منوعات

الفصل السابع

أغمضت عينيها بقوة. لم تكن مستعدة لسماع صوته… ولا لهذه النظرة التي تعرفها جيدًا. مد يده، ومرر أصابعه بين خصلاتها بحنان، وقال:
— نوّرتي حياتي… يا كل حياتي. انسابت دموعها رغمًا عنها، وسقطت على وجنتيها في صمت، بينما حاولت أن تخفي ارتباكها بإدارة وجهها بعيدًا عنه. ارتجف جسدها، فاقترب أكثر، ووضع رأسه فوق رأسها للحظة، ثم أمسك كفها الصغير بين يديه، وكأنه يخشى أن تبتعد عنه مرة أخرى. تراجع قليلًا، ومد يده إلى الكمودينو، والتقط الخاتم الموضوع فوقه.

عاد إليها، وأمسك يدها، ثم وضع الخاتم في إصبعها ببطء، متعمدًا أن يفعلها أمام عينيها وكأنه يذكّرها بوعد قطعه على نفسه منذ وقت طويل. رفع كفها إلى شفتيه وقبّله، ثم رفع عينيه إليها. — وعدتك إنك هتكوني مراتي… ونفذت وعدي. حدقت في الخاتم للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى، ثم تبدلت ملامحها فجأة، وسحبت يدها بعنــ,,ـــــف. — أنا مش مرات حد! نزعت الخاتم من إصبعها، وألقته على الأرض، فارتطم بها ارتطامًا خافتًا، لكنه كان كافيًا ليجعل عمران يثبت عينيه عليها.

— أنا عايزة أرجع بيتي… أنتَ إزاي تجيبني هنا؟ ثبت عمران عينيه عليها، ولم يجب فورًا. كان يستطيع أن يغضب، أن يرفع صوته، أن يجادلها… لكنه اختار الهدوء، وكأن شيئًا بداخله كان يخبره أن غضبها ليس سوى خوف وألم. ثم قال بهدوء أربكها أكثر من غضبه:
— ده بيتك. توقفت أنفاسها للحظة، ورفعت عينيها إليه بعدم تصديق. بينما هو اقترب قليلًا، وأكمل:
— وأنتِ دلوقتي مراتي… وأنا جوزك. فاهمة؟ هزت رأسها بعناد، وكأنها تحاول أن تتمسك بآخر شيء تملكه في هذه اللحظة: رفضها.

— لأ. تنهد، وأغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما عليها من جديد. كان يعرف أنها متعبة، وأن كل ما حدث أكبر من قدرتها على الاستيعاب، لذلك ابتلع غضبه وقال:
— ورمي الخاتم المرة دي هقبله… علشان أنتِ تعبانة. مش علشان أنا زعلان. اقترب من وجهها، وخفض صوته حتى صار همسًا:
— لكن الزعل… هنتــ,,ـــــحاسب عليه لما تخفّي. أنا عمري ما اتعودت آخد حقي من حد ضعيف. رمقته بغضب، وكأن كلماته أشعلت بداخلها كل ما حاولت دفــ,,ـــــنه، وكل ما عجزت عن مواجهته منذ أن استيقظت.

— وأنا مش معترفة بيك كزوج! ارتجف صوتها، لكنها أكملت، وكأنها وجدت في الكلمات وسيلتها الوحيدة للدفاع عن نفسها:
— والجواز ده باطل! أنا المفروض أتجوز ابن عمي… خطيبي. معرفش أنتَ عملت إيه، ولا إزاي حصل اللي حصل، بس أنتَ مش جوزي… هو اللي كان المفروض يكون ج… توقفت كلماتها فجأة. لم يمهلها عمران لتكمل. اقترب منها في لحظة، وأمسك وجهها بيديه، ثم اندفع نحو شفتيها في لحظة غضب أفقدته السيطرة على نفسه. وما إن ابتعد عنها حتى كانت عيناه تشتعلان، وأنفاسه متلاحقة، كأنه هو نفسه لم يستوعب ما فعله.

رفع نصف جسدها برفق إلى حــ,,ـــــضنه، وثبّت عينيه بعينيها، محاولًا أن يستعيد هدوءه، لكن الغيرة والوجع كانا أوضح من أن يخفيهما. — أوعي تفتكري إني هطبطب عليكي وخلاص. ابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت عيناها معلقتين به، لا تعرف هل تخشاه أم تحاول فهم الرجل الذي أمامها. — أنا هاخد حق وجع قلبي… ونــ,,ـــــار غيرتي منك. اقترب أكثر، وهتف بصوت يحمل غضب عاشق خائف:
— وهعاقبك على كل لحظة عشتها وأنا فاكر إنك اخترتي غيري… على كل مرة تخيلتك مع راجل تاني، وأنا بمــ,,ـــــوت من جوايا.

ارتعشت عيناها وهي تنظر إليه بذهول، وكأن كلماته كشفت لها للمرة الأولى حجم العذاب الذي عاشه بعيدًا عنها. لكنه لم يتوقف، وكأن ما بداخله ظل محبوسًا طويلًا، وحان وقت خروجه دفعة واحدة. — وهعاقبك على كذبك عليّا… وعلى إنك سمحتي لهم يستضعفوكي، ويكسروا عينك، ويتهموكي بحاجة عمرك ما عملتيها. ثم ضمّها إلى صدـ,,ـــره، وأحاط جسدها بذراعيه، ودفــ,,ـــــن وجهه في خصلات شعرها، وكأن غضبه كله ذاب للحظة أمام خوفه عليها. خرج صوته مبحوحًا، مثقلًا بوجع الأيام الماضية:
— هاخد حق الليلة اللي كنت بمــ,,ـــــوت فيها… وأنا بتخيلك مع راجل تاني.

للحظة… رفرف قلب ليلى. رغم غضبها، ورغم كل ما حدث، شعرت بسعادة خفية تسللت إلى قلبها. كان يحبها… كانت متأكدة. لكن تلك السعادة لم تدم طويلًا… ظهرت نيفين في ذاكرتها. قربها منه… وقبلاته لها، وكل ما رأته بعينيها. تبدلت ملامح ليلى في لحظة، وكأن تلك الذكريات انتزعتها من دفء اللحظة وأعادتها دفعة واحدة إلى واقعها المؤلم. دفعت عمران بعيدًا عنها بقوة جعلته يرتد قليلًا. — ابعد عني! حدقت فيه بعينين ممتلئتين بالدموع، بينما راحت أنفاسها تتسارع، وكأنها تحاول أن تبني بينهما مسافة تحمي بها قلبها من جديد.

— فاكر إنك هتضحك عليّا تاني؟ لأ… ليلى الهبلة فاقت من غيبوبة الحب. مسحت دموعها بعناد، ورفعت ذقنها محاولةً أن تبدو أقوى مما تشعر. — أنا مش عايزاك… ومش بحبك. سمعتني؟ ثم أشاحت بوجهها عنه، رافضةً أن تمنحه فرصة لرؤية الانكسار الذي تخفيه خلف كلماتها. — ودلوقتي عايزة أرجع عند فريد. تغيرت ملامح عمران فور سماع كلماتها، وانطفأت ابتسامته تمامًا. ظل يحدق فيها للحظات، وكأن جملة واحدة منها استطاعت أن تستفز كل ما بداخله من خوف وغيرة وغضب.

انت في الصفحة 17 من 36 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى