ارتعشت شفتاها، وفجأة انهمرت دموعها.
جلست على طرف الفراش، تبكي بصمت، عاجزة حتى عن تفسير سبب بكائها.
جاء طرق آخر.
_ليلى؟
لم تجب.. مرّت ثوانٍ.
ثم جاء صوته أكثر قلقًا:
_ليلى، بقالك ساعة… أنا هدخل.
فتح الباب بهدوء.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد للحظة.
كانت جالسة فوق الفراش، منكسة الرأس، ودموعها تنساب بصمت.
اقترب منها سريعًا وجلس إلى جوارها.
_ليلى… إيه اللي حصل؟
رفعت رأسها إليه، وقالت وسط بكائها كطفلة عجزت عن حل أبسط مشكلة:
_مش عارفة أخلع الفستان…
تنفس عمران براحة، ثم سحبها إليه بحنان.
_كده تخضيني! أقولك إيه بس؟
نظر إلى الفستان، ثم عاد بعينيه إليها.
كانت تحدق في الأرض، تفرك أصابعها بتوتر.
توقف للحظة، ثم أمسك يدها وأوقف ارتجاف أصابعها، وضمها إليه.
_اهدي… مفيش حاجة تستاهل كل الخوف ده.
ثم ساعدها بهدوء، وأخذت أصابعه تفك الأربطة الموجودة في ظهر الفستان واحدة تلو الأخرى، دون استعجال، حتى وصل إلى آخر رباط.
همس لها وهو يمسك طرف الفستان من الأعلى:
_فكّيته… لو سبته هيقع على الأرض.
تشبثت ليلى بالفستان، وابتعدت قليلًا، وقد احمر وجهها من الخجل.
_هروح الحمام.
نظر إليها لحظة، ثم ابتسم وكأنه فهم كل ما لم تستطع قوله.
_استني
نهض واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها:
_هخرج بره… خدي وقتك براحتك، ومتستعجليش.
ثم أضاف بصوت هادئ دافئ:
_بس متتأخريش علشان نصلي.
رفعت عينيها إليه.
ابتسم لها وقال:
_عايزين نبدأ حياتنا الجديدة بحاجة حلوة… نصلي سوا، ونطلب من ربنا يبارك لنا في اللي جاي.
لم تستطع ليلى منع ابتسامتها رغم دموعها.
هزت رأسها في هدوء.
_حاضر.
خرج عمران وأغلق الباب خلفه.
ظلت ليلى تنظر إلى الباب للحظات…
ثم وضعت يدها فوق قلبها، وهمست:
_يا رب… أنا خايفة، بس أنا واثقة فيه.
وأغمضت عينيها، تحاول أن تهدأ
بعد فترة، انتهيا من صلاتهما.
ظلت ليلى جالسة في مكانها، مطرقة الرأس، تعبث بأصابعها في توتر، بينما كان عمران يراقبها بصمت.
مد يده إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة
_يلا يا حبيبتي… أنا هلكان وعايز أنام.
هزت رأسها سريعًا، وعيناها ما زالتا معلقتين بالأرض.
_بس أنا مش هلكانة… ولا عايزة أنام.
انحنى أمامها، مستندًا إلى ركبتيه، حتى أصبح في مستوى عينيها.
_ليلى… مش هيجيلي نوم وإنتِ مش في حــ,,ـــــضني. من ساعة ما نزلتي البلد وقعدتي هناك وأنا منمتش.
رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناها بعينيه.
_شهر… منمتش؟
ابتسم ابتسامة مرهقة، وقال بمزاح خافت:
_آه… شهر كامل. بس محدش يقولي، علشان صورتي كرجل أعمال محترم هتضيع.
ضحكت رغم توترها.
مد يديه إليها، وسحبها برفق حتى وقفت، ثم أحاط خصرها بذراعه، واتجه بها نحو الفراش.
_آه… نوم وأكل وكله، بعد ما كنت عايش في الجنة.
