اقتربت من الباب بخطوات مترددة، وعيناها معلقتان بالأرض.
ثم رفعت رأسها نحوه بحذر.
_ ممكن تعديني، عايزة أخرج.
قال بهدوء مستفز:
_ تخرجي؟ الله… مش هتشتكيني؟
هزت رأسها بسرعة، كطفلة ضبطت متلبسة بشيء تخشاه.
_ لا… خلاص. المسامح كريم. وفريد أصلًا مش موافق.
ابتسم بسخرية خفيفة.
_ لا يا راجل؟
زوت جبينها، ونظرت إليه بضيق.
لكنها ما إن رفعت عينيها إليه حتى التقت عيناه بعينيها.
توقفت الكلمات على شفتيه.. لم يكن يعرف لماذا صمت.
فقط وجد نفسه يحدق فيها.
عينان عسليتان واسعتان، تلمعان ببراءة ممزوجة بعناد غريب…
وبشرة بيضاء تزين وجهًا دائريًا صغيرًا، وحجاب فيروزي يحيط بملامحها فيزيدها رقة.
لأول مرة منذ وقت طويل، لم يجد عمران الرد المناسب.
أما هي، فلم تفهم سبب صمته.
قالت بصوت خافت:
_ ممكن تعديني لو سمحت؟
عاد ثباته مرة أخرى
تحرك نحوها… خطوة واحدة فقط…
جعلتها تتراجع دون وعي.ثم خطوة أخرى…
فتراجعت حتى اصطدم ظهرها بالجدار.
ارتجف جسدها، ورفعت عينيها إليه بحذر.
كان قريبًا منها، أكثر مما ينبغي.
خفض بصره إلى ارتباكها، ثم عاد يثبت عينيه في عينيها.. وقال
الفصل الثالث ابتعدت ليلى عنه خطوة، لكنه تقدم نحوها حتى حاصرها بينه وبين الحائط.
ارتجفت شفتاها، وخرج صوتها ضعيفًا مرتعشًا:
_ لو سمحت… ابعد.
قالتها وهي تغالب دموعها، لكنّه لم يتحرك.
_ لو سمحت ابعد عني.
رفعت يدها الصغيرة، ودفعته بها في صدـ,,ـــره، إلا أنه قبــ,,ـــــض على معصمها وجذبها نحوه، فاصطدمت بصدـ,,ـــره رغماً عنها.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب ودلف مدحت.
_ عمران بيه…
لم يلتفت إليه، وظلت عيناه معلقتين بليلى.
_ بتعملي إيه هنا؟
انسابت دموعها بصمت، ولم تجد ما تقوله.
كرر مدحت، بنبرة أكثر إلحاحًا:
_ عمران بيه…
استدار إليه أخيرًا، فاستغلت ليلى اللحظة، وأفلتت نفسها منه، ثم اندفعت خارج المكتب دون أن تلتفت خلفها.
تابع عمران خروجها بعينيه حتى اختفت، قبل أن يقترب منه مدحت قائلًا:
_ أنا آسف لحضرتك، البنت صغيرة ومكنتش تقصد أي حاجة.
جلس عمران على مقعده، وأسند ظهره إليه، ثم قال ببرود:
_ هاتلي ملف أخوها… ويجي هو وهي يعتذروا
تردد مدحت لحظة.
— عمران بيه…
رفع عمران عينيه إليه بحدة:
— قولت إيه يا مدحت؟ نفّذ.
أومأ مدحت سريعًا.
— تحت أمرك يا بيه.
خرج، بينما بقي عمران مكانه.
مرر يده بعنــ,,ـــــف على وجهه، ثم توقف فجأة، ورفع كفه إلى أنفه.
كانت رائحتها لا تزال عالقة بيده…
رائحة غريبة لم يعتدها.
تذكر حين اصطدمت بصدـ,,ـــره، فعبس دون أن يفهم سبب اهتمامه بتفصيل كهذا.
وقبل أن يسترسل في أفكاره، طرق أحدهم الباب، ثم فُتح ودخلت ملك، شقيقته، برفقة نيفين.
— ملك؟ إيه اللي جابك؟
اقتربت منه بابتسامة عفوية:
— كنت بعمل شوبينج مع نيفين، وقولنا نعدي عليك، بما إن ماما راحت لخالتو… نتغدى بره سوا.
وقبل أن يجيب، انفتح الباب من جديد.
دلف فريد، وبجواره ليلى.
توقفت ليلى للحظة ما إن وقعت عيناها على عمران، وكأن رؤيته أربكتها، ثم أشاحت بوجهها سريعًا، بينما تقدم فريد منه قائلًا:
— حضرتك طلبتني يا عمران بيه؟
رفع عمران عينيه إليه، ثم انتقلت نظرته، دون إرادة منه، إلى ليلى الواقفة خلف شقيقها، قبل أن يعيد بصره إلى فريد، وقد عادت ملامحه إلى جمودها المعتاد.
— أيوه.
ثم التفت إلى ملك ونيفين، وقال بلهجة مقتضبة:
— استنوني في الاستراحة.
أومأت ملك، واستدارت لتغادر، لكن عينيها وقعتا على ليلى التي كانت تقف بجوار فريد، متشبثة بكفه في توتر.
توقفت ملك، ثم اقتربت منها قليلًا، وسألتها بفضول:
— إنتِ شغالة هنا؟
رفعت ليلى عينيها إليها، وظلت صامتة للحظة، قبل أن تومئ بخجل.
لكن ملك لم تكتفِ، فأعادت سؤالها بدهشة:
— إنتِ شغالة هنا؟
وقبل أن تجيب ليلى، جاء صوت عمران من خلفها، حادًا ومقتضبًا:
— ملك… قلت إيه؟
التفتت ملك إلى شقيقها، ثم أشارت إلى ليلى قائلة بعفوية:
— هي شغالة هنا يا أبيه؟
— آه.
قالها عمران وهو ينظر إلى ليلى للحظة، قبل أن يشيح بعينيه عنها.
اتسعت عينا ملك بدهشة:
— معقول؟! شكلها صغير أوي!
قبــ,,ـــــض عمران على فكه، وتمتم من بين أسنانه محذرًا:
— ملك…
فهمت الأخيرة نبرة شقيقها، فتراجعت على الفور، بينما أمسكت نيفين بذراعها وسحبتها معها إلى الخارج.
وقبل أن تغادر، التفتت ملك مرة أخرى إلى ليلى، وكأن فضولها لم ينتهِ بعد، ثم خرجت بصحبة نيفين
أشار عمران إلى فريد، فتقدم الأخير نحوه، بينما ابتعدت ليلى قليلًا وجلست بالقرب من الأريكة، تتابع حديثهما بصمت.
قال عمران بلهجة جادة، وهو يحدق في فريد:
— أنا عايز أعرف… إنت شغال في شركة ولا في مدرسة؟
ابتلع فريد ريقه، وقال معتذرًا:
— آسف يا عمران بيه، ليلى في أولى جامعة، ومبقالهاش كتير هنا. إحنا كنا راجعين البلد، بس الملف أخّرني، علشان كده هي جت على الشركة.
رفع عمران نظره إليها، فتلاقت عيناه بعينيها للحظات، قبل أن تخفض ليلى بصرها سريعًا إلى الأرض.
عاد عمران بنظره إلى فريد:
— ليه الملف من امبارح مخلصش؟
حمحم فريد بحرج قبل أن يجيب:
— حضرتك، الملف كل نتائجه مختلفة عن اللي حضرتك حاطه في الميزانية، ومستر مدحت مكنش موجود.