شهقت ليلى بخجل، فقد كانت تقف خلفه تستمع للمكالمة.
التقط عمران نظرتها من خلال المرآة، فابتسم:
_ اقفل يالا.
ثم أغلق الهاتف والتفت إليها:
_ اتأكدتي إني رايح الشغل يا شكاكة؟
رفعت ذقنها:
_ آه.
_ اصبري بس… لو مش مستعجل كنت عرفتك إزاي تلعبي معايا.
_ وأنا جيت جنبك؟ أنت اللي ملزق! كنت عايزاك تفطر بس.
ابتسم وهو يقترب منها:
_ يا حنينة.
نهضت على ركبتيها فوق الفراش، ثم زحفت نحوه، ورفعت كفيها تضبط رابطة عنقه بعناية، قبل أن تقول بلهجة آمرة:
_ عينك تروح كده ولا كده…
هحط صوابع العشرة فيهم.
انفجر عمران ضاحكًا، ثم انحنى وقبل وجنتها بحنان.
_ خلي بالك من نفسك.
ابتسمت وهي تتابعه بعينيها حتى غادر.
بعد فترة، نزلت ليلى إلى الأسفل، فوجدت زوجة عمها منال تجلس مع والدتها وملك.
توقفت للحظات، وما إن التقت عيناها بعيني منال حتى تبدلت ملامحها قليلًا، قبل أن تتقدم وتلقي السلام ببرود:
_ إزيك يا مرات عمي؟
نهضت منال تستقبلها بابتسامة متكلفة:
_ ليلى حبيبتي… وحشتيني.
جلست ليلى، ثم نظرت إلى والدتها:
_ ليه ما قولتيليش يا ماما إنك جاية؟ كان عندي مشوار مع عمران.
أجابتها والدتها:
_ مرات عمك عايزاكي ضروري.
نهضت منال واقتربت منها
_ ليلى حبيبتي… عمران قال هيرجع البيت والأرض، ولسه ما رجعهمش.
رفعت ليلى عينيها إليها بهدوء:
_ لأنهم مش ملكه يا مرات عمي.
وضعت منال يدها على صدـ,,ـــرها:
_ جوزك باع الأرض والبيت! ليه كده يا بنتي؟
نهضت ليلى ببطء، ثم وقفت أمامها، وعقدت ذراعيها:
_ لا… ما باعهمش.
تعلقت عينا منال بها:
_ أمال؟
التفتت ليلى إليها، وقالت بوضوح:
_ كتبهم باسمي… وقالي: مهرك، وإنتِ حرة فيه.
اتسعت ابتسامة منال، وكأنها لم تسمع سوى نصف الجملة الذي يناسبها:
_ يعني كده الأرض رجعت لعمك؟ يا مانت كريم يا رب!
تنهدت ليلى، ثم استدارت إليها بكامل جسدها:
_ فهمتيني غلط يا مرات عمي. بقولك كتبهم باسمي… مهري أنا، مش باسم عمي.
تبدلت ملامح منال:
_ وإنتِ مش… هترجعيهم لعمك؟
حدقت بها ليلى طويلًا، ثم اقتربت خطوة:
_ إنتِ عايزة أدي مهري لعمي؟
صمتت لحظة، قبل أن تخرج ضحكة قصيرة بلا فرح:
_ ليه؟ جوزي بيلاقي الفلوس دي في الأرض علشان أرجعها لست عقربة زيك… هي وبنتها؟
هزت منال رأسها سريعًا:
_ لا يا بنتي… أنا مش عايزة حاجة.
بس عمك هيمــ,,ـــــوت.
ردت ليلى ببرود:
_ ألف سلامة عليه.
ثم اقتربت أكثر، وغرست عينيها في عينيها:
_ وبالمناسبة… كنت عايزة أشكرك على فكرة.
تجمدت منال:
_ تشكريني؟
ابتسمت ليلى، وفي ابتسامتها انتصار طال انتظاره:
_ آه. لولا فضيحتك ليا، مكنتش اتجوزت عمران.
قالتها ثم التفتت ليلى إلى والدتها:
_ ماما… البيت ده مفتوح للناس كلها، إلا الست دي وابنها.
قالتها، ثم استدارت وصعدت الدرج دون أن تلتفت خلفها.
