي خسارة فيكي
لم ترد عليها، تحركت للخارج بجوار حنان
عند عبد الرحمــــــــن
نهض عبد الرحمن بتكاسل، وكأن جسده أثقل من أن يحمله.
كانت أصوات الموسيقى والزغاريد تتعالى من الخارج، تخترق جدران المنزل وتصل إليه كأنها سكاكين لا تهدأ. خرج إلى غرفة المعيشة، فوجد والدته جالسة على مقعدها، تحرك مسبحتها بين أصابعها، وتتمتم بأذكارها. رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى لمعتا بالدموع. – أنتَ صحيت يا حبيبي؟ أومأ دون كلام، ثم ألقى بجسده المنهك فوق الأريكة. – لو فيه أكل يا ماما… هاتيلي أكل. نهضت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها.
– عيني يا نور عيني. تحركت إلى المطبخ، وما إن أدارت ظهرها له حتى خانتها دموعها. كانت تعرف… تعرف لماذا استيقظ ابنها اليوم بهذا الوجه الشاحب، ولماذا لم يسأل حتى عن مصدر تلك الأصوات التي تهز الحي. أما هو…
فنهض واتجه إلى شرفة منزله. وقف بها طويلًا، وعيناه معلقتان بالأنوار التي تزين المنزل المقابل. منزلها… اليوم تُزف لغيره… اليوم ستصبح زوجة لرجل آخر. اليوم، سيقف الجميع حولها يهنئونها، بينما سيقف هو في مكان بعيد، يحاول أن يقنع قلبه أن الفتاة التي أحبها لسنوات لم تعد له.
ابتلع غصة حارقة… اليوم سيدفن حيًّا. انفلتت دمعة من عينه، فمسحها سريعًا، وكأنه غاضب من نفسه لأنها فضحت ضعفه. استند بظهره إلى جدار الشرفة، ورفع عينيه إلى السماء. لم يطلب منها شيئًا… لم يعترض على قدره. فقط ناجى ربه بصمت:
– يا رب… اشفِ قلبي من حبها، لو كان حبها مش مكتوب لي. أغمض عينيه. في تلك اللحظة نفسها، دوّت الزغاريد. فتح عينيه، لكن صوتهن هذه المرة لم يصل إلى أذنيه فقط… بل ذبح شيئًا داخله.
ضغط كفه على صدره، كان قلبه بالفعل يتألم. بعد قليل، عادت والدته تحمل الطعام. وقفت خلفه، ثم قالت بحنان حاولت أن تجعله طبيعيًا:
– تعالى كل يا حبيبي… خالك اتصل وعايزك ضروري. أومأ لها، جلس أمام الطعام، والتقط بضع لُقيمات، حاول أن يبتلعها… ولكنّه فشل. كان حلقه مغلقًا بالحزن. ترك الطعام، ونهض. – هروح أشوف خالي. نظرت والدته إلى الطبق. – ماكلتش يا ابني. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. – شبعت.
أخذ سترته من مكانها، وخرج. كان يمشي بصعوبة، وكل خطوة تقربه من منزلها كأنها تقوده إلى جرحه بقدميه. حتى توقف أمام بيتها… رفع عينيه إلى الأنوار، ولم يتحرك. أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها. وضعت يدها على صدرها، وهمست:
– يا رب يعوض عليك يا حبيبي… بالأحسن منها، ويجبر قلبك. بينما هو لم يفكر طويلًا. ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه… ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة.
أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هنا. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت:
– يا رب… عدي الليلة دي على خير. أما هو… فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه. وصل إلى مسامعه صوت المأذون:
– بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. – مبروك يا عرسان!
– ربنا يسعدكم!
– ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا.
واقفًا كالغريب وسط الجميع… رفع عينيه ببطء… فرآها. العروس… في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن… أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها… توقفت عن الابتسام… ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها. وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن… سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة… ولا موسيقى… ولا زغاريد. فقط هو… هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به:
– عبد… الرحمن…
تجمد هو الآخر… وتعلقت العينان ببعضهما البعض. نظر إليها وداخله يصرخ:
إن كانت قد اختارت غيره… فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