منوعات

طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

ودا عرفتيه ازاي
_اهدي ياختي، انا بسأل بس، اصل فيه بنت عندنا في الشارع لفتت انتباه، فجابر قالي بيروح عندكم
_لا لا.. بلاش، قولي لها تبعد عنه
_ليه علشان بتاع بنات وكدا، الرجالة كلها في الاول كدا
هزت رأسها وهمست اليها
_لا.. دا راجل مش ولابد، مجنن بنات الديسكو، وطبعا محدش قادر يتكلم علشان الفلوس
_اوعي يابت تكوني بتروحي معاه
مصمصمت شفتياه، تهز ايدها
_اروح فين ياختي، هو انا بتاعة كدا، حتى ولو، مستحيل اروح معاه
ضيقت عيناها بتساؤل ليه
دنت تهمس لها بعض الكلمات، فضربت جيهان على صدرها
_يالهوي…

انت متأكدة
_اه والله، دا البت صاحبتي اللي شغالة معايا في نفس الصالة، راحت معاه ليلة كانت هتمو.ت، لو تشوفي جسمها، دا حيوان ياجيهان، شغل حيوانات بالظبط، وقالها لو قولتي لحد هقطع لسانك، وهي مكنتش هتقول، بس شوفتها وهي بتحط كريمات وشكيت، وفضلت اتحايل عليها حكت لي
_يعني هو سادي
هزت رأسها وقالت ومش بس كدا، مالوش في الجواز
شردت جيهان بكلماتها، وتذكرت حديثه عن خديجة
_حلوة اوي اخت خالد، هي مرتبطة
سألته
_ليه بدور على عروسة ولا ايه
صمت للحظات ثم اجاب، لو هي اه ليه مااتجوزش
ولكنها رفضت قائلة

_بس هي مش بتفكر في الجواز دلوقتي، تمتمت بها، رافضة زواج خديجة منه لغناه الفاحش، ولكن بعدما استمعت الى كلمات اخيها، بدأت تفكر بحديثه
خرجت من شرودها على كلمات صباح
_جيهان قولي للبنت دي ترفضه، بس من غير اسباب، حرام بنت تتجوز واحد زي دا
نهضت وهي تهز رأسها…

بقلم سيلا وليد
_اه طبعا هقولها متقلقيش
نهضت تقف بمقابلتها
_اوعي الكلام اللي قولته يطلع برة، دا لو عرف معرفش ممكن يعمل ايه، كفاية على جوز امي
ربتت على كفتها قائلة
_متقلقيش حبيبتي، انا نسيت اصلا، كان لازم اسأل عليه، البنت يتيمة حرام
خرجت جيهان من ذكرياتها على صوت خالد
_مروان رفض اروح ابات معاه، قالي ميقلقش، ولو فيه حاجة هيتصل
خرجت من غرفة خديجة واتجهت للخارج
_متكلمنيش ولا لسانك يخاطب لساني، وتنام هنا في بيت امك، وانا هطلع شقتنا
_بتقولي ايه ياجهان اتجننتي
دفعته بعيدا عنها، وتصنعت البكاء بدلال

_ابعد ياخالد، بعد الحب دا كله تشك فيا
_جيهان اعقلي… ايه اللي بتقوليه دا
دلفت لداخل المطبخ
_هسبلك الاكل في المطبخ، بس ميهنش علي تفضل من غير اكل
دلف خلفها وقال
_جيهان مش قصدي، خديجة صعبت علي
دفعته للخارج واشارت
_طب روح لها، انا مستحيل اسامحك على شكك في
_جيهان…

هنا ارتفع رنين هاتفه، فخرج للرد، اتجهت الى المطبخ، واخرجت الحبوب التي تضعها له، وهي تقول
_مااشوف يااستاذ خالد هتقضي الليلة ازاي وانت بعيد عني
وضعت الطعام على سرفيس، وحملته للخارج، وضعته على الطاولة، في نفس اللحظة التي انهى الاتصال بها
التفت اليها نظر للطعام ثم اليها
_حمام كمان… ليلتنا فل إن شاءلله
_لا ياحبيبي…

كنت عاملة منه لاختك، وانا اللي مهتمية بيها، وشوف في الاخر عملت ايه
سحبها من خسرها
_يابت متبقيش قلبك اسود كدا
جلس وجلست فوق ساقيه تطعمه الى أن انتهى، نظرت اليه وبدأت تتدلك عنقه بدلال، ثم طبعت قبلة وفوق شفتيه
_تصبح على خير ياخلودتي
قالتها ونهضت من فوق ساقيه متجهة الى غرفة خديجة، واغلقتها على نفسها
_هشوف انا ولا انت ياخالد، مين اللي هيقدر على التاني
عند خديجة وصلت الى المنزل الذي يقطن به مروان، دلفت للداخل، وشعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها
دارت عيناها بالمكان، حتى وقعت على وقوفه وهو يضع كفوفه بجيب

بنطاله وقالت
_اوضتي فين
اقترب منها وهو على حاله
_اوضتك، هو فيه عروسة تبات ليلة فرحها بعيد عن جوزها
استدارت اليه بكامل جسدها
_انا اتفقت معاك، اديني وقتي لحد مااخد عليك، وانت وافقت
_وقت قد ايه ياخديجة
ارتبكت تسحب عيناها منه وقالت
_معرفش… وقت مااحس بالامان معاك
هز رأسه واشار الى الغرفة
_تمام… خدي وقتك، الاوضة اللي على اليمين
حملت حقيبتها وقالت
_شكرا

مضى شهرا والحال كما هو، سوى افاقة والدتها من الغيبوبة، كانت تجلس بجوارها تطعمها الطعام الذي سمح به الطبيب، رغم حزن خديجة على زواجها، الا أن استيقاظ والدتها كان النور الذي اضاء حياتها مرة اخرى
مررت وجهها على وجه والدتها الشاحب
_حمد الله على سلامتك يااغلى من حياتي
دمعة نزلت من أعين فاتن على الحزن الذي سكن أعين ابنتها، حاولت أن تنطق ولكنها فقدت النطق
انحنت خديجة تقبل كفيها
_مش مهم، المهم انك قدام عيوني ياماما، المهم ح.ضنك الدافي
قالتها وهي تتسلل الى أحضانها، فتحت جيهان باب الغرفة
_جوزك وصل، يلا مش عايز يقعد

رفعت فاتن نظرها اليها، اقتربت تطبع قبلة فوق جبينها
_بكرة الصبح هاجي لك، وهفضل طول اليوم معاكي
رفعت كفها بصعوبة تلمس يد ابنتها، لتنحني خديجة مرة اخرى تقبلها، ثم تحركت وعيناها على والدتها الى أن اختفت خلف الباب، توقفت أمام الممرضة التي تراعي والدتها بمنزلها
_امي لو حصلها حاجة همو.تك، سمعتيني
جلست جيهان تتناول الفاكهة وهي تهز ساقيها
_اسمعي كلام المدام، اصلها بتدفع الغالي اوي كل ليلة علشان تخدمي امها، مش بقيتي مدام برضه
قالتها بضحكة صاخبة
لم ترد عليها، تحركت للخارج مع اصوات الزغاريد التي تخرج من منزل عبد الرحمــــــــن، للحظة شعرت بأن

انفاسها تسحب منها، الى أن استمعت احد الجيران
_ألف مبروك ياعمر، الف مبروك يابني، عقبال الشهادة الكبيرة يارب
خرجت حسناء ترد عليها
_الله يبارك فيكي ياحبيبتي، تسلميلي ياام محمد
_مبروك ياحسناء، عقبال لما تفرحي برجوع عوف يارب
وقعت أعين حسناء على وقوف خديجة أمام سيارة مروان… رفعت عيناها الى حسناء التي دلفت للداخل واغلقت النافذة
تحركت الى باب السيارة، وصعدت دون حديث…

جلست بجواره في السيارة
_هنسافر القاهرة الليلة، سبوع بنت اختي
_مقدرش اسيب ماما كدا واروح في حتة
قبض على ذراعها بعنف
_ماهو علشان تصرفي على امك هتسافري معايا، ومش عايز الحجاب والقرف دا، بعت اجب لك فساتين، البسيها،
_دا على جثتي سمعتني
_تمام… نروح ونشوف موضوع جثتك دا
انكمشت على نفسها بالسيارة ودمعت عيناها تنظر للخارج

