كانت تستمع له بأعين متسعة و هو كذلك صدم مما تفوه به أثناء غضبه ، فقد باح بأكثر من المسموح به . و لكنها السبب فهي من أفلتت زمام الأمور من يده و هي تتعامل بتلك الطريقة. ثم قالت : قولت لك مش محتاجه معونه من حد، أنا مش من الفقرا إلي بتعطف عليهم و لا بشحت. فصرخ فيها : حلاااا ، إتكلمي كويس .
حلا : باشا .. ماعلش يعني هو انا واقفه هنا بعمل إيه ، أنا أصلاً لسه هنا في البيت ده ليه ؟ و ليه لما مشيت رجعتني ، و أصلاً أنت أزاي عرفت طريق بيتي ، أنا مش فاكرة إني قولت لأي حد عليه. أسئلة كثيرة ، خلف بعضها و متعاقبه ، على أي منهم سيجيب ؟ تلعثم في الرد ، وضع يداه في خصره ثم رفع رأسه لأعلى يحاول الوصول للحظة هدوء و تركيز .
لتهاجمه ذكرى الليلة الماضية و هو يقبل كتفها و هي ممدة أمامه بجلبابها الناعم ببشرتها الغضة الطريه .. فتح عيناه و عاود النظر لها و هو يستعد للتحدث أليها بحلم : طيب يا حلا ، ممكن تهدي و تفهميني مالك ؟ هزت رأسها بنفاذ صبر و قالت: أنا مش عايزه أفهمك و لا تفهمني ، أنا عايزة أمشي. تنهد ثم تحدث بصوت متعب و هو يمد كفه على وجنتها يملس عليها بجنان شديد : ما قولت لك مش عايزك تمشي ، عايزك جنبي.
أقترب منها بهدوء شديد و بدأ يميل إليها شيئاً فشيئاً حتى بات قريب جداً منها ، لم يستطع تمالك نفسه كثيراً ، أطبق بذراعيه عليها بين أضلعه يحتضنها له و هو مغمض العينين ، حتى أنها شعرت بتشنج عضلاته على جسدها ، تسمع صوته يردد : عايزك جنبي دايماً ، أفهمي بقا . أتسعت عيناها و هي تدرك ما يحصل ، و المغزى من حديثه ، كذلك إحتضانه منها و قربه الدائم و الغير مفسر و هو رجل متزوج و هي خادمة لديه .
زادت عصبيتها ، و كأن الكهرباء قد أنفصلت عن عقلها ، نفضته عنها بعنف و غضب و بدأت تتحدث بغل : إيه إلي أنت بتعمله ده ، أنت فاكرني إيه ، رخيصه ماليش قيمة ، أوعى تفكر تقرب مني تاني ، أنت سامع و لا لأ ، و لا أنا أصلا مش هفضل عندك هنا اكتر من كده ،عايزة امشي ، هو مش بالعافية على فكره… مش عايزة أفضل عندك ، أفهم بقا .
كان يتسمع لها و قد تفاجئ برد فعلها ، و لم يستطع التحمل ، هاجت أعصابه و هدر بعنف : اييييه ، هتحايل عليكي ، هشتحتك ، ما عنك ما فضلتي ، أنا إلي مش عايزك في بيتي ثانية واحدة زيادة ، أمشي من هنا مش عايز ألمح خيالك حتى ، أنتي سامعة و لا لأ… يالاااااا . صرخ بالاخيرة عالياً حتى أنها شعرت بأهتزاز الأرجاء من حولهما ، صدمت قليلاً لكنها أسرعت في الخروج ، تركض ناحية الباب الداخلي ثم إلي الحديقة .
أرتمى على الكرسي من خلفه و هو يلهث من شدة الغضب ، صدره يعلو و يهبط بجنون يراقبها عبر باب مكتبه المفتوح و هي تهرول ناحية الخارج كأنها تنتهز الفرصة ، و كأنها كانت بسجن و ستتحرر منه . رفع سماعة تليفونه يهاتف أحدهم فأتاه الرد على الفور ليقول بصوت لاهث متعب: أيوه يا عزام، حلا رايحة ناحية البوابة عايزة تخرج ، أمنعها حتى لو قالت لك إني سمحت لها .
