_ راجل مين ده؟ هو فيه حد جديد في الحتة ولا إيه؟ _ لا يا حبيبي، عمر أصله… لم تكمل حديثها، حين نهض عبدالرحمن واتجه إلى الشرفة بعدما ارتفعت الأصوات. توقف ينظر إلى التجمع أمام منزل خديجة، وإلى صوتها الصارخ. وفجأة أخرجت سكــ,,ـــــينًا تشير بها إلى المدعو زوجها:
_ لو قربت مني ه.ك! إحنا اطلقنا، ولو لقيتك رديتني هخلعك. امشي من هنا بدل ما أ.ك! نظر الآخر إلى ما بيدها:
_ لا، حلوة يا خديجة، وبتعرفي تخربشي.
قال أحد الواقفين:
_ ما خلاص يا ابن الحلال، ما تمشي. هو الجواز بالغصب؟ فجأة التفت إليه مروان:
_ أنتَ مال أهلك؟ واحد ومراته، إنتوا مالكم؟ يلا، كله يغور من هنا، ولا أقلب عليكم! ابتعد بعض الناس، فاتجه مروان ينظر إلى خديجة:
_ هتمشي معايا بالذوق ولا أجرّك كالعادة؟ كل هذا وعبدالرحمن واقف يشاهد بصمت. تراجعت خديجة بجسدها، تشير بيدها المرتجفة بالسكــ,,ـــــين:
_ همــ,,ـــــوتك لو قربت مني! أنا بكرهك، سمعتني؟ بكرهك! لو راجل… امشي!
وصل إليها مروان بخطوة واحدة، ولم يكترث لما تحمله، وصفعها بقوة. _ أنا راجل وغصب عنك يا بت، ودلوقتي هعرفك الرجولة على حق! صرخت حنان، وهو يسحبها بعنــ,,ـــــف تجاه سيارته، وفتح الباب ودفعها بقوة. في تلك اللحظة اشتعلت نيران الغضب في صدـ,,ـــر عبدالرحمن وهو يراه يفعل بها ذلك. نزل عبدالرحمن سريعًا، ولكمه بقوة، ثم دفعه إلى الأرض وسط زحام الناس. أخرج مروان سلاحه وأشار إليه:
_ أمــ,,ـــــوتك ومش هاخد فيك ساعة، وآخرك قضية مع مراتي الحلوة.
لم تفكر خديجة كثيرًا. ارتجف قلبها خوفًا عليه، فهي تعلم مروان وخسته. توقفت بينهما تدفع عبدالرحمن بغضب:
_ ابعد من هنا! واحد ومراته، أنتَ مالك؟ تجمدت يداه في الهواء، ينظر إليها بغضب حارق. لم تهتم لنظراته، والتفتت إلى مروان:
_ هجيب شنطة هدومي وجاية. ثم عادت بنظراتها إلى عبدالرحمن:
_ هي مــ,,ـــــوتة ولا أكتر… أهي غرفة إعدام زيها زي غيرها في أي سجــ,,ـــــن. قالتها ودلفت إلى داخل المنزل، تزيل دموعها بقسوة، وكأنها تنتقم من عينيها اللتين تذرفان الدموع.
سحبت حنان عبدالرحمن من ذراعه:
_ عبدالرحمن، وحياة أغلى حاجة عندك، ما تخلّيهاش تروح معاه. والنبي يا عبدالرحمن، والنبي! التفت إلى دموع حنان بضياع. وقعت عيناه على مروان، الذي كان يزيل دماء شفتيه ويطالعه بشماتة. كور قبــ,,ـــــضته بقوة حتى ابيضّت، وما زالت حنان تتشبث بذراعه وتترجاه:
_ عبدالرحمن، اعمل حاجة، بقولك! نظر إلى الآخر، ثم نظر إلى حنان مرة أخرى، ثم إلى باب منزل خديجة. _ يلا يا ديجة، وحشتيني يا روحي…
تمتم بها مروان وهو ينفث دخان سيجارته. اتجهت إليه حنان، تدفعه بغضب:
_ ربنا ياخدك يا أخي! ربنا ينتقم منك! عايز منها إيه؟ هي مش اتطلقت منك؟ راجع لها ليه؟ أطبق عبدالرحمن على ذراعه بقسوة، حتى تأوه من قبــ,,ـــــضته، وانحنى نحوه بعينين تشتعلان بغضب لم يكن سببه تلك اللحظة وحدها، بل خمس سنوات كاملة من القهر والانتظار والحرمان. ركل السلاح بقدمه بعيدًا، ثم أمسكه من ملابسه، ورفعه عن الأرض لحظة، ثم طرحه بعنــ,,ـــــف على الأرضية الصلبة، فارتطم بها وهو يصرخ من الألم.
لم يعد يرى أمامه سوى السنوات التي عاشها وهو يتذكر أن خديجة ضاعت منه إلى الأبد. انحنى فوقه، وانهالت قبــ,,ـــــضته على وجهه بعنــ,,ـــــف، لا كمن يتشاجر مع رجل… بل كمن يحاول الانتقام من كل ليلة نام فيها وقلبه ينزف. وصل عمر ومعه بعض الشباب، وأمسكوا به من كتفيه محاولين إبعاده، لكنه ظل يقاومهم بجنون. خرجت خديجة من الداخل كالمجنونة، وما إن رأته على تلك الحال حتى أسرعت نحوه، وأمسكت بملابسه بكلتا يديها، ودفعته بعيدًا عن مروان.
_ كفاية! توقف. رفع عينيه إليها، فالتقت عيناه بعينيها للحظة… لحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليختفي كل غضبه. كانت عيناها ممتلئتين بالخوف والدموع. وفي تلك اللحظة وصلت حسناء، تصرخ باسمه:
_ عبدالرحمــــــــن! أبعد خصلات شعره عن وجهه، وأشار إلى مروان بيد مرتجفة من الغضب:
_ ابعدي… لما أشوف الحيوان ده بيقول إيه. وقفت خديجة أمامه تمنعه:
_ مالكش دعوة… ابعد. التفتت إلى حسناء، وقالت بصوت متوتر:
_ خدي ابنك من هنا يا خالتي.
كور قبــ,,ـــــضته، وارتفعت يده في لحظة غضب، حتى خُيّل إليها أنه على وشك أن يفقد السيطرة تمامًا. واقتربت خديجة، تغرس عينيها في عينيه، وفتحت فمها لتتحدث… قبل أن تصل ماسة مسرعة:
_ عبدالرحمــــــــن! توقفت أمامه، ونظرت إليه بصدمة:
_ إيه ده؟! إزاي تنزل للمستوى ده؟! ومين دي علشان تعمل كل ده علشانها؟! سقط السؤال بينهما كصفعة. نظرت خديجة إلى عبدالرحمن، وكأن كلمات ماسة مزقت شيئًا أخيرًا كانت تحاول التمسك به.
تجمعت الدموع في عينيها، ثم قالت بصوت مكسور:
_ ياريت تاخدي جوزك من هنا… ابتلعت غصتها، وأكملت بمرارة:
_ شكر الله سعيكم. ثم استدارت وغادرت. ظل عبدالرحمن واقفًا مكانه، يتابع ابتعادها بعينين عاجزتين.
❈-❈-❈ مر أسبوع آخر. ذهبت خديجة إلى عملها كعادتها، تحاول أن تقنع نفسها أن الحياة عادت إلى مسارها الطبيعي. دلفت إلى المؤسسة بابتسامة هادئة، تحمل بعض الملفات بين يديها، لكن ابتسامتها اختفت فورًا حين رأته داخل غرفة المديرة.
عبدالرحمن. _ مس خديجة، المديرة عايزاكي. أومأت، ثم دلفت. _ صباح الخير. _ تعالي يا خديجة. اقتربت منها، لكن عينيها ظلتا معلقتين بعبدالرحمن. كان يجلس بهدوء، يخرج سيجارة ويشعلها، وكأنه لم يرها أصلًا. قالت المديرة:
_ الباشمهندس المسؤول عن المؤسسة، وقسم الطفولة بقى تحت رعايته. نظرت خديجة إليه، ثم عادت بعينيها إلى المديرة. _ يعني إيه؟ تابعت المديرة بحرج:
_ بيقول إنه عايز يطوره بأعلى مستوى، ويختار ناس عندها خبرة معينة.
نهض عبدالرحمن بهدوء، جمع أشياءه، ثم قال دون أن ينظر إليها:
_ لو سمحتِ يا مس، بكرة ألاقي القسم فاضي. عايزين نبدأ التجديد قبل الشغل. ثم خرج. ظلت خديجة واقفة مكانها، وكأنها لم تستوعب ما حدث. _ يعني… سحب مني شغلي؟ تنهدت المديرة:
_ أنا آسفة يا خديجة، هضطر أنقلك مكان تاني غير قسم الطفولة. _ بس ده شغلي يا مس! _ هو رافض أي موظفين من القدماء. رفعت خديجة عينيها إليها في صدمة:
_ طب إزاي؟ ينفع حد يشارك في مؤسسة كبيرة بالشكل ده؟
هزت المديرة رأسها:
_ لا… مش زي ما فهمتي. صاحب المؤسسة له فروع في كل محافظة، والباشمهندس معاه تفويض منه بالتصرف في المؤسسات