أما جيهان، فلم تنتظر ردها، واستدارت ودلفت إلى الداخل وهي تشتعل غضبًا. _ يخرب بيتك… ولية قرشانة! قالتها حسناء، وهي تلتفت إلى عبد الرحمن:
_ إيه ده يا عبد الرحمن؟ ليه تدي فرصة لواحدة زي دي تتكلم كده؟ فتح فمه للرد، لكنه فجأة استمع إلى صوت ارتطام شيء خلفه. التفت سريعًا، وشهق حين وجد خديجة غارقة في الظلام. _ خديجة! اقتربت حسناء هي الأخرى، وقالت بفزع:
_ اسم الله عليكي يا بنتي!
انحنى عبد الرحمن وحملها بين ذراعيه، ودلف بها إلى الداخل. وجد جيهان تجلس على الأريكة وتهز ساقيها، فنظر إلى خديجة التي يحملها بين يديه، ثم إلى والدته الواقفة خلفه. قالت جيهان بسخرية:
_ أهو كهن البنات اشتغل… مالها المحروسة؟ وضعها عبد الرحمن بهدوء فوق الأريكة. _ خديجة… قالها وهو يربت على وجنتيها بخفة. _ خديجة، افتحي عيونك. صاحت حسناء:
_ ما تجيبي حاجة نفوّق البنت! واقفة كده ليه؟ سحب عبد الرحمن والدته بعيدًا، ورفع رأس خديجة قليلًا، ثم أخذ يربت على وجنتها برفق.
_ ديجة… فوقي. وصلت جيهان بزجاجة العطر، فتوقفت تنظر إلى جلوسه بجوارها ولهفته عليها. اقتربت منه، وجلست بجواره على طرف الأريكة. _ أنا هفوقها… قالتها وهي تنحني ناحية خديجة، ثم نثرت العطر على وجهها. نهض عبد الرحمن من مكانه، وعيناه على خديجة التي بدأت ترفرف أهدابها، متأوهة. في تلك اللحظة، علا هاتف جيهان بالرنين، فتحركت نحوه، بينما توجهت حسناء بجوار خديجة. _ أنتِ كويسة يا بنتي؟ فتحت عينيها، وأخذت تدور برأسها كالتائهة، إلى أن وقعت عيناها على والدتها، فتذكرت ما صار.
اعتدلت وهي تبكي. _ ماما… أمسكتها حسناء، وقالت:
_ اهدي حبيبتي، على مهلك. مامتك كويسة. بكت خديجة بشهقات متقطعة:
_ عايزة أشوف أمي… أمي. انحنى إليها عبد الرحمن، وقد آلمه بكاؤها. _ خديجة، بصيلي. هزت رأسها بالرفض وبكت. _ امشي يا عبد الرحمن، لو سمحت. أنا آسفة على اللي حصلك بسببي. جلس على عقبيه أمامها. _ طمنيني عليكي. رفعت رأسها، وعيناها الباكيتان تهزان رأسها. _ مش كويسة. جلست حسناء بجوارها، وسحبتها إلى أحضانها.
_ مامتك هتكون كويسة، حبيبتي. أنا هدخل أشوفها، وأنتِ قومي اغسلي وشك كده، واستعيدي نفسك. وبالنسبة للي حصل، متقلقيش، أنا هتصرف. ثم أشارت ناحية عبد الرحمن:
_ وعبد الرحمن هيتصرف مع خالد لما ييجي. أومأت خديجة دون أن تنطق. رمقت حسناء ابنها وقالت:
_ قوم روح أنتَ ارتاح، وأنا هفضل معاها. كانت عيناه على وردته التي بدأت تذبل أمامه. _ خديجة، مش عايزك تشيلي هم وتخافي وأنا موجود. _ أنا عايزة أطمن على أمي، أهم حاجة دلوقتي.
قالتها واعتدلت واقفة.
نهض من أمامها، وربتت حسناء على كتفها قائلة:
_ إن شاء الله هتكون كويسة، حبيبتي. رفعت خديجة عينيها إليه. _ شكرًا يا عبد الرحمن. _ بتشكريني على إيه يا خديجة؟ على إني جنبك؟ وأمك أمي. خطت خديجة خطوة وهي تستند إلى حسناء، واتجهت إلى الداخل بجوار والدته، بينما ظل يراقبها بصمت مؤلم. مضت الليلة ثقيلة، وكأن عقارب الساعة قد فقدت قدرتها على الحركة. وظل الحال كما هو؛ مرض ينهش جسد فاتن، وخوف يلتف حول قلب خديجة حتى كاد يخنق أنفاسها.
بعد ساعات، جاء الصباح بنوره، لكنه لم يحمل معه سوى رجاء معلّق بالله. كانت حسناء قد غلبها التعب، فغفت فوق المقعد القريب من الفراش، بينما ظلت خديجة جالسة على الأرض إلى جوار والدتها، تحتضن كفها بين كفيها، وتضعه على وجنتها تارة، وتقبله تارة أخرى. وفجأة… رفرفت أجفان فاتن ببطء. انتفض قلب خديجة، واعتدلت في جلستها وهي تحدق بها. _ ماما؟! فتحت فاتن عينيها بصعوبة، ثم تحركت شفتاها بصوت واهن:
_ خد… يجة…
انحنت خديجة عليها في اللحظة ذاتها، وأغرقت جبينها بالقبلات، وانهمرت دموعها دون قدرة على إيقافها. _ حبيبتي… حاسة بإيه؟ وجعك فين؟ قوليلي بس. ظلت فاتن تحدق بها، ثم همست باسم عبد الرحمن من بين شفتيها، متقطعًا:
_ عبد… الرحمن… توقفت خديجة للحظة، ثم انحنت أكثر لتسمعها. _ عبد الرحمن يا ماما؟ أومأت فاتن بصعوبة. _ عبد الرحمن… يا خديجة… مسحت خديجة دموعها سريعًا، وقالت محاولة طمأنتها:
_ عبد الرحمن في بيته يا ماما… كان هنا وجابلك الدكتور، واطمن عليكي قبل ما يمشي.
استيقظت حسناء على أصواتهن، ففتحت عينيها ونهضت سريعًا، واتجهت إلى الفراش. _ فاتن… حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. رفعت فاتن عينيها إليها، ولم تقل سوى:
_ عبد الرحمن… كلمي عبد الرحمن ييجي. قطبت حسناء جبينها، ثم نظرت إلى خديجة. _ أمك عايزة عبد الرحمن؟ احتضنت خديجة كف أمها وقبلته، ثم قالت:
_ حبيبتي، أنتِ حاسة بإيه؟ أجيبلك الدكتور؟ رفعت فاتن يدها بصعوبة، وكأنها تريد إسكاتها. جلست حسناء إلى جوارها، بينما توقفت خديجة عن الكلام.
همست فاتن:
_ حسـناء… كلـمي عبد… الرحمن… اتسعت عينا حسناء، وظلت تنظر إليها غير مستوعبة. _ مامتك بتقول إيه يا حبيبتي؟ مسدت خديجة على شعر والدتها بحنان. _ حبيبتي… عايزة إيه؟ جاءها الرد ضعيفًا، لكنه واضح:
_ عبد الرحمن… رفعت خديجة رأسها إلى حسناء. _ بتقول عبد الرحمن. ابتسمت حسناء رغم قلقها، وقالت بثقة:
_ عبد الرحمن ابني؟ دقيقة واحدة ويكون هنا. وضعت يدها في جيب عباءتها، ثم تذكرت هاتفها.