منوعات

عبث باسم الحب

كانت رهف في الأعلى في حالة يرثى لها، حالة متفاقمة ما بين الصدمة والألم الرهيب، ألم لأول مرة تختبره؛ كل خلية فيها تأن بوجع الغدر، ومرارة الفضيحة وعلقم الاستغفال.. لم تكن علاقتها بأحمد سوى وهم، سراب مشت هي خلفه مصدقة مشاعر المراهقة اللعينة ونست كل شيء سواها، نست ثقة والديها، ونست أنها تضع ثقتها بغريب، وتعجلت بالبحث عن الحب ووضعته في موضع شريك العمر متناسية أنه قدر ونصيب وتوقيت محدد من الله.

وبعدها في ظل مغادرة العريس وأهله ونظراتهم التي كانت بمثابة خـ,ـناجر مسـ,ـمومة ترشق بمنتصف قلوبهم، صعد عماد خائر القوى مُستهلك نفسيًا لأبعد حد، ركض نحو رهف يصفعها بعشوائية دون توقف جاذبًا اياها من خصلاتها بعـ,ـنف شديد يلقيها أرضًا أسفل أقدامه بينما والدتها تلطم خديها في فزع شديد من كل ما يحدث، ورهف مغمضة العينين مستسلمة تبكي بصوت مكتوم فقط.

عادت رهف من تلك الذكرى المقيتة تمسح دمعة ساخنة فرت متحررة من بين أهدابها، وقد عادت تلك المرارة بحلقها وكأنها تعيش ذلك اليوم من جديد..
ذلك اليوم الذي كان من صنع يديها، يوم لم تتوقع قط أن تعيشه وأن تجعل والدها يعيشه، كان عقاب مُهلك لا قدرة لها على احتماله، وكان حفرة سقطت فيها مُزهقة الأنفاس..! اقتربت من مروان وتلقائيًا وجدت نفسها تدفـ,ـن نفسها بين أحضانه، أحضانه التي صارت الملاذ الوحيد من وحشة الأيام وقساوتها، والبلسم الذي هدئ من إلتهاب جراحها.

**** بعد مرور حوالي شهر… شهر كانت رهف تلتزم فيه بالخصام الزائف مع مروان، لتشعره بتأنيب الضمير لكتمانه السبب الوهمي الذي تظن أنه تزوجها من أجله، ولكنها في الحقيقة لم تكن تشعر بالغدر منه، والأسباب الواقعية تحط بينها وبين الحزن الذي من المفترض أن تشعر به فتذيب إياه ببطء…
وهو الآخر طيلة الشهر كان في قوقعة من العزلة يحاول فيها معالجة تلك الشروخ التي أحدثتها فيه الأيام.

إنتبهت لمروان الذي دلف للمطبخ مقتربًا منها وصدح صوته مشاكسًا:
-قمر عليا الطلاق قمر يا جــ,,ـماعه وهلفه ساندوتش وأكله دلوقتي.
رمقته رهف بنظرة ملولة في ظاهرها سعيدة في باطنها من خروجه من حالة الثقل والجمود التي كانت تستعريه :
-ايه العسل دا !!
-عسل وطحينه هاهاها.
قلبت رهف عينيها ورمته بنظرة مصطنعة الحنق من اعلاه لأسفله، فتنحنح مروان ثم قال بجدية زائفة:
-احم، انا كنت عايز أقولك حاجة مهمة جدًا يا رهف كنت مخبيها عنك بس خلاص مش قادر أخبي أكتر.
إتسعت حدقتيها في اداء درامي بحت واستدارت نحوه مسرعة تسأله في شك:

-اتجوزت عليا؟! انا كنت حاسه اصلا انتوا ملكوش أمـ…..
فقاطعها مروان مرددًا في مرح وتلقائية:
-اتجوزت عليكي ايه بس وحدي الله ف قلبك هو اللي يتجوزك هيبص لصنف الستات تاني اصلًا.
-إيه؟
رددتها مستنكرة غاضبة، فابتسم ابتسامة تنضح بالحنو ليُخفي أسفلها فداحة ما نطق به وأكمل:
-قصدي يعني يا حبيبتي من الحب، مش هيبص لواحدة تاني عشان مفيش منك تاني اساسًا.
اومأت رهف مؤكدة في زهو وسألته:
-اه بحسب، امال ايه اللي مخبيه بقا؟
أطرق برأسه أرضًا وتشعب الأسف محتلًا قسمــ,,ـات وجهه وهو يهتف بصوت خافت:
-أنا عليا جنية عاشقة.

