
رفع عينيه إليها، وكأنه يبحث في كلماتها عن أمل. تابعت بحذر:_أنا سمعت إن جوزها كان بتاع ستَّات، وإنهم أخدوا اللي وراه واللي قدامه، واتسجــ,,ـــــن لما اتمسك في قضية…مش عارفة تفاصيلها. أغمض عينيه بضيق:_مش عايز أعرف حاجة عن أي حاجة يا أمي. .ثم فتح عينيه، وقال بوجع:_أنا عايزها هي وبس. ابتسمت والدته بحنان:_طب ما تقولَّها كده…يمكن هي كمان لسه بتحبك. هز َّرأسه، وابتسم:_متأكد إنَّها بتحبني، عارف عيونها لمَّا تفضحها. ابتسمت حسناء: _عشــ,,ـــــقان يا بن حسناء، الله يرحمك يا سلطان، كان يقول عبدالرحمن قسوته دي مش هيوقَّعها غير ست.
أومأ ولمعت عيناه بابتسامة:_ووقعت يا أم عبدالرحمن، شوفتي البنت البريئة عملت في ابنك إيه، أنا كنت راجع وبقنع نفسي مستحيل أرمي عليها السلام حتى لو شفتها صدفة، بس لمَّا شفتها مكنتش عايز حاجة غير إني أخدها في حــ,,ـــــضني بس. نظر لوالدته:_خديجة مش مجرد حبيبة وبس، دي الروح. لمست والدته وجهه بحنان: _ربنا يسعدك يا بني…كان نفسي تكون أول نصيبها، بس هنقول إيه غير نصيب. اعتدل في جلسته ونظر إليها:_خديجة اتجوزته علشان عملية أمَّها.. انجبرت تختار، ورغم إنها انجبرت بس هعرَّفها يعني إيه تتخلى عني بسهولة.
لكزته حسناء بصدـ,,ـــره:_مالك يا واد، بتتكلم كأنها مراتك وخلاص. _لأنها كدا يا أمي، أنا أخدتها مربية علشان كدا، عايزها تتعوِّد._فهمت إنك حطيت سيليا طعم يا بن سلطان._منكرش كنت مضايق منها، بس لمَّا عرفت غصبها على الجواز نسيت كل حاجة نسيتها. أومأت حسناء بأسى:_سمعت بكده فعلًا…يعني مش زي ما إنتَ فاكر، حبيبتي اتجبرت على الجواز. وضعت كفَّيها فوق يده:_وبعدين أنا طول عمري لمَّا كنت بشوفها، كنت بحس إن عينيها بتدوَّر عليك، كانت عايزة تعرف أخبارك، حتى لو كانت بتخبي ده.
لمعت عينا عبدالرحمن، وظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة:_دي عشــ,,ـــــقي يا أم عبدالرحمن. ضحكت حسناء ومسحت دموعها:_تستاهل يا واد…_طب وماسة، هي هتوافق؟انطفأت ابتسامته. زفر طويلًا، ثم قال:_لو وصلت للطلاق…هطلَّقها. شهقت حسناء وضــ,,ـــــربت على صدـ,,ـــرها:_حرام عليك يا ابني! طلاق إيه؟_ماما… رفع عينيه إليها، وفيهما تعب سنوات:_أنا تعبت مع ماسة، مش مرتاح… وهيَّ كمان مش فارق معاها._طيب هي ليه سابت البيت وراحت الشقة؟خفض عينيه:_لا، أنا اللي نقلتها._ليه يا ابني، علشان البنت؟سكت لحظة، ثم قال:_هي مش في دماغها يا ماما.
ثم ابتلع غصَّته وأضاف:_وأنا مش عايز أوجع خديجة بيها. نظرت إليه حسناء طويلًا، ثم قالت بهدوء:_أنا مش هقولَّك إن ده صح أو غلط… لأنك واعي، وإنتَ اللي هتتحمِّل نتيجة قرارك. أومأ عبدالرحمن، ثم أسند رأسه إلى كتفها:_ادعي لي يا أم عبد الرحمن. _دعيالك يا حبيبي. اعتدل ونظر إليها:_عايزك تروحي تتكلمي مع خالتي فاتن، أنا كنت هروح لها، بس قولت لازم إنتِ الأول. ابتسمت تنظر إليه:_عيوني…صمتت ثم قالت:_اتكلم مع ماسة الأول، مهما كان يا بني مراتك. نهض من مكانه يسحب سترته:_أكيد هتكلِّم معها ياماما، أنا كنت حاكي لها قبل الجواز، هي أكيد هتتقبِّل الموضوع.
توقَّفت حسناء تطالعه:_دلوقتي غير، دلوقتي مراتك وبتحبك. زمَّ شفتيه متهكمًا:_أيوة بتحبني أوي. دنت منه تنظر لمقلتيه:_أنا مش هقولك ليه اتجوزتها وخلِّفت وإنتَ مش طايقها كدا، بس إنتَ قولت لي عايز تعيش ويبقى عندك عيلة، وأنا قولت العمر بيجري، رغم إني رفضت جوازك في الغربة، بس قولت سعادتك أهم. تنهَّد وخطا إلى الباب:_ماما اللي حصل حصل، المهم خلَّصي لي موضوع خديجة النهاردة، وأنا هروح لماسة وأرجع لك._حاضر يا حبيبي، نص ساعة وأروح لها._نصِّ ساعة إيه يا ماما، إنت وراكي إيه دلوقتي، يلَّا انزلي معايا. توسَّعت عيناها بذهول:_معقول مش صابر، مالك يا عبد الرحمن، قولت نصِّ ساعة.
_وأنا قولت انزلي معايا يا ماما. تأفَّفت ودلفت للداخل لأنها تعلم أنه لن يتراجع وتمتمت: _مش صابر يا بن سلطان. بعد قليل، توقَّفت حسناء أمام باب المنزل، بينما كان عبدالرحمن ينتظرها على بُعد خطوات مستندًا على سيارته. طرقت الباب. فتحت خديجة، وما إن وقعت عيناها على حسناء حتى تجمَّدت ملامحها في مكانها. نظرت إليها طويلًا، بدهشة لم تستطع إخفاءها، وعيناها تسألان عن سبب مجيئها بعد كل تلك السنوات؛ فقد اعتادت أن تمر الأيام دون أن تراها. وقبل أن تستوعب ما يحدث، لمحها عبدالرحمن من خلف والدته.
توقَّفت عيناه عليها..شعرها المنسدل، ملابسها الضيقة…اخترقت نظراته كل شيء. تقدَّم منها سريعًا، وصاح بغضب:_إنتِ إزاي تفتحي الباب كده، وإنتِ متعرفيش مين على الباب؟!انتفضت خديجة، وظلت تحدِّق فيه بعدم استيعاب، فقد كانت تظن أن حنان هي من تطرق الباب. رفعت حسناء حجابها عن كتفيها، ورمقت ابنها بامتعاض:_مارتهدى يا عبدالرحمن! هيَّ واقفة في الشارع، ده بيتها. تراجع خطوة، ومسح وجهه بعصبية، بينما كانت خديجة تنظر إليه وكأنَّ وجوده المفاجئ أمامها قد انتزع الكلمات من حلقها. في الداخل، تعالت همهمات فاتن. التفت عبدالرحمن نحو الصوت، ثم عاد ببصره إلى خديجة.
دلفت حسناء إلى المنزل، واقتربت من فاتن بابتسامة حانية:_إزيك يا فاتن، عاملة إيه؟_الحمد لله…خرج صوت فاتن متقطِّعًا، ثم رفعت عينيها نحو عبدالرحمن الذي ظل واقفًا عند الباب._ادخل يا ماما. التفتت إليه:_ادخل يا حبيبي. دخل عبدالرحمن ببطء. وقعت عيناه على المقعد المتحرِّك الذي تجلس عليه فاتن، فتبدَّلت ملامحه للحظة، ثم استدار نحو خديجة. التي كانت لا تزال واقفة مكانها. اقترب منها، وحاول أن يرسم ابتسامة هادئة على وجهه، رغم أن قلبه كان يختنق من رؤيتها بهذا الانكسار:_إزيك يا خالتي، عاملة إيه؟