اغلق الهاتف و عاد رأسه للخلف ، لا يفهم بل يصعب عليه التوصل لمعنى واضح عن ما يحدث معه. و لا لما يفعل كل هذا ، لما لا يستطيع تركها و شأنها و لما لا يستطع الإقتراب أكثر طالما أنه يريد ذلك. ليأتيه الرد على هيئة صوت … صوت سلوى التى دلفت لعنده مندفعه مبهورة تردد : غانم غانم … ألحقني يا غانم . وقف مبهوت ، خائف على طفله و سأل : في إيه ؟ إيه إلي رجعك بدري ، الحمل حصل له حاجة ؟
هزت رأسها بجنون و هي تضع يدها على معدتها التي بدأت تنتفخ قليلاً و قالت: أنا مش مصدقه نفسي.. مش عارفه أصدق .. إحساس جنان. هز كتفيه بجهل و قال: في ايه يا سلوى قولي بسرعه بالله عليكي أنا مش ناقص. اقترب منه سريعاً و خطفت يده تضعها على معدتها لتتسع عيناه و يقشعر جسده و هو يشعر بتحرك شئ ما تحت يده حركة خفيفة. أبتلع رمقه بصعوبة و سأل: ده… ده إيه ده ؟
قالت سلوى و هي حرفياً على شفى خطوة واحدة من الجنون: البيبي بدأ يتحرك يا غانم ، أنت متخيل .. يااااه .. أنا أول مره أحس الإحساس ده ، ده طلع إحساس جنان … كل مره ماكنش الحمل بيعدي الشهر التالت حتى فمكنتش بحس بكده ، دي أول مره.
وقف مبهوت ، لأول مرة يشعر بهكذا إحساس و سلوى كذلك التي قالت : أنا كنت برا و أول ما حسيت بكده سبت كرم يكمل و جيت على هنا بسرعة ، كرم بيقول أن ده من الحلويات إلي أكلتها ،و كل ما باكل حلويات كل ما بتزيد حركة البيبي كده… أنا هطلع اوضتي بسرعه عشان أرتاح و أنام على ضهري.. الحمل ده لازم يكمل. غانم : طيب أهدي براحة بس.. إن شاء الله هيكمل ، أطلعي إرتاحي.
سلوى : أيوه أن شاء الله هيكمل، لازم و إلا هيجرى لي حاجه ، أنا ممكن أتجنن فيها بجد ، تعالى معايا لاوضتي يالا نيمني . لم يفكر لثواني ، ذهب معها ، و هو يعلم أن حلا تمنع الآن من الخروج و ستعود لغرفتها غاضبه تود حرقه ، سيتركها قليلاً لتهدأ و هو كذلك. فليهتم حالياً بطفله القادم و ينتظر حتى تهدأ تلك الطفلة التي تقطن غرفتها بالأسفل .
مرت عدة أيام لم تكن كفيلة أبداً بأن تهدئ حلا ، بل كانت عصبيتها تزيد يوم عن يوم رغم سماح غانم لها و أخيراً باستخدام هاتفها المحمول فبعد فترة من المنع أقتربت من الشهر تعطف و تكرم عليها و سمح لها بإستخدامه فقط لتطمئن أمها عليها يومياً. جلست على الكرسي في المطبخ ، لا تهتم بالسماع إلى ما يحكيه كرم ، تراه كثير الكلام كالسيدات بالضبط . ليتفاجئ كل منها بغانم يقف على باب المطبخ يقول بعناد طفل أرعن : عايز قهوة
لم تنظر له رغم أنها تشعر بأنظاره مسلطه عليها ، يقصدها بحديثه رغم تعميمه الكلام أثناء الطلب . فزاد غضبه و قال من جديد : بقول عايز قهوة . فقال كرم : حاضر يا باشا . غانم : مش الهانم طلبت منك بسبوسه ، خلصها لها بسرعة عشان نفسها فيها . كل هذا و هي تنظر أرضاً ببرود قـ,ـاتل .. قـ,ـاتل جداً بل مدمر لأعصاب ذلك الضخم الواقف يسد الضوء عن الباب و هي جرو صغير يجلس على كرسيه متسبب في عصبية شخص مثله و أيضاً لا تبالي .
