توقفت أنفاس عبد الرحمن… لم يتحرك… لم يرمش حتى. وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنه، أو ربما وصلت… لكنها كانت أقسى من أن يستوعبها عقله في لحظتها الأولى. اتسعت عيناه قليلًا، وانسحب الدم من وجهه، بينما ظل ينظر إلى خالد وكأنه ينتظر منه أن يضحك ويخبره أن ما قاله مجرد كذبة. لكن خالد لم يفعل. في تلك اللحظة فقط، شعر وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه. خديجة…
خديجته التي كان قلبه قد اختارها دون استئذان… أصبحت لغيره.
ارتجف تنفسه، وتراجع بجسده إلى الخلف دون وعي، بينما راحت الكلمات تتردد داخل رأسه كض//////////ربة متكررة:
“اتخطبت… وهتتجوز.” ـ بس ده مش كلام رجالة يا خالد. ألقى خالد الخرقة التي بيده، ثم أشار إليه بتحذير:
ـ مكنش فيه كلام أصلًا. البنت بقت ملك لواحد تاني. لو ترضاها على نفسك، اجري وراها. ـ مستحيل… مستحيل خديجة توافق. أكيد هددتها. طالعه خالد بتهكم:
ـ خليك عايش في دور الواد اللي مفيش منه اتنين.
ظل عبد الرحمن في مكانه يتابع تحركه بصمت مريب، ودقات قلبه تض.رب صدره بعن:ف. نزع ثياب العمل وتحرك إلى الخارج سريعًا. راقبه خالد إلى أن صعد دراجته البخارية. اتجه خالد إلى هاتفه، وقام بمهاتفة خديجة.
❈-❈-❈ عند خديجة، كانت تجلس أمام والدتها تحتضن كفيها. ـ ماما حبيبتي، كده يا ماما؟ تستسلمي للمرض؟ أنا تعبانة يا ماما. لو سمحتِ، متعمليش فيا كده… هموت من غيرك. وضعت رأسها على صدر والدتها، وضمتها بذراعيها:
ـ ماما، كفاية نوم بقى. افتحي عيونك. بنتك بتموت من غيرك. اصحي وشوفي خالد عايز يموتني يا ماما، بيخيرني بين قلبي وبينك.
اعتدلت تنظر إلى سكون جسد والدتها:
ـ لو طلبتي روحي، مش هتأخر عنك يا حبيبة قلبي. مستعدة أضحي بحياتي، بس… بس عبد الرحمن يا ماما، مش هقدر. طب أقوله إيه؟ أقدر على الدنيا من غيره إزاي؟ النهارده تاني يوم مشفتهوش ولا كلمني. حاسة إني مش عايشة يا ماما. مسدت على خصلات والدتها:
ـ علشانك أبيع نفسي والله. أنا مش زعلانة، بس قلبي وجعني أوي. بحبه أوي يا ماما. لو بعدت عنه هموت.
اقتربت من صدر والدتها مرة أخرى:
ـ همو//ت من غير عبد الرحمن يا ماما… اصحي وانقذي بنتك. في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف خديجة. نظرت إليه، وأزالت دموعها، ثم رفعته:
ـ أيوة. ـ عبد الرحمن لو جالك، تقولي له كل شيء قسمة ونصيب، وإنك بتفكري في مصلحتك. ـ مش هقدر يا خالد. خالد، لو سمحت، بلاش تمو/تني كده. خد قرض من البنك، ولا أقولك بيع البيت. ـ قرض إيه يا بت؟ وبيع إيه؟ أمك لازم تعمل العملية في أقرب وقت. القرض عايز شهور، والبيت مين هيشتري بيت قديم في حي قديم في الوقت ده؟
ـ خالد، أنا مش هقدر. أنا مش عايزة مروان ده. ـ خلاص… اتصلي بتاكسي ورجعي أمك البيت، واستني لما روحها تطلع. اللي عندي قولته.
قالها وأغلق الهاتف. هوى الهاتف من بين يديها على الأرض، وظلت تهز رأسها بفزع، غير مصدقة لما حدث.
❈-❈-❈ بالخارج… كانت جيهان تجلس بجوار مروان. ـ عملت اللي طلبته بالظبط، وخديجة هتبقى مراتك قبل شهر. لازم تتمم اتفاقنا. حك ذقنه وهو ينظر إليها:
ـ تمام… بس بعد كتب الكتاب.
ـ لا يا حبيبي، متزعلش مني يا مروان. اللي أوله شرط آخره نور. الست بتموت جوه، وكان المفروض البنت تتخطب لأحسن جدع في الح/تة، وفي الآخر تقولي بعد كتب الكتاب؟ يفتح الله يا أخويا. ـ وأنتِ هتعملي إيه لو رفضت يا جيهان؟ ـ لا، هعمل كتير. اقتربت منه، تتلاعب بزر قميصه:
ـ هقول لخالد الحقيقة كلها، وأنتَ عارف بقى لو خالد عرف، هيجوز أخته من الصبح لعبد الرحمن. ـ مش هيقدر، لأن أمها بتموت.
انحنت أكثر عليه:
ـ لو على الفلوس، من الصبح أجمع له الفلوس. عندنا شاليه لو اتباع يجيب حق العملية وزيادة، بس خالد اللي ناسيه، غير البيت وفلوس جهاز خديجة. ـ عايزة إيه يا جيهان؟ ـ زي ما اتفقنا، خمسة مليون باسمي في البنك، ونص الورشة يتكتب باسم خالد. ثم تابعت:
ـ نيجي بقى لمهر العروسة… أحسن فيلا في إسكندرية باسمها هي وأخوها برضه، وخمسة مليون كمان. ـ حيلك حيلك… ليه؟ هتجوز السفيرة عزيزة؟
ـ أحسن يا خويا. ده أنتَ هتتجوز قمرين، مش قمر. ولو مش مصدق… لحظة. فتحت الهاتف وبحثت عن صور خديجة التي التقطتها لها أثناء تبديل ثيابها من خلف الباب، فقد خرجت وتركت جزءًا من الباب مفتوحًا حتى تستطيع التقاط الصور. وضعت الهاتف في يده. ـ شوف الجمال ده واستمتع، وأكيد في حالتك بتحب حاجات زي كده. نظر مروان إلى صور خديجة بنظرات شهوانية، وظل يحدق فيها، بينما كانت تتابعه بانتصار.
فجأة سحبت الهاتف من بين يديه. ـ كفاية كده، أصل سمعت إنه حرام. طالعها بنظرة غاضبة:
ـ ابعتي لي الصور دي. أفلتت ضحكة صاخبة، ووضعت ساقًا فوق الأخرى:
ـ وأنا هستفاد إيه يا ميرو؟ ـ أنتِ مش معقولة. انحنت عليه، مستندة إلى كتفه:
ـ بقولك جمال يتحط على الجرح يا ميرو، وأنا عارفة إنك بتحب الأصناف دي. بس بقولك إيه، لما يحصل المراد، براحة على البت، لتموت في إيدك. يعني مش من أول مرة. فهمها تاتا، وادعي تبقى خبرة تحت إيدك.