منوعات

عبد الرحمــــــــن وخديجـــــــة السابع بقلم سيلا وليد

التفت إليها، ثم عاد ببصره نحو الشرفة. كانت خديجة لا تزال واقفة، لكن عينيها هذه المرة لم تكونا عليه وحده… كانتا معلقتين بماسة. فهمت أنها… زوجته. اقتربت ماسة منه وجلست أمامه، بينما ظل هو للحظات عاجزًا حتى عن التنفس. ثم قالت:
_ اقفلها براحة، أوعى شعري. مد يده ببطء، وأغلق السحاب، بينما ظلت عيناه معلقتين بنافذتها. هنا تراجعت خديجة. وأغلقت الستارة. فهي لم تستطع أن تحتمل ثانية أخرى. تراجعت إلى الخلف حتى سقطت على الأريكة، ووضعت كفيها فوق فمها تكتم شهقة كادت تفضح انكسارها.

ثم انفجرت دموعها. _ آآه يا قلبي… وضعت يدها فوق صدـ,,ـــرها، وكأن الألم أصبح شيئًا ماديًا يمزق قلبها. _ همــ,,ـــــوت… والله همــ,,ـــــوت. دفــ,,ـــــنت وجهها في الوسادة، وانهمرت دموعها بلا توقف. ما أبشع أن يعود إليك الشخص الذي أحببته بعد سنوات من الغياب… فتكتشف أنه لم يعد إليك. ما أبشع أن تلتقي عيناك بعيني من كان يومًا وطنك، فتجده واقفًا أمامك… وفي أحضانه أخرى.
❈-❈-❈ أما في الجهة الأخرى… خرجت ماسة، وبقي عبدالرحمن وحده.

ظل جالسًا في مكانه، لا يقوى على الحركة. قبل دقائق كان يضحك ويتحدث، رجلًا اعتاد أن يخفي أوجاعه خلف نشاطه وابتساماته… والآن؟ كأن أحدهم أطفأ داخله كل شيء. رفع يده إلى صدـ,,ـــره، وأغمض عينيه بقوة. آآه… لماذا عاد هذا الوجع الآن؟ لماذا كان مجرد النظر إليها كافيًا ليعيد إليه كل ما حاول نسيانه؟ لماذا لم يمت الحب كما أقنع نفسه طوال تلك السنوات؟ ارتجف نفسه، وأسند رأسه إلى ظهر المقعد، يحاول أن يلتقط أنفاسه.

لكن قلبه كان أصدق منه. كان يصرخ باسمها دون وعي:
ــ خديجة… ابتسم حين نطقت شفتاه اسمها. ذلك الاسم الذي دفــ,,ـــــنه حيًا في صدـ,,ـــره، عاد اليوم لينبض من جديد. فتح عينيه نحو شرفتها المغلقة. فلا تنسَ يا صديقي أن بعض الحب لا يمــ,,ـــــوت… إنما يختبئ طويلًا تحت رماد الفراق، وحين يرى صاحبه من جديد، يشتعل كأن الفراق كله لم يكن إلا وقودًا لعودته. _ وبعد هالك يا عبدالرحمن… دلفت والدته، تطالعه بصمت للحظات، ثم راحت عيناها إلى منزل خديجة.

_ يلا علشان نتغدى، وتاخد مراتك وتمشوا من هنا، هي مش عارفة تقعد في الدوشة. نهض دون حديث.
❈-❈-❈ مضى أسبوع، لا يتقابلان. انشغل عبدالرحمن بمنزله الجديد، بينما أقسمت خديجة لنفسها أن تعيش لنفسها فقط. خرجت من عملها، متجهة إلى منزل والدتها الذي اتخذته مأمنًا بعد طلاقها. _ خديجة… يا بنتي. توقفت مستديرة إليها. _ حنان. _ حرام عليكي، بقالي ساعة بنادي. _ ما سمعتش… رايحة فين ولا جاية منين؟

_ كنت رايحة لك المدرسة، بس قالوا لي إنك خرجتي. _ آه… حاسة إني تعبانة ومش مركزة. قالتها وهي تتحرك بجوارها، فأوقفتها حنان وهي تنظر إليها:
_ عايزة أقولك حاجة، بس معرفش هتفرحك ولا تزعلك. توقفت خديجة تنظر إليها. _ عبدالرحمن… صمتت حنان تنظر إلى الأرض بحزن، ثم قالت:
_ رجع من فترة، بس معرفتش غير امبارح. تابعت خديجة طريقها وهي تقول:
_ عرفت..! طالعتها حنان بذهول:
_ إزاي؟ مين قالك؟

توقفت خديجة عن الحركة، وتذكرت كيف علمت برجوعه، ثم استدارت إليها. _ عرفني بس بطريقته… أكيد عارفة الطريقة. اقتربت حنان تنظر إلى عينيها اللتين تجمعت بهما الدموع. _ يعني عرفتي إنه… تحركت خديجة وهي تتمتم:
_ مبقاش فارق معايا يا حنان، وجوده زي عدمه. أمسكتها حنان من ذراعها بقوة:
_ لا، ماهو لازم يعرف. أنتِ كنتي عايشة إزاي؟ أشارت إليها خديجة بتحذير:
_ هيكون آخر اللي بينا، بحذرك. عبدالرحمن ماضي واندفــ,,ـــــن، زيه زي الغاليين.

تحركت من أمامها سريعًا، متجهة إلى منزلها تختبئ فيه كعادتها من أعين الناس. توقفت فجأة حين وجدت ذلك الأحمق. ترجل مروان من سيارته واقترب منها سريعًا. _ خديجة… عايز أتكلم معاكي. نفضت يدها بغضب:
_ ابعد عني، عايز مني إيه؟ اقترب مرة أخرى، وسحبها من ذراعها بقوة:
_ لا، مش هبعد، وهترجعي معايا على البيت تاني. أنا رديتك. انتفض جسدها، تنظر إليه بخوف:
_ لا… لا مستحيل! أنتَ إزاي عملت كده؟

سحبها بقوة مع صرخاتها:
_ ابعد عني! وصلت حنان وظلت تضــ,,ـــــربه، مع صراخها:
_ بقولك ابعد! أنتَ مبتفهمش؟ تجمعت الجيران على أصواتهما، فصاح مروان محذرًا:
_ محدش له دعوة! واحد ومراته. _ ابعد عن البنت يا ابني، روح لحالك، كفاية اللي عملته. رد الآخر:
_ اخرس… يا راجل أنتَ!
❈-❈-❈ في الأعلى، بمنزل والدة عبدالرحمن، كان يجلس بجوار والدته التي تطعمه بحنان. _ كفاية يا ماما، بتزغطي بط. ضحكت وهي تربت على كتفه:
_ آه… وماله؟ هو فيه أغلى منك؟

_ أنا يا ماما؟ هو أنا مش من أم العيلة؟ فجأة استمعا إلى أصوات بالخارج. نهضت والدة عبدالرحمن، تنظر من النافذة، ثم عادت وهي تشير إلى الطعام:
_ مخلصتش أكلك، ينفع كده؟ هزعل. _ إيه صوت الدوشة دي؟ _ عيال بتتخانق يا حبيبي، متشغلش بالك. شوية ويمشوا. قالتها وهي تنظر إلى عمر الذي توقف عند النافذة. _ الراجل ده عايز أنزل أضــ,,ـــــربه بالجذمة، بس العيب مش عليها، على الخروف اللي اسمه خالد.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى