منوعات

عبد الرحمــــــــن وخديجـــــــة السابع بقلم سيلا وليد

ثم استدارت.
تحركت نحو منزل والدتها بخطوات متعثرة، تحمل جسدًا أنهكه الوقوف وقلبًا لم يعد يحتمل نبضة أخرى. فتحت الباب بيد ترتجف. دلفت… ثم أغلقته خلفها بصعوبة. وبمجرد أن أُغلق الباب… انهارت. هوت بجسدها خلفه، كأن كل القوة التي تظاهرت بها أمامه لم تكن سوى خيط واهن انقطع أخيرًا. وضعت كفيها فوق صدـ,,ـــرها، وانكمش جسدها وهي تبكي… تبكي كما لم تبكِ من قبل. سنوات من الانتظار… سنوات من الدعاء… سنوات من الأمل… انفجرت دفعة واحدة.

شهقت حتى اختنق صوتها، وضغطت على صدـ,,ـــرها، تحاول أن تمنع قلبها من التمزق. _ آآآه…
خرجت صرختها ممزقة، حادة، محملة بكل ما عجزت عن قوله أمامه. ثم شهقت مرة أخرى، ودفــ,,ـــــنت وجهها بين كفيها، وارتفع بكاؤها أكثر. كانت تبكي الرجل الذي أحبته… وتبكي السنوات التي انتظرته فيها… وتبكي نفسها، لأنها انتظرته بكل نبضة قلب. ولكن حين عاد أخيرًا، وجدته أبًا لطفلة ليست لها. كانت تلك اللحظة هي المرة الأولى التي تتمنى فيها خديجة بصدق… لو أنها لم تحبه يومًا.

استمعت والدتها إلى صوت بكائها، فرفعت يدها المرتجفة، تحاول أن تنطق، لكن الكلمات خرجت متقطعة ضعيفة:
_ ديجة… التفتت خديجة إليها على الفور، وما إن استمعت إلى صوت أمها حتى نهضت سريعًا، ومسحت دموعها بعجلة، تخشى أن ترى والدتها حزنها. ألم تعلمي يا عزيزتي أن الأم تشعر بابنتها دون أن تنطق؟ كيف تظنين أن إخفاء دموعك سيُخفي عنها وجعك؟ إن الأم ترى ما تعجز الكلمات عن قوله، وتسمع في الصمت أنينًا لا يسمعه سواها.

دلفت إليها وهي ترسم على شفتيها ابتسامة حاولت أن تجعلها صادقة:
_ حبيبتي… أنا جيت. رفعت فاتن عينيها إليها، وحاولت أن تسألها، لكن لسانها أثقله المرض، فلم تستطع سوى أن تنظر إليها في عجز موجع. اقتربت خديجة منها، وأزاحت الغطاء عن قدميها، ثم سحبت المقعد إليها برفق وجلست أمامها. أمسكت كفيها بين كفيها، وقبّلتهما بحنان، ثم قالت وهي تحاول أن تخفي خلف كلماتها كل ما يعتصر قلبها:
_ اتأخرت عليكي، آسفة يا حبيبتي… حنان كلمتني من نص ساعة وقالت عندها مشوار، بس كان عندي تكريم.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها، وكأنها تذكرت شيئًا جميلًا وسط كل هذا الخراب:
_ أنا اترقيت النهارده يا أمي… ومرتبي زاد. ثم رفعت عينيها إلى والدتها، وأضافت بحماس طفولي حاولت أن تستعيد به شيئًا من نفسها القديمة:
_ إن شاء الله هغيّرلك الكرسي ده، وأجيبلك واحد سهل… تعرفي تتحركي بيه لوحدك، ونخرج سوا، ونروح أي حتة نفسك فيها. رفعت فاتن كفيها المرتجفتين، وضعت إحداهما فوق رأس ابنتها، ثم أخذت تتأمل عينيها، وكأنها تسألها دون كلمات: لماذا كل هذا الحزن الذي يسكنهما؟

انحنت خديجة وقبّلت كفها، ثم همست بصوت اختنق بالبكاء:
_ علشان بتوحشيني… سكتت لحظة، ثم خرجت الكلمات من قلبها قبل شفتيها:
_ نفسي ترجعي تتكلمي زي الأول أوي يا ماما… نفسي أسمع صوتك يناديني باسمي، نفسي أحكيلك كل حاجة زي زمان… من غير ما أضطر أفهم كلامك من عينيكي. فجأة… تعالت طرقات صاخبة على باب المنزل. انتفضت خديجة، ثم نهضت وهي تدفع مقعد والدتها برفق. _ يلا تعالي اقعدي برّه، هفتح الباب… أخلي الشمس تدخل لك، وأشغلك أم كلثوم كمان.

ازداد الطرق عنــ,,ـــــفًا. تركتها خديجة واتجهت إلى الباب، وهي ترفع صوتها بضيق:
_ حاضر! إيه؟ قاعدة جنب الباب؟! ما إن فتحت الباب حتى توقفت جيهان أمامها، بنظارتها الشمسية وثيابها الأنيقة، تنظر إليها من أعلى إلى أسفل بنظرة مستفزة. قالت ببرود:
_ إيه؟ ساعة لما تفتحي؟ أجابتها خديجة بجمود:
_ عايزة إيه؟ دفعتها جيهان من طريقها وهي تقول باستخفاف:
_ جاية أشوف أمك… لسه عايشة ولا اتكلت؟ لم تحتج خديجة إلى أكثر من تلك الكلمة.

فأمسكت بذراعها، ودفعتها بكل ما تراكم داخلها من قهر، حتى اصطدمت جيهان بالحائط بقوة، فصرخت:
_ عايزة تسقطي ابن أخوكي؟! اقتربت منها خديجة، وعيناها تشتعلان بالغضب:
_ ياريت… وأهو تدوقي الوجع ده لو عندك قلب! ثم أشارت إلى الخارج:
_ امشي… اطلعي برّه. مش عايزة أشوف وشك المقرف ده. حدّقتها جيهان بحقد، وقالت من بين أسنانها:
_ ورحمة أبويا لأدفعك تمن ده غالي يا خديجة. أغلقت خديجة الباب في وجهها، ثم استندت إليه للحظة، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.

تمتمت باحتقار:
_ شخصية مقززة… مقرفة. استدارت إلى والدتها، تحاول أن تطفئ كتلة الغضب بداخلها، وما إن وقعت عيناها على أمها حتى اقتربت منها وجلست أمامها. وجدتها تبكي بصمت. مدّت خديجة يدها تمسح على وجهها، ثم قالت بصوت مكسور:
_ ما تعيطيش… لكنها لم تستطع أن تمنع دموعها هي الأخرى. ابتلعت غصتها، ثم خرجت الكلمات منها مؤلمة:
_ أنا أخويا مات يا ماما… سمعتيني؟ ارتجف صوتها. _ مش عايزاه… لا هو، ولا القرشانة مراته.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى