_اتقوا الله يا نسوان! معندكوش بنات؟ نسيتوا إن دي بنت عمرنا ما سمعنا عنها كلمة وحشة… طول عمرها مؤدبة، والبلد كلها بتشهد بأخلاقها.
ردت أخرى بسخرية:
_آه، ده كان زمان… قبل ما تشوف الناس الغنية. ربنا يستر على بناتنا.
انخفض رأس ليلى أكثر.
كل كلمة كانت كالسوط على قلبها.
وفجأة، اندفع هشام نحوها، وقبــ,,ـــــض على ذراعها بعنــ,,ـــــف.
_يلا!
رفعت عينيها إليه، فلم تجد فيهما رحمة.
سحبها خلفه أمام الجميع، وكأنه يريد أن يثبت للبلدة كلها أنه جاء بها لينقذ شرفها
تحركت معه وهي لم تشعر إلا بالإهانة.
كأنها لم تعد إنسانة…
أصبحت فضيحة يريدون التخلص منها. في الداخل…
ما إن وقعت عينا وفاء على ابنتها حتى شهقت شهقة موجوعة، واندفعت نحوها.
_يا حبيبتي يا بنتي…
احتضنتها، لكن ليلى لم تبكِ.
كانت قد تجاوزت مرحلة البكاء.
كانت مكسورة.. جسدا بلا روح
دلف محمود بعدها، وعيناه مشتعلة بالغضب.
رفعت وفاء رأسها إليه، وصاحت:
_إنت اللي عملت في بنتك كده؟!
_لو سمعت صوتك هرجعك بيت أبوكي!
نهضت وفاء في مواجهته، لأول مرة لا تخشاه.
_رجعني بيت أبويا! إيه؟ هخاف منك؟ فيه أب يعمل في بنته كده؟!
اقترب منها محمود بعصاه، وصاح:
_اخرسي!
والله لو سمعِت صوتك تاني لأحرمك منها العمر كله! بنتك الخاطية دي…
_هشام!
التفت هشام إليه.
_نعم يا عمي؟
قال محمود ببرود قاتل:
_روح هات المأذون.
تجمد هشام لحظة.
_المأذون؟
_أيوه. هنكتب كتابك عليها… ودخلتك الليلة.
شعرت ليلى أن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
رفعت عينيها ببطء نحو أبيها.
كانت نظرتها تحمل سؤالًا واحدًا:
“إنت كمان صدقتهم؟”
لكن محمود لم يمنحها حتى فرصة للكلام.
أشار إليها بجبروت:
_من اللحظة دي البت دي مسؤوليتك. مش عايز أشوف وشها.
هزت وفاء رأسها بجنون.
_لا يا محمود…
متعملش في بنتك كده!
صفقت منال بكفيها، وقالت بنبرة ساخرة:
_كلامك على عيني يا أبو فريد، بس متزعلش مني يا أخويا… افرض بنتك فرطت في شرفها، ابني يشربها يعني؟
نظر إليها محمود بوجه قاسٍ:
_لو كده… يبقى يغسل عاره يا أم هشام.
ابتسمت منال ابتسامة خبيثة.
_لا يا أبو فريد… دخلتها لازم تكون بلدي. لازم البلد كلها تعرف إنها كانت سليمة ولا… استغفر الله العظيم.
لم تتحمل وفاء.
اندفعت نحوها ودَفعتها بعيدًا.
_إنتِ اللي متجيبيش سيرة بنتي على لسانك!
ثم التفتت إلى محمود:
_على جثتي يا محمود! سمعتني؟ على جثتي!
اللي يقرب من بنتي همــ,,ـــــوته… هاكله بسناني!
رفع محمود عصاه، ولكزها بها بعنــ,,ـــــف.
_ليكِ عين تتكلمي؟! مش لو ربيتيها الأول ما كناش اتفضحنا!
ثم أشار إلى الخارج.
_روحي اسمعي النسوان بتقول إيه على بنتك!
سقطت دموع وفاء، بينما نظر محمود إلى ابنته الجاثية على الأرض.
كان وجهها شاحبًا، وعيناها خاليتين من الحياة.
قال بجمود:
_فُزي يا بت… اجهزي. دخلتك الليلة على ابن عمك.
لم تجبه… فكرر بصرامة:
_سمعتي؟
وقفت وفاء أمام ابنتها.
_اللي يقرب من بنتي همــ,,ـــــوته! سمعتوني؟!
ضحكت منال بشماتة.
_لو منك أدفــ,,ـــــن نفسي في التراب حية يا وفاء. لسه ليكي عين تتكلمي؟ مش كفاية إننا هنتنازل ونلم شرف بنتك؟
صرخت وفاء:
_قربي منها وأنا أشرب من دمك!
ببطء شديد، بدأت ليلى تنهض مستندة إلى طرف الكرسي.
كانت ساقاها ترتجفان.. نظرت إلى أمها…
ثم إلى أبيها…ثم إلى هشام.
وقالت بصوت خافت، لكنه كان أكثر إيلامًا من أي صرخة:
_ماما…اقتربت منها وفاء.
_نعم يا حبيبتي؟
ابتلعت ليلى غصتها.
_أنا موافقة أتجوز هشام.
شهقت وفاء.
_إيه؟!
ابتسمت ليلى ابتسامة ميتة.
_هشام زي غيره.
ثم رفعت عينيها إلى أبيها.
لم تكن فيهما إلا خيبة وقهر.
_هو .ني… وإنت دفــ,,ـــــنتني وأخدت عزاي يا بابا.
توقف محمود لحظة، لكن قسوته غلبت أي شيء آخر.
اقترب منها وقال:
_أوعي تفتكري إن شوية دموع التماسيح دول هيشفعوا لكِ الفضيحة اللي عملتيها.
ارتجفت شفتاها.
_إنتِ وطيتي راس أبوكي يا بنت وفاء.
ثم أشار نحو الغرفة:
_امشي انجري على جوا جهزي نفسك، واحمدي ربنا إنك لقيتي حد يلم فضيحتك وينقذ شرف أبوكي.
خطت ليلى خطوة.. ثم أخرى.
وكل خطوة كانت تشعر معها أنها تبتعد عن نفسها أكثر.
صرخت وفاء:
_مش هيحصل!
استدار محمود إليها، وقبــ,,ـــــض على خصلة من شعرها.
_متخلينيش أرمي عليكي يمين الطلاق دلوقتي! مش كفاية إنك معرفتيش تربي؟ اطلعي برة واسمعي البلد بتقول إيه علينا!
دفعها بقوة، ثم اتجه إلى الداخل.
وقفت منال خلفه، تبتسم بانتصار.
_قومي زغردي لبنتك يا وفاء… واحمدي ربنا إن ابني رضي بيها.
ثم اقتربت منها، وانحنت أمامها.
_كنتي بتقولي على ابني صايع؟
اقتربت أكثر، وهمست:
_أهي بنتك اللي…
توقفت لحظة، ثم ابتسمت بخبث.
_بلاش نخوض في الأعراض… وفي الآخر ابني هو اللي هيشربها.
رفعت ليلى عينيها إليها.
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إليها نظرة خالية من الحياة.
عند عمران…
حل المساء، لكنه لم يشعر بمروره.