هوت منال على المقعد، والغضب يأكل ملامحها:
_ طول عمري أقول عليكي سماوية…
وقلبك أسود يا بنت وفاء
نهضت وفاء وهي تقول بانزعاج:
_ قومي يا منال، خلينا نمشي. اتأخرنا… وعمرك ما هتتغيري.
استدارت منال إليها:
_ أمشي؟ مش لما جوز بنتك يرجع أرضي ويخرج ابني؟
توقفت وفاء أمامها:
_ منال… أنا كنت معاكي أصيلة للآخر، واللي عملتيه مش شوية. هتمشي،ولا امشي واسيبك؟
في اليوم التالي…
استقلت ليلى السيارة إلى جوار عمران، ولم تكن تعرف إلى أين يأخذها.
وحين توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة، رفعت عينيها لتجد نفسها أمام كلية الهندسة.
قطبت جبينها باستغراب:
_ جايبني هنا ليه؟
ترجل عمران، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب، ومد يده إليها:
_ تعالي يا حبيبتي.
نظرت إليه، ثم إلى المكان.
_ عمران…
ابتسم:
_ مش كان حلمك تدخلي كلية الهندسة؟
اتسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب كلماته.
_ قول والله!
ضحك:
_ والله.
ألقت بنفسها بين ذراعيه، فضحك وهو يحتضنها بقوة ويرفعها عن الأرض.
_ إنت أحلى حاجة حصلتلي في الدنيا!
ضمها إليه أكثر:
_ وإنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة… مش هسمحلك تحلمي بحاجة وأقف أتفرج.
دفــ,,ـــــنت وجهها في صدـ,,ـــره، وابتسامتها تكاد تشق قلبها من شدة الفرح.
مرت أسابيع أخرى، حتى جاء ذلك المساء…
دلف عمران إلى منزله، فاستقبله سكون غريب.
رفع عينيه إلى المكان، ثم صعد إلى غرفته.
وحين فتح الباب، توقف.
تجمدت خطواته.
كانت الغرفة مزينة ببساطة دافئة، والأنوار الخافتة تحيط بالمكان، وفي المنتصف وقفت ليلى بثوب أحمر أنيق، وعلى وجهها ابتسامة
_ ليلى…
اقتربت منه بخطوات هادئة، وعيناها لا تفارقان عينيه، حتى وقفت أمامه ورفعت نفسها تطبع قبلة حانية بجوار شفتيه.
_ حمد لله على السلامة يا حبيبي.
ظل ينظر إليها، ثم جالت عيناه في أرجاء الغرفة.
_ الله يسلمك… بس مفيش مناسبة يعني؟
ضحكت بخجل.
ثم أمسكت بكفيه.
وضعت يديه على بطنها.
تغيرت ملامحه في لحظة.
نظر إلى يديه، ثم رفع عينيه إليها، وكأن عقله رفض أن يصدق ما فهمه قلبه فورًا.
_ ليلى… إنتِ؟
اقتربت منه، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تهمس:
_ هتبقى أحسن أب في الدنيا.
لم يحتج إلى كلمة أخرى.
في لحظة واحدة، انحنى نحوها، ورفعها بين ذراعيه، يدور بها في الغرفة، وضحكته تملأ المكان بسعادة لم يعرفها من قبل.
كانت تضحك وتبكي في الوقت نفسه، بينما ضمها إليه وكأن العالم كله اختُصر في هذه اللحظة.
_ أنا هبقى أب؟
هزت رأسها وهي تبكي:
_ أيوه…
توقف عن الدوران، وأسند جبهته إلى جبهتها، وعيناه تلمعان بدموع لم يستطع إخفاءها.
_ إنتِ عارفة عملتي فيا إيه؟
ضحكت وسط دموعها:
_ فرحتك؟
_ لأ…
احتضنها بقوة، وقبل رأسها طويلًا.
_ رجعتيلي قلبي من جديد.
أغمضت عينيها بين ذراعيه، وابتسمت.
وفي تلك اللحظة، احتضنها بنظراته
وكل مايراه هو طفل صغير سيأتي ليجمع قلبين ظلا طويلًا يحاربان العالم، حتى كافأهما القدر أخيرًا بأجمل هدية.