ابتسمت بخجل، وما إن وصلا إلى الفراش حتى توقفت، تنظر إليه في تردد.
لاحظ عمران نظرتها.. فقال بهدوء:
_ليلى… إنتِ أول مرة تنامي في حــ,,ـــــضني؟
هزت رأسها نفيًا.
ابتسم، وأشار إلى الفراش.
_خلاص… هنام زي ما كنا بننام.
ثم اقترب منها خطوة، لكن هذه المرة لم يمد يده إليها.
ترك لها المسافة التي تحتاجها، وقال بصوت خافت يحمل كل ما في قلبه:
_متخافيش مني يا حبيبتي… عمري ما هأذيكي، ولا هقرب منك طول ما إنتِ مش عايزة.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصراحة موجعة:
_مش موضوع مش عايزة يا عمران… معرفش مالي.
احتضن وجهها بين كفيه، ونظر إليها طويلًا.. لم يسألها أكثر.
لم يحاصرها بالأسئلة.
فقط قبّل شفتيها قبلة رقيقة، كأنه يطمئن قلبها لا يطلب منه شيئًا.
أغمضت ليلى عينيها، وشعرت بالتوتر ينسحب منها قليلًا، وكأن قلبها بدأ أخيرًا يصدق أن الرجل الذي أمامها ليس مصدـ,,ـــر خوفها… بل ملجؤها.
ابتعد عمران عنها بهدوء وهمس:
_خلاص… مفيش حاجة مستعجلة.
ثم أشار إلى ملابسها.
_اخلعي الإسـدال يا حبيبتي، هتنامي بيه.
أومأت بخجل، ونزعته بهدوء، ثم وقفت للحظات لا تعرف أين تنظر.
أما عمران، فكان كل ما يراه أمامه امرأة أحبها طويلًا، وانتظرها أكثر مما ينبغي لقلب أن يحتمل… بتلك المنامة البيضاء الناعمة الشفافة، التي اظهرت جسدها امامه بوضوح، ولكن لم تكن ملابسها هي ما أسر عينيه…بل ارتباكها.خجلها.
وثقتها التي بدأت تمنحه إياها خطوة بعد أخرى.
استلقى على الفراش، ثم فتح ذراعيه لها.
_تعالي… نامي زي ما إنتِ متعودة.
ظلت للحظات مكانها، ثم اقتربت ببطء، وتمددت بجواره، وأعطته ظهرها.
أغمضت عينيها.
وبعد لحظات، شعرت بذراعه تحيط بها من الخلف، يسحبها إليه برفق حتى استقرت بين ذراعيه.
دفــ,,ـــــن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه.
كان قربها وحده كافيًا ليشعر للمرة الأولى منذ شهر أن صدـ,,ـــره يستطيع التنفس.
أما هي، فارتفعت أنفاسها في البداية، مرتبكة من قربه، ومن ذلك الشعور الجديد الذي لم تعرف له اسمًا.
لكن عمران لم يفعل شيئًا سوى أن احتواها.
ظل يهمس بجوار أذنها بكلمات صغيرة، حانية، كلمات غزل ممزوجة بالعشــ,,ـــــق مع لمساته الناعمة، الذي كان يتحرك بها بهدوء، يخشى أن يخيفها منه، تسللت كلماته إلى قلبها ببطء.
كل كلمة كانت تمحو جزءًا من خوفها.
وكل لمسة حانية كانت تقول لها دون كلام:
أنتِ آمنة.
ومع مرور الدقائق، بدأ جسدها يسترخي بين ذراعيه.
لم تعد تسمع سوى صوته، ونبض قلبه القريب، وأنفاسهما التي بدأت تتناغم دون أن يشعر أي منهما.
حتى استدارت إليه من تلقاء نفسها.
فتح عمران عينيه.. وجدها تنظر إليه.
لم تكن تلك النظرة المرتجفة التي رأها منذ وصولهما…