فقال كرم : هعملك القهوة و أكمل . غانم : و ليه هو مافيش غيرك هنا ، حلا تعمل القهوة. و أخيراً نطق أسمها بلسانه بعد خصام أيام ، رغم أنه ينطقه كل يوم و ليله في سره … حلا.. كم يعـ,ـشق هذا الإسم بحروفه الثلاث . ليأتيه الرد البارد من صوت بارد ردد : مابتعرفش . زادت وتيرة أنفاسه قليلاً ، و أخيراً تحدثت إليه و أستمع لصوتها ، لكنها كلمة قصيرة ، و هو يرغب في إطالة الحديث فسأل: ما بتعرفش إيه ؟
حلا بنفس البرود : مابتعرفش تعمل قهوة . غانم : بجد أمال بتعرفي تعملي إيه ؟ حلا : ما بعرفش أعمل أي حاجة ، أنا بقول توفر عليك فلوس مرتبي و تمشيني . كانت مستفزة بجدارة، مستفزه لأقصى حد ، أراد إستفزازها كما تفعل معه و قال : إلي مش بيعرف يتعلم ، أهو تتعلمي لك حاجه تنفعك و تشتغلي بيها ، هتمشي من هنا يعني تقعدي في البيت من غير شغل ؟
تنهدت ببرود و قالت : أنا مش بتاعت شغل ، أنا هتجوز و أقعد في البيت . تخطت كل الحدود و هي لا تعلم او تقصد ، فكرة أنها ستتزوج بآخر ألهبت الغضب في قلبه و صدره و دلف للمطبخ بخطى غاضبه يقول: تتحوزي إزاي يعني ؟ بارعة ، أستاذة و رئيسة قسم في البرود ، أنها كثلج ألاسكا بالضبط تنظر له بأعين باردة ثابتة ثم قالت: و أنت مالك ، دي حاجة تخصني لوحدي ، هو انت من بقية أهلي ؟
فقال غانم بغضب: حسابك تقل معايا أوي ، خلصي القهوة و تعاليلي على مكتبي. خرج سريعاً ، لن يتحاسبا أمام كرم ، فلتأتي لعنده و يكونا بفردهما و وقتها سيريها كيف ستتزوج برجل أخر . لكن حلا لم تكن تهتم و لم تصنع له القهوة حتى ، تركيزها على الوصول لفرصة للخروج من هنا ، كل دقيقة تمر عليها و هي معه تراه يقترب و يدلل زوجته تمـ,ـوت حية و أكثر ما يقت..لها هو أنها لا تستطيع البوح و لا تستطيع التوقف عن ما تشعر به .
نظرت لكرم و سألت : خلصت البسبوسة يا كرم . كرم : أيوه ، بسبوسة بقا إيه ماقولكيش من إلي وصى عليها لقمان . حلا : ايوه طبعا طبعا ، هاخد منها بقا . كرم : خدي إلي أنتي عايزاه ، أنا هروح أودي الطبق ده للست سلوى و جاي . ابتسمت له ثم وضعت البسبوسة في صحن صغير ة معه شوكة ، ثم عدلت من ضبط فستانها على جسدها و صففت شعرها ، التقطت الصحن و خرجت للحديقة تبحث عن هدفها.
حتى توقف أمامه و نادته لتلفت إهتمامه : عزام . إلتف لها على الفور و هو مستغرب وجودها ، و بعيناه يظهر الإعجاب بجمالها بوضوح ثم ردد : ست حلا ؟ بتعملي إيه هنا. جعدت ما بين حاجبيها و سألت: إيه ست حلا دي ، أنا حلا عادي. عزام : ما هو ….
صمت لا يعرف بما يجيب او يقول ، هو بالطبع ملاحظ لإهتمام رب عمله بها لذا فهي بالتأكيد ليست مجرد خادمة فهو يعمل مع غانم من فترة ليست بقصيرة و لم يراه مسبقاً يسير يوزع الإهتمام على هذه و تلك بل يفعل فقط مع حلا لذا أرفق كملة (ست) مع إسمها . لكنها رفضت و قالت : ما هو إيه ، ده أنت حتى شغلتك أشيك مني شوية ، مسؤل أمن ، مش خدامة زيي .
أبتسم لها و قال: ما تقوليش كده ده أنتي ست البنات كلها. أتسعت أبتسامتها و قالت: طيب أنا جبت لك البسبوسة دي ، عملتها بأيدي قولت لازم أجيب لك منها . و گ المثال القائل “أجسام البغال و عقول العصافير” فقط إستطاعت حلا بكلماته البسيطة الساذجة تلك أن تضحك على عقل عزام الذي أخذ منها الصحن مسرور و بدأ حديث طويل بينهما بل جلب لها مقعد بلاستيكي أيضاً لتجلس بجواره يتبادلان أطراف الحديث الخفيف و هو مستمتع بمذاق حلوى البسبوسة.
جلس على طرف السفرة ينقر على زجاجها بغضب ، أين هي و لما لم تأتي بالقهوة ، لقد صبر عليها كثيراً حتى أن ميعاد الغداء قد أتى و هي لا حس عنها و لا خبر. يرغب في الذهاب لها لكن هيبتة تمنعه خصوصاً و هو لا يجد منها مؤخراً غير الرفض القوي ، و كذلك سلوى تجلس معه الأن. رفع عيناه على صوت همهمة متلذذة صدرت عن سلوى التي تلتهم البسبوسة.
نظر لها بإنزعاج واضح و قال: في ايه يا سلوى ، ده تاني طبق ، كتر الحاويات ده غلط.