حاضر… حاضر، جاي.
فتح الباب، وما إن رأى عمران أمامه حتى عقد حاجبيه.
_إنت مين وعايز إيه؟
خرج صوت عمران باردًا، لكنه كان أخطر من الصراخ:
_أنا جوز البنت اللي إنت ما اديتهاش حتى فرصة تدافع عن نفسها.
تراجع محمود خطوة.
لكن عمران تقدم.
_جوز البنت اللي رميتها برة حــ,,ـــــضنك… وسيبت كلاب السكك ينهشوا في لحمها، ونسيت إن البنت اللي إنت رميتها برجلك دي… تربيتك.
ارتجف فك محمود.
واصل عمران، وصوته يحمل اختناق رجل جاء يحمل في صدـ,,ـــره وجعًا أكبر من الغضب:
_جوز البنت اللي وقعت هيبتي تحت رجليها من ضحكتها الطفولية… ومن عينيها اللي عمرها ما عرفت الكذب.
اقترب أكثر، وغرس عينيه في عيني محمود.
_وفي الآخر… أبوها صدق شوية صور.
صمت لحظة.
_صدق ناس… ونسي بنته اللي رباها بإيده.
لمعت عينا محمود، لكنه لم يستطع الرد.
قال عمران بصوت أخفض:
_ولولا إنك أبو أغلى ما أملك… كنت عرفتك يعني إيه تكون أب.
وصل محمد في تلك اللحظة، وقد أفاق على الضجيج.
_محمود! فيه إيه؟
ثم وقعت عيناه على عمران.
_إنت؟
استدار عمران إليه ببطء.
_أهو جوز العقربة جه.
قطب محمد جبينه.
ابتعد عمران عن محمود خطوة، ثم صاح:
_مراتي فين؟!
_مرات مين يا جدع إنت؟ مش إنت صاحب الأرض؟
صرخ عمران بصوت ارتجت له جدران المنزل:
_أنا بسألك عن مراتي!
ثم أشار إلى محمد
_اسأله…خليه يسأل مراته الحرباية ودّت مراتي فين!
تغير وجه محمود فجأة.
_إنت ابن الست اللي جت النهارده؟
التفت إليه عمران.
_أنا مش ابن ست.
تقدم خطوة.
_أنا اسمي عمران الزيني.
في تلك اللحظة رن هاتفه.. لم يلتفت إليه.
رن مرة أخرى.
أخرجه أخيرًا، فوجد اسم فريد يضيء الشاشة.
رد بسرعة:
_أيوه.
جاءه صوت فريد متوترًا:
_ليلى مش في البلد يا عمران بيه.
تجمد مكانه.
_يعني إيه؟
_ليلى في إسكندرية… عند قرايب أمي. معرفش البيت فين، بس هبعت لك الاسم.
أغمض عمران عينيه، ثم قال بسرعة:
_بسرعة يا فريد.
أنهى المكالمة واستدار للمغادرة.
في تلك اللحظة خرجت منال، تعقد حجابها على عجل.
_إيه الزعيق ده؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
توقف عمران على درجات المنزل، ثم استدار إليها.
كانت عيناه كفيلتين بجعل الكلمات تمــ,,ـــــوت في حلقها.
_الصبح…صمت لحظة.
_قدامك لحد الصبح.
اقترب منها خطوة.
_تلفي على كل بيت في البلد… بيت بيت، وتبرئيها من الاتهامات القذرة اللي رميتيها بيها.
رفع إصبعه أمامها.
_ورب العزة… لو معملتيش كدا، وعرفت إنك أذيتيها أو وصلتي لها بأي شكل، لأبكيكي على ابنك، ولأطلعك من البلد دي بفضيحة تخلي سيرتك على كل لسان.
ثم رمقها باحتقار.
_حقيرة… همس بها وغادر.
وصل إلى علي الذي كان ينتظره بجوار السيارة، عاقدًا ذراعيه.
_على إسكندرية حالًا يا علي.
_دلوقتي؟ يا عمران إحنا من إمبارح على الطريق!
نظر إليه عمران، وكانت عيناه تحملان خوفًا لم يره علي فيهما من قبل.
_مش هرجع البيت غير وهي معايا.
ثم أضاف:
_اتصل بأي حد في الشرطة… خليه يوصل لعنوان الراجل ده.
_حاضر.
تحركت السيارة في ظلــ,,ـــــمة الليل.
وكان عمران طوال الطريق لا يفعل شيئًا سوى النظر إلى هاتفه.
في كل مرة كان يسمع فيها رسالة الهاتف المغلق، كان يشعر أن قلبه يهبط إلى قاع صدـ,,ـــره.
ليلى…
هل تبكي الآن؟
هل ظنت أنه تخلى عنها؟
هل صدقت كلام أمه؟
هل تكرهه؟
أم أنها فقط تحتاج أن تسمع صوته؟
شد قبــ,,ـــــضته حول الهاتف.
بقلم سيلا وليد
عند ليلى
أشرقت الشمس على الإسكندرية، وانسكب ضوؤها الذهبي فوق البحر، كانت ليلى تستيقظ بقلب مثقل.
نهضت بهدوء، توضأت، ثم وقفت تصلي.
وما إن سجدت حتى انفجرت دموعها.
_ربي… إني مغلوب فانتصر.
خرجت الكلمات من قلب مكسور.
_ربي إني مغلوب فانتصر…
كررتها مرة بعد أخرى، حتى ابتلت سجادة الصلاة بدموعها.
جلست بعدها، وضمت ركبتيها إلى صدـ,,ـــرها، وأسندت ذقنها فوقهما.
كان الاشتياق ينهشها.
اشتاقت لصوته…لضحكته…
لوجوده بجوارها حتى في صمته.
فتحت وفاء عينيها، فرأتها على تلك الحالة.
نهضت واقتربت منها، ثم جلست بجوارها.
_وبعدين يا ليلى؟ اعتبري نفسك مشوفتيهوش يا بنتي.
رفعت ليلى عينيها إليها، والدموع تملأهما.
_وحشني أوي يا ماما…
ارتجف صوتها.
_حاسة إني مش قادرة أتنفس من غيره.
ضمتها وفاء إلى صدـ,,ـــرها، تربت على ظهرها بحنان.
_يعز عليَّ دموعك يا حبيبة قلبي…
بس مش بإيدي حاجة.
تشبثت ليلى بها.
_والنبي يا ماما… هاتي التليفون. هسمع صوته بس… وهقفل على طول.
أبعدتها وفاء برفق.
_بقولك إيه؟ تعالي نتمشى على البحر شوية. القعدة هناك يمكن تغير مزاجك.
نظرت إليها ليلى بعينين منكسرَتين.
_يعني مش هتخليني أكلمه؟
ابتعدت وفاء بنظراتها، ولم تجبها وفاء.
فهمت ليلى الإجابة.
نهضت بصمت، التقطت حجابًا خفيفًا وضعته فوق شعرها، ثم خرجت.
جلست فوق صخرة تطل على البحر مب
كانت الأمواج تضــ,,ـــــرب الصخور أسفلها، و هي تحدق في المياه وكأنها تحدثها عن كل ما عجزت عن قوله للبشر.
انسابت دموعها على خديها.
ومع كل موجة، كانت تتذكر عمران.
ابتسامته…نظراته…يده حين كان يمسك يدها.
ضحكته حين كانت تغضب منه.
همست من بين دموعها:
_وحشتني.
ابتسمت رغم بكائها.
ثم قالت:
_وحشتني أوي يا عمران.
جاء صوت خلفها:
_مش خايفة من البحر؟
التفتت، فوجدت عصام، الرجل الذي أوصلهم بالأمس.
مسحت دموعها سريعًا، وعادت تنظر إلى البحر.
_ليه أخاف منه؟
جلس على صخرة مقابلة لها.
_بيقولوا البحر غدار.
ظلت عيناها معلقتين بالأمواج.
_البحر مش غدار…
صمتت لحظة.
_الناس هي اللي مش فاهمة أمواجه.
نظر إليها عصام طويلًا، ثم قال:
_ياااه… وجعك مع موج البحر باين.
لم تجبه.
عادت تحدق في البحر، وهمست بصوت لم يتعدَّ حدود قلبها:
_ليته يبتلعني بألمي…
مر الوقت في صمت.
هي أمام البحر…وعصام يراقبها من بعيد.
وفجأة…
وصل إلى مسامعها صوت ارتجت له الصخور..
التفتت سريعا إلى مصدـ,,ـــر الصوت.
تجمدت.
كان هناك يقف على بُعد خطوات.
بطوله المهيب، وملامحه المتعبة…
ثيابه غير مهندمة كما اعتادت تحمل آثار السفر…
وصدـ,,ـــره يعلو ويهبط بعنــ,,ـــــف، كأنه قطع المسافة كلها ركض فقط ليصل إليها.
اتسعت عيناها.. وارتفعو أنفاسها.
همست بخفوت
_هو ولا أنا من اشتياقي بتخيل، لا مستحيل.
بدأ قلبها يخفق بعنــ,,ـــــف حتى شعرت أنه سيخرج من صدـ,,ـــرها.
رمشت عدة مرات، علها تتأكد أن الاشتياق لا يصنع لها خيالًا.
لكنه تحرك.. خطوة…ثم أخرى…
حتى وقف أمامها.
كانت عيناه معلقتين بها وحدها.
عينان حملتا خوف الساعات الماضية، ولهفة الطريق، ووجع رجل ظن للحظات أنه فقد أغلى ما لديه.
همست ليلى بصوت مرتجف:
_عمران؟
وقعت عيناه على الذي يجلس بجوارها
فقال