منوعات

رواية قدرا لايشبهه بقلم سيلا وليد

وأنا حاولت أوصل لحضرتك، بس السكرتيرة قالت إن حضرتك مشغول.
ضيق عمران عينيه قليلًا، ثم سأل:
— إنت اللي جيت قبل كده؟
أومأ فريد:
— أيوه.
ثم تابع موضحًا:
— أنا مش بقالى كتير في الشركة، ومش خبير زي خبراء حضرتك، بس فيه أرقام في الملفات مش متسجلة، ومستر مدحت لسه راجع النهارده.
أخذ عمران ينقر بأصابعه على سطح المكتب، يستمع إليه باهتمام، بينما تحركت ليلى وجلست على الأريكة الموضوعة بجوار المكتب.
رفع عمران عينيه إليها دون قصد.
وجدها تنظر إليه، فقالت بعفوية شديدة:
— بتبص لي ليه؟

رجلي وجعتني، وشكلكم مطولين في الكلام.
ساد الصمت لثوانٍ.
رمقها فريد بنظرة عتاب، ثم قال سريعًا:
— آسف يا عمران بيه… هي ليلى كده. أوعدك مش هتيجي الشركة تاني.
ظل عمران يحدق بها، ثم ضيق عينيه قليلًا وسأل:
— إنتِ في كلية إيه؟
رفعت ليلى حاجبًا بدهشة، ثم قالت :
— إيه؟ هتشغلني عندك؟
لم يشعر عمران بنفسه إلا وهو يطلق ضحكة عالية، صافية، على غير عادته، حتى أغمض عينيه للحظة من شدة الضحك.
توقفت ضحكته تدريجيًا، بينما ظلت ليلى تحدق به بدهشة.

ولسبب لم تفهمه، شعرت بشيء دافئ ولذيذ يتسلل إلى قلبها، فسرعان ما أشاحت بوجهها، تخفي ابتسامتها الصغيرة.
_ايه الراجل غريب الاطوار دا، هو طيب ولا بيستهبل
هز عمران رأسه، وقال وهو يستعيد هدوءه، ينظر لشفتيها التي تحركها بالحديث، ورغم ذلك وقال
— لا مش هنزعق لك، آه… إيه رأيك في شركتنا المتواضعة؟
ابتسمت ليلى وقالت بعفوية:
— مش بطالة… بس مديرها يكون حنين على موظفينه..

علشان يدخل الجنة، وكمان العصبية بتكبر الراجل، يعني اللي يشوفك يقول عندك خمسين سنة
_أنا عندي خمسين سنة
_ايه مستصغرهم
كور فريد قبــ,,ـــــضته من كلمات اخته المستاءة، بينما رفع عمران عينه لليلى
تعلقت عيناه بعينيها، وبقيت نظراتهما متشابكة لثوانٍ، حتى همس لنفس
_ماذا بها هذه الفتاة
شيء غريب حدث بينهما في تلك اللحظة… انجذاب أول، خاطف، لم يفهم أيٌّ منهما سببه، لكنه كان حاضرًا بقوة.
قطع عمران الصمت، وكأنه يحاول إخفاء ارتباكه فحمحم:
— إنتِ في قسم إيه؟
أجابت بحماس:
— برمجة.
— برمجة؟

أومأت برأسها، ثم تابعت وقد لمعت عيناها بحماس:
— آه… رغم إني مكنتش حابة القسم في الأول، بس الشغل على الأجهزة متعة بجد. كل ما أفهم حاجة جديدة بحس إني عايزة أعرف أكتر.
ظل عمران يراقب حركاتها وتلقائيتها، يستمع إلى حديثها دون أن يقاطعها، حتى تناسى للحظات وجود فريد داخل المكتب.
إلى أن حمحم فريد، فأفاق عمران من شروده:
— آسف لحضرتك.
ثم أشار إلى شقيقته، وقال بنبرة حازمة:
— معتذرتيش.
نظرت ليلى إليه باستغراب:
— على إيه؟
— ليلى…

قالها فريد بعتاب واضح.
نظرت ليلى إلى شقيقها، ثم عادت بعينيها إلى عمران، وقالت بخجل:
— آسفة يا عمران بيه.
تردد حديثها لاذنه عدة مرات، دلفت نيفين
_عمران اتأخرت؟!
رمقتها ليلى بنظرة سريعة، نظرت الى ثيابها بامتعاض، جيب اسود من الجلد فوق الركبة، وكنزة صوفية باللون الابيض، فوقها سكارف، وتترك لخصلاتها العنان
أشار عمران الى ليلى بيده نحو الباب، وقال بلهجة حاسمة عكس مايشعر به:
— استني أخوكي برّه.
مطّت ليلى شفتيها بضيق، ثم التفتت إلى فريد وهمست:
— بنطرد.

هز فريد رأسه محاولًا إخفاء غضبه منها، فتحركت ليلى إلى الخارج دون أن تضيف كلمة، مرت بجوار نيفين، ومازالت نظراتها تخترقها، بينما ظل عمران يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب.
سحب نفسًا عميقًا، ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي:
_ ابعتلي مدحت.
_نيفين شوية وجاي.
تأففت بضجر، ثم تحركت للخارج
لم تمضِ سوى دقائق حتى دلف مدحت إلى المكتب.
— مدحت… شوف فريد هيقولك إيه، وعايز تقرير كامل بكل اللي بيحصل في قسم الحسابات، من أول المشروع لحد النهارده.
تقدم فريد، ووضع الملف أمامه، ثم أخرج النسخة الأصلية من بين الأوراق، وقال بجدية:

— فيه فرق سبعة مليون بين المتسجل في الحسابات والأرقام الموجودة في الورق الأصلي. أنا راجعت الملف أربع مرات يا عمران بيه، لدرجة إني نقلته بنفسي ورجعت راجعته من الأول. ولما لاحظت الاختلاف، جيت لحضرتك، بس للأسف مقدرتش أقابلك.
أمسك مدحت بالملف، وراح يقلب صفحاته بسرعة، ثم قال:
— أيوه يا عمران بيه… بس شهاب هو اللي كان بيراجع المشروع الفترة اللي فاتت.
توقف عمران عن تقليب الأوراق.
نقر بأصابعه على سطح المكتب، وعيناه معلقتان في نقطة بعيدة، بينما بدأت الاحتمالات تتزاحم في رأسه.
سبعة ملايين.
رقم لا يمكن أن يكون مجرد خطأ في الحساب.

رفع عينيه إلى مدحت، وقال بهدوء بارد:
— مدحت… غيّر المحاسبين المسؤولين عن المشروع ده، وانقل شهاب فرع ستة أكتوبر.
اتسعت عينا مدحت:
— معقول يا عمران بيه؟
رفع عمران الملف، ثم همَّ بالخروج، لكنه توقف فجأة.
— ولا أقولك… استنى.
التفت إليه، وقال:
— أنا هراجع الملف بنفسي.
ثم أضاف بنبرة ساخرة خفيفة:
— أنا أصلًا اعتذرت النهارده عن اجتماع المناقصة بسبب سي فريد وأخته.
خفض فريد رأسه بحرج:
— آسف لحضرتك يا عمران بيه.
أشار عمران بيده إشارة مقتضبة، ثم خرج.

انت في الصفحة 10 من 26 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى