سحبها بقوة من ذراعها، يهمس بهسيس مرعب:
ـ عارفة لو مكتبتش عليها خلال أسبوع، هعمل فيكي إيه؟ مطت شفتيها وهزت رأسها:
– لا… ده البت عملت مفعول عاااالي. ما قلت لك: ادفع تاخد. دفعها بعيدًا ونهض، وعيناه عليها،اوقفته بكلماتها:
ـ جهز فستان الفرح، ولازم يكون من باريس. فرح في أفخم فندق في إسكندرية. ـ إنما شهر العسل، كفاية عسلك. قالتها وتحركت خطوة، لكنها توقفت حين وجدت اقتراب عبد الرحمن منهما.
ـ العريس القديم وصل يا ميرو. ـ هو عبد الرحمن كان الـ… التفت إليه وهزت رأسها بغمزة:
ـ لو هنقارن، هيكتسح بصراحة… بس يلا، المنفعة تحكم. وصل إليهما، يتلفت حوله:
ـ خديجة فين؟ توقف مروان وسأله:
ـ أنتَ سبت الورشة ليه؟ لم يرد عليه. تحرك إلى النافذة الزجاجية، فوجدها تجلس بجوار والدتها، فاتجه إلى الباب. توقفت أمامه جيهان:
ـ رايح فين؟ أظن خالد قالك كل شيء قسمة ونصيب. ـ امشي من قدامي، أنا على آخري.
ـ مالك يا عبد الرحمن؟ ما تهدى. رفع عينيه إليها. ـ مش غريبة يا مروان تبقى هنا وخالد في الورشة؟ ـ لا، مش غريبة يا حبيبي، لأنه مع خطيبته. تمتمت بها جيهان بصوت مرتفع:
ـ مروان… ـ آه… مروان خطب خديجة، وفرحهم الأسبوع الجاي. طالعها باشمئزاز:
ـ أنتِ كذابة. طالعته وهي تهز نفسها:
ـ مش هرد عليك… خطيبها يرد عليك. ـ أنا مش فاهم حاجة. قالها عبدالرحمن وتحرك نحو الغرفة، لكن جيهان منعته حين وقفت أمامه:
ـ اهدى يا بشمهندس، هبعت لك خديجة. يمكن لما تسمع منها ترتاح.
قالتها ودخلت. دلفت إلى الداخل، فوجدت خديجة ما زالت على حالتها. اقتربت منها:
ـ ديجة… عبده برة. اطلعي قولي له: كان فيه وخلص. رفعت خديجة عينيها إليها باشمئزاز وكره:
ـ أنا بكرهك. توقفت أمامها، وغرست عينيها في عيني جيهان:
ـ ربنا ينتقم منك يا بعيدة. في لحظة واحدة، سحبتها من حجابها بقوة:
ـ اسمعيني يا بت. أمك بتودع، وأنا بس اللي موجودة. هتقلي أدبك، وديني لأفضحك وأخليكي زي الكلبة، ما تساويش ربع فرانك.
رفعت هاتفها وفتحت الصور:
ـ شايفة الجمال؟ شهقت خديجة، وهي ترى صورها بجسدها العاري على هاتفها. سحبتها جيهان بقوة إليها، وهمست في أذنها:
ـ خمس دقايق والصور دي تبقى مالية السوشيال. ومش بس كده، هقول إن عبد الرحمن هو اللي مصورك. وفين بقى لما تثبتي؟ تكوني اتقلتي من أخوكي، أهو أخلص منكم إنتوا الاتنين. هتطلعي تقولي للبقف اللي برة إنك اتخطبتي ومش عايزة تكملي معاه، فكرتي في مصلحتك ومش عايزة تشوفيه تاني، وإلا وديني هعمل اللي قلته. وخلي الحليوة أبو عيون عسلية ينفعك.
اقتربت أكثر وتابعت بسم:
ـ أول واحد هيرميكي أصلًا بعد ما الكل يتفرج على الجمال الرباني. قالتها وخرجت، بينما ظلت خديجة متوقفة في مكانها، لا تستوعب ما استمعت إليه، تهز رأسها بعنف، غير مصدقة أن زوجة أخيها تفعل بها ذلك.
❈-❈-❈ لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى خرجت خديجة من غرفة والدتها، فوجدته واقفًا في الخارج، يستند بظهره إلى الحائط. وما إن وقعت عيناه عليها حتى اعتدل سريعًا، ونظر إليها كأنه لا يستوعب عقله ما يراه.
يا الله…
كيف استطاعت الأيام أن تفعل بها كل هذا؟ بدت وكأنها ذبلت في يومين فقط؛ انطفأ بريق وجهها، وشحبت ملامحها، ولم يبقَ فيها سوى تلك البراءة التي لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزعها من روحها. اقترب منها بخطوات سريعة، وعيناه لا تفارقان وجهها:
ـ خديجة… أنتِ كويسة؟ توقفت أمامه، لكن عينيها هربتا منه دون إرادة، واستقرتا على جيهان الواقفة إلى جوار مروان، تتلاعب بهاتفها. ثم عادت بنظرها إليه. ـ آه… أنا كويسة.
اقترب عبد الرحمن أكثر، حتى أصبح أمامها مباشرة، وتأمل وجهها بعينين لم تستطيعا إخفاء قلقهما:
ـ بس أنا مش شايف كده. رفعت خديجة عينيها إليه… وليتها لم تفعل. فبمجرد أن التقت عيناها بعينيه، شعرت أن كل ما حاولت دفنه بداخلها خلال الساعات الماضية عاد دفعة واحدة. ظلت تنظر إليه طويلًا… تتشبث بتفاصيل وجهه، وكأنها تحفظه للمرة الأخيرة، وكأن عينيها تريدان أن تأخذا منه ما يكفيها من الذكريات لتعيش به بعده.
تأملت عينيها… ملامحه… حتى ارتجافة شفتيه وهو ينتظر إجابة منها. ثم ابتسمت. ابتسامة موجوعة، ربما كانت تودعه بها… حتى إذا تذكرها يومًا، لا يتذكر دموعها وانكسارها، بل يتذكر تلك الابتسامة التي منحته إياها وهي تخفي خلفها قلبًا ينهار. ـ لا… أنا كويسة. شكرًا لسؤالك. جاء صوت جيهان من الخلف، باردًا، كأنه يتعمد تمزيق آخر خيط يجمعهما:
ـ خديجة، قولي للبشمهندس إن كل شيء قسمة ونصيب… أصله مش مصدق. عقد عبد الرحمن حاجبيه، وانتقلت عيناه بينها وبين خديجة:
ـ ليه مش مصدق؟ هو كان حصل حاجة في الأول؟
اتسعت عيناه، واقترب منها خطوة أخرى:
ـ خديجة… أنتِ بتقولي إيه؟ ابتلعت غصتها، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا، رغم أن كل حرف كان يمر فوق قلبها كحد السكين:
ـ ربنا يسعدك مع اللي تستاهلك يا عبد الرحمن… مالناش نصيب مع بعض. تجمد في مكانه، كأن الكلمات لم تصل إلى أذنيه دفعة واحدة، بل كانت تتساقط داخله ببطء، وكل كلمة منها تهدم شيئًا كان يظنه ثابتًا إلى الأبد. ـ مالناش نصيب…؟
كررها بصوت خافت، يحاول إقناع نفسه أن ما سمعه ليس حقيقيًا.