اقترب منها حتى أمسك بخصلات شعرها وجذبها نحوه، ثم همس بجوار أذنها بصوت منخفض: — خليكي صعبانة عليّا يا ليلى… ثم ابتعد قليلًا ونظر في عينيها، وكأنه يتعمد أن يجعلها ترى التحذير في نظراته قبل أن تسمعه في كلماته. — علشان لو مصعبتيش عليّا… صدقيني هتزعلي. دفعته بعيدًا وهي تصرخ، وقد فاض بها الخوف والغضب معًا:
— ابعد عني! أنا مش مراتك! رفع إصبعه أمام شفتيها، محاولًا إسكاتها، لكنها أدارت وجهها بعيدًا عنه بعناد.
لم يتراجع، فأمسك بكتفيها وأعادها إليه، وقال بنبرة تحمل تحديًا واضحًا:
— عارفة لو أنتِ مش تعبانة… كنت عرّفتك بنفسي إنك مراتي ولا لأ. اتسعت عيناها، وتوقفت للحظة وكأنها تبحث عن رد مناسب، لكن قبل أن تجيبه، استمع إلى طرقات على باب الغرفة. ابتعد عمران فورًا، والتفت ناحية الباب. دخلت الخادمة، فتحدث إليها بنبرة حاسمة: — خليكي مع المدام لحد ما أرجع. أومأت الخادمة في هدوء، بينما عاد عمران بنظره إلى ليلى.
ثم انحنى، وطبع قبلة سريعة بجوار شفتيها، فارتبكت ليلى وارتفعت أنفاسها رغمًا عنها. رفع رأسه ببطء، ولاحظ ارتباكها الذي حاولت إخفاءه، فارتسمت ابتسامة مشاغبة على شفتيه. — شوفتي حبيبتي؟ قولت لها المدام إزاي؟ زمّ شفتيه في عبث، ثم قرص وجنتها بخفة، وكأنه يستمتع باستفزازها رغم كل التوتر الذي يملأ الغرفة. — خليكي هادية يا نبض عمران… علشان متبقيش مدام بجد الليلة. دفعت يده عنها، ورمقته بغضب، وقد اشتعلت عيناها بالغيرة رغم محاولتها إنكارها:
— مش متفاجئة على فكرة… ماهو أنتَ بتاع ستات! يا بتاع نيفين.
ساد الصمت لثانية واحدة. ثم انفجر عمران بالضحك، وكأن غيرتها التي حاولت إخفاءها خلف كلماتها أسعدته أكثر مما أغضبته. سحبها إلى حــ,,ـــــضنه رغم اعتراضها، بينما حاولت الإفلات منه دون جدوى. — كنت همــ,,ـــــوت لو فضلت يوم واحد كمان من غير صوتك. ثم نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب، وكأن مجرد سماع صوتها من جديد كان كافيًا ليعيد إليه شيئًا افتقده بشدة:
— ليلى والخرساء… مايمشوش مع بعض. نظرت إليه من بين غضبها ودموعها، وقالت بتحدٍّ:
— والخرساء دي… هتعرفك هتعمل فيك إيه يا بتاع الستات.
ارتسمت ابتسامة أوسع على شفتي عمران، وتعلقت عيناه بعينيها للحظات. اقترب منها بخطوات بطيئة، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، حتى امتلأت الغرفة بضحكته التي زادت ارتباكها. انحنى قليلًا نحوها، وقال بنبرة مستفزة:
— تعرفي خرسائي هعمل فيكي إيه؟ رمقته ليلى بنظرة غاضبة، رغم الارتجافة التي فضحت خوفها، وردت بتحدٍّ:
— أعلى ما في خيلك اعمله. توقفت عيناه عند شفتيها المرتجفتين وهي تتحدث، وكأن صوتها أعاد إليه فجأة كل ما حاول دفــ,,ـــــنه داخله… ذكريات قربها، وكلماتها، وقبلته الأولى لها.
تغيرت ملامحه شيئًا فشيئًا، واختفت السخرية من عينيه، وحل محلها شيء أكثر غموضًا. رفع يده ببطء، ثم مرر إبهامه فوق شفتيها، فتجمدت في مكانها. — أنتِ مراتي دلوقتي… فاهمة يعني إيه؟ اهتز جسدها بعنــ,,ـــــف، وأبعدت وجهها عنه سريعًا، بينما انهمرت دموعها دون قدرة على إيقافها. خرج صوتها مكسورًا:
— بسببك عجزت… وبسببك خسرت سمعتي… وبسببك أنا… قاطعها وهو يضغط بإصبعه على شفتيها:
— اسكتي يا ليلى… اسكتي. ثم ابتعد خطوة، وكأنه يخشى أن يفقد السيطرة على غضبه أكثر.
أخذ نفسًا عميقًا، ومرر يده على وجهه، محاولًا أن يستعيد هدوءه. — أنا بمسك نفسي عنك بالعافية. رفعت عينيها إليه، والدموع تغرق وجهها، بينما بقيت الكلمات عالقة في حلقها. اقترب مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن في عينيه السخرية، بل وجع مكتوم وغضب لا يعرف أين يوجهه. — أنتِ ضحكتي عليّا… وخدعتيني. بدت الكلمات وكأنها خرجت منه بصعوبة. فابتعد عنها فجأة، ثم التفت إلى الخادمة الواقفة عند الباب، وقال بصرامة:
— شغلتك المدام وبس. إياكي تبعدي عنها، وإياكي تسيبيها لوحدها.
شهقت ليلى، وكأن الكلمة أصابتها في أكثر موضع يؤلمها. رفعت عينيها إليه بسرعة، وقالت بصوت مختنق بالرفض:
— أنا مش مدام حد! استدار عمران إليها بسرعة، وتبدلت ملامحه تمامًا بعدما التقطت الخادمة كلماتها. ثبت عينيه عليها بغضب، وقال بصوت منخفض لكنه حاد:
— ليلى… ارتجفت شفتاها، لكنها لم تجبه. ابتلعت بقية كلماتها، بينما راحت دموعها تنساب بصمت. لم يكن غضبه منها وحدها… كان غاضبًا من كل شيء؛ منها، ومن نفسه، ومن الحقيقة التي أصبح عاجزًا عن الهروب منها.
أما هي، فكانت تنظر إليه بقلب مكسور، غير قادرة على معرفة أيهما يؤلمها أكثر… أن يكون زوجها رغمًا عنها، أم أن الرجل الذي أحبته كان في أحضان أخرى. خرج عمران من الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى فريد الذي كان يقف أمام النافذة، شاردًا فيما حدث، بينما كان علي يتحدث في هاتفه على بُعد خطوات منه. توقف عمران أمامهما للحظات، وكأن شيئًا ما استقر في رأسه فجأة، ثم رفع عينيه نحو علي وناداه:
— علي!