بعد خمس سنوات…
خرجت خديجة من مدرستها بخطواتٍ تكاد تلامس الأرض من فرط سعادتها.
اليوم لم يكن يومًا عاديًا…
اليوم حصلت على الترقية التي تعبت من أجلها طويلًا، وسمعت أخيرًا كلماتٍ ظلت تتمنى سماعها منذ سنوات؛ كلمات جعلت قلبها يرفرف كأنها استعادت جزءًا من نفسها كانت قد أضاعته الأيام.
ابتسمت لنفسها وهي تسير، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كانت سعيدة…سعيدة جدًا.
وللمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الحياة تمنحها شيئًا دون أن تنتزع منها شيئًا في المقابل.
وصلت إلى الشارع الذي تقطن به، وما إن خطت خطوات قليلة حتى توقفت فجأة.

صوت طفلة صغيرة اخترق المكان، وهي تبكي بحرقة وتنادي:
_بابا… بابا
التفتت خديجة، فرأتها تقف وحدها بجوار الرصيف، تمسح دموعها بقبضتيها الصغيرتين، وتلتفت حولها في خوف.
اقتربت منها خديجة وانحنت أمامها، محاولة أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها.
_الجميل بيعيط ليه؟
رفعت الصغيرة عينيها إليها، فازدادت شهقاتها.
_عايزة بابا… بابا.
تبدلت ملامح خديجة قليلًا، وجلست على ركبتيها أمامها، ثم أمسكت كفيها الصغيرتين بين يديها، وراحت تقبلهما بحنان.
_طب بابا فين
اشارت بيدها الصغيرة الى كل الاتجاهات،بضياع…
مسحت خديجة دموعها ثم نظرت اليها باابتسامة حنونة
_ الجميلة اسمها إيه؟
_سيليا…

بقلم سيلا وليد
توقفت خديجة للحظة.
_سيليا…
_الله على جمال الأسم
ابتسمت لها رغمًا عنها، وسألتها:
_وبابا اسمه إيه يا سيليا؟
وقبل أن تجيب الصغيرة، جاءها صوت من خلفها…
صوتٌ تعرفه… صوتٌ لو مرَّ عليها وسط آلاف الأصوات، لعرفته.
_سيليا…
تجمدت خديجة.. لم تتحرك.
كأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة.
أما الطفلة، فما إن سمعت الصوت حتى رفعت رأسها، ثم أفلتت كف خديجة وركضت نحوه وهي تبكي:
_بابا… بودي!
تسارعت أنفاس خديجة.
لا…مستحيل.
استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تصدق عيناها ما يخبرها به قلبها.

كان هناك…عبد الرحمن.
واقفًا خلفها، بأنفاسٍ متقطعة، وشعره مبعثر قليلًا، وملامحه تحمل آثار خوفٍ واضح… يبحث عن طفلته بجنون.
خمس سنوات…
خمس سنوات كاملة لم ترَ فيها وجهه.
خمس سنوات حاولت خلالها أن تقنع قلبها بأنه صار ماضيًا، وأن اسمه لم يعد يعني لها شيئًا.
لكن قلبها…بمجرد أن رأته، فضح كل الأكاذيب التي أخبرتها بها طوال تلك السنوات.
ركضت سيليا إليه، فانحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها بعصبية ممزوجة بالخوف.
_كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟
رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء:

_الآنطي دي.
ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته.
_الآنطي دي؟
ثم استدار…
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها…توقف كل شيء.
لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه
هي.خديجة.
وقف ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها.
تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي…
بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع.
أما خديجة، فظلت واقفة مكانها.

لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها.
كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه.
ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه.ابنته.. ارتعشت شفتاها.
وعاد بصرها إليه.
التقت عيناهما من جديد…
وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء.
كل الوجع.. كل الاشتياق.
كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب.
وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات.
أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن
كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات…

وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى