ظل جالسًا في مكانه منذ ساعات، عيناه شاردتان، وعقله يعيد صوت ليلى مرة بعد مرة.
كذب عيوني يا عمران، هصدقك، قولي انك متعملش كدا… واخرى تصرخ بداخله وهي تتسائل بقهر.
_ليه عملت فيا كدا
أغمض عينيه بألم… وصورتها لم تخف من ذاكرته
لم يكن يعرف لماذا يشعر بأن شيئًا رهيبًا حدث لها.
رن هاتفه.رفع الهاتف دون اهتمام.
_عمران، لازم تيجي الفيلا ضروري.
تمتمت بهت والدته
_ماما… ماليش مزاج.
_مستنياك يا عمران.
أغلق المكالمة، وبعد دقائق نهض واتجه إلى سيارته.
وفي الطريق، رن هاتفه مرة أخرى.
_عمران بيه، مسكنا المشتبه به اللي حاول يخطف ملك.
انتبه عمران فورًا.
_فين؟
_في القسم. لازم تيجي تشوفه. واتصلنا بالبنت اللي شافته، بس مش بترد. لو تعرف توصلها…
صمت عمران لحظة.
ثم قال:
_لا… معرفهاش.
قالها وأغلق الهاتف.
لم تمضِ دقائق حتى رن هاتفه من جديد.
كان صديقه.
_عرفت إن الشرطة مسكت واحد منهم؟
_آه… لسه عارف.
_طيب قولي إيه آخر أخبار القضية؟ عايز أعرف مين ورا الموضوع.
_لسه هنعرف… بس فيه حاجة لازم تعرفها.
_إيه؟
جاءه صوت صديقه أكثر جدية:
_الراجل ده كان معاه أمر ب. البنت اللي شافتهم.
تجمدت يد عمران فوق المقود.
_قصدك مين؟
_معرفش اسمها… البنت اللي أنقذت ملك.
انقبــ,,ـــــض قلبه فجأة.
_ليلى…
خرج اسمها من بين شفتيه كهمسة مرتجفة.
_أيوه.
توقف نفس عمران للحظة.. تابع علي
_جاله أمر ب.ها… معرفش إنت تعرفها ولا لأ، بس خلي بالك. اللعب ده من ناس قريبين.
لم يسمع عمران بقية الجملة.
كل ما رأه أمامه كان وجه ليلى.
دموعها.. خوفها… وصوتها وهي تناديه.
ضغط على المكابح فجأة.
_علي… قابلني على قسم الشرطة.
_حاضر.
ــــــــــــــــــــــــــ
في البلدة…
خرجت ليلى من الغرفة بصحبة ابنة عمها.
كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، ووجهها شاحب كأنها فقدت شيئًا لا يمكن استعادته.
خلفها، كانت وفاء تجلس منهارة، تبكي بصمت.
لم تكن تبكي زواج ابنتها…
كانت تبكي لأنها تعرف أن ابنتها لم تعد تملك حق اختيار حياتها.
وصلت ليلى إلى المجلس.
كان المأذون جالسًا في مكانه.
هشام إلى جواره.
ومحمود واقف خلفه، بوجه جامد.
جلست ليلى.
ارتعشت أصابعها فوق بعضها.
رفع المأذون عينيه إليها، وسألها بهدوء:
_ليلى… موافقة تتجوزي هشام؟
ساد الصمت.
نظرت ليلى إلى والدها.
ثم إلى أمها التي كانت تبكي من بعيد.
وفي تلك اللحظة…
تخيلت عمران.. تخيلت صوته.
تخيلت يده حين كان يمسك بيدها ويقول لها إنها بأمان.
انكسرت دمعة وحيدة على خدها.
ثم أغمضت عينيها…
بينما كان الجميع ينتظر كلمة واحدة قد تغيّر حياتها إلى الأبد.
عند عمران
خرج من قسم الشرطة مع صديقه، يتسائل
_علي… عايز الموضوع دا يخلص سمعتني
_حاضر
_ماتيجي نسهر
فتح باب سيارته يهز رأسه بالرفض
_لا… تعبان، عايز أروح ارتاح، تصبح على خير
فتح عمران باب السيارة بعنــ,,ـــــف، وصعد إلى مقعده، ثم أغلق الباب خلفه بقوة.
كانت أنفاسه متلاحقة، وصدـ,,ـــره يعلو ويهبط بعنــ,,ـــــف، وكأن الغضب الذي بداخله أكبر من أن يستوعبه جسده.
مد يده إلى المقود، وقبل أن يدير المحرك، ارتفع رنين هاتفه.
رسالة.
التقط الهاتف بضيق، وفتحها دون اهتمام…
لكن ما إن وقعت عيناه على محتواها حتى تجمدت ملامحه.
كانت صورة ليلى.
ترتدي فستان زفاف بسيط، واقفة أمام المأذون، وبجوارها شاب لم يعرفه.
ظل يحدق في الصورة لثوانٍ طويلة، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
ثم ظهرت رسالة أسفل الصورة:
_إيه؟ مش هتبارك لحبيبتك؟
وتبعها إيموجي ضاحك.
انقبــ,,ـــــض فك عمران، وشدت أصابعه على الهاتف حتى ابيضت مفاصلها.
_ليلى…
خرج اسمها منه مخنوقًا.
عاد ينظر إلى الصورة.
فستان أبيض…مأذون…
رجل يقف بجوارها…
ثلاثة أشياء كانت كفيلة بأن تسحق قلبه دفعة واحدة.
هنا ارتفع صوتها داخل رأسه.
“اوعدني إنك مش هتسبني مهما حصل…”
أغمض عينيه بقوة، وكأن كلماتها تحاول أن تنقذه من الصورة التي مزقت قلبه.
ثم جاء صوتها مرة أخرى، مرتجفًا:
“بابا لو عرف… هيحرمني من التعليم ومنك.”
فتح عينيه.
وتوالت الذكريات كأنها تُعرض أمامه الآن.
“أنا مش مخطوبة…”
“أنا اتلعب بيا.”
توقف قلبه لحظة.
ثم بدأ يخفق بعنــ,,ـــــف.
رفع عمران رأسه نحو الطريق
وقال الفصل الثامن “اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك “
قدرًا لايشبهه بقلم سيلا وليد
نظرت ليلى إلى المأذون، فانتفض جسدها بالكامل، وكأن صوته وحده كان كافيًا ليعيدها إلى كل ما حاولت الهروب منه.
كانت النظرات المحيطة بها تنهشها كسهامٍ مسمومة، والكلمات التي سمعتها منذ أن وطأت قدماها منزل والدها ما زالت تتردد داخل رأسها بلا رحمة:
خاطية… زانية… هتتجوز… دخلة بلدي… اغسل عارك.
أغمضت عينيها بقوة، تحاول إسكات تلك الأصوات، لكن بدلًا منها ظهرت أمامها صورة.. عمران.
ضحكاته… نظراته… اعترافاته التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة… قربه منها… وذلك الحنان الذي أغدقه عليها حتى شعرت، ولو لشهر واحد فقط، أنها أهم امرأة في العالم.
شهر واحد فقط…