تصنمت رهف مكانها وسرعان ما رفعت حاجبها الأيسر وهي تتابع مستنكرة متهكمة:
-جنية إيه؟ عاشقة! مروان يا حبيبي أنت محدش طايقك من الانس عشان يعــ,,ـــــشقك من الجن!
-فيه كلام اشيك من كدا وبيدي نفس المعنى.
زفرت رهف بصوت مسموع، ثم رسمت ابتسامة زائفة خالية من المرح وهي تقول:
-يا الله يا ولي الصــ,,ـابرين، كمل يا مروان، ها وإيه كمان؟
هز مروان رأسه في اسف وبجدية أكمل:
-يظنوني الجميع أنني أنهار ولكني في الحقيقة بحيرات.
-اممم طبعـ…. نعم؟

-انتي قفوشه اوي على فكره يا رهف، أنا بضحك معاكي عشان تفرفشي لاحسن الجنيه العاشقة اللي وراكي دي مـ,ـوتها وسمها الناس القفوشه، اه اسأليني انا دا احنا عِشرة!

للحظة وبتلقائية ألقت رهف نظرة خاطفة خلفها وعادت لتنظر له وهي تستطرد في غيظ:
-ورايا إيه اللهم احفظنا وبعدين إيه اللي مـ,ـوتها وسمها الناس القفوشه!
هز مروان رأسه وراح يردف في جدية تامة مُضحكة وهو يخبرها:
-امال انتي فاكره إيه، احنا نسيبها تنتقم من الناس البومه القفوشه واحد واحد والبقاء للفرفوش!
زفرت رهف وهي تحذره بصوت أجش:
-بلاش هزار في الحاجات دي يا مروان الله يرضى عنك.
أشار مروان لنفسه رافعًا حاجباه معًا متمسكًا بدور الجدية الزائف:
-هزار ! انا برضو ههزر في الحاجات اللي زي دي يا رهف، انتي شيفاني تافه للدرجة؟!

قال وانا اللي جاي احذرك احسن تصحي تلاقيكي اتسخطتي قردة.
عقدت رهف ما بين حاجبيها بعدم فهم وسألته:
-تحذرني من إيه يعني مش فاهمة!
اقترب منها جوار اذنها ثم همس وكأنه يخبرها بأخطر سر في العالم:
-اصلها اللي بيضايقني او يزعلني وينرفزني بـ… آآ…
زجرته في حنق:
-بـ إيه ما تنطق؟
ضم شفتاه معًا وهو يهز رأسه في قلة حيلة:
-أنطق أقول إيه، أصل الخبــ,,ـــــث والخبائث مبيحبوش حد يطلع اسرار المهنة برا، وعمومًا أنا ماشي وهاسيبك تشوفي بنفسك انا بهزر ولا لا.

وبالفعل تحرك يوهمها أنه سيغادر بالفعل، فدارت عينا رهف حولها نحو الغرف المُظلــ,,ـمة، ثم صرخت منادية بتلقائية وهي تسرع نحوه:
-مروان استنى.
كتم مروان ضحكته بصعوبة وحاول الحفاظ على جدية ملامحه وهو يسألها:
-ايه خوفتي يعني؟
هزت رأسها نافية بسرعة، ثم تنحنحت تتشدق في استنكار:
-انا ؟ لا طبعًا، بس انت رايح فين؟ وبعدين انت عارف اني مش بحب سيرة الحاجات دي ابدًا.

أغلق مروان الباب ثم استدار نحوها ليقترب منها ببطء وهي تعود بتلقائية للخلف حتى إلتصقت بالجدار من خلفها وهو امامها يُحيطها بذراعيه ويقترب منها أكثر حتى أصبح ملتصق بها تقريبًا فابتلعت هي ريقها بتوتر وهي ترمقه بحذر متساءلة ونبضات قلبها ترتفع أكثر فأكثر:
-أنت بتقرب كدا لية ؟
لم يجيبها وإنما كانت عيناه تخبرها عن شرارة الشوق التي إندلعت بين ضلوعه، وكل خلاياه التي تأن توقًا ولهفة لوصالها.

فانحنى بوجهه نحو وجهها ببطء حتى كادت شفتاه تلتقي بشـ,ـفتيها في لهفة وشـ,ـغف أنهـ,ـكه، ولكنها سارعت لتبتعد بتمنع مصطنع وتوتر، ولكنه لم يعطها الفرصة بل ثبتها بذارعيه وهو يهمس بسرعة محذرًا بخشونة:
-اثبتي مكانك لاتوـ,ـلعي.
ولم يعطها الفرصة للابتعاد او الاعتراض بل كتم اعتراضها بشفتيه الاكثر من متلهفة، يلثم شفتاها بتأنٍ مغمضًا عينيه متلذذًا بحلاوة ذلك الشعور اللاهب الذي صار كفقاعة وردية متأججة العاطفة من حولهما، ولم تكن تملك هي اصطناع التمنع فاستسلمت لطوفــ,,ـان عاطفته التي ابتلعتها غير سامحة لها حتى بالتقاط أنفاسها.

وابتعد اخيرًا حين شعر بكتمان أنفاسها، و من ثم راح يهمس بعبث لمع بعينيه:
-دي مش لأجلي لأ دي لأجل الجنية اللي واقفة بتتفرج علينا دي وهتمـ,ـوت وتحـ,ـرقك.

انت في الصفحة 10 من 10 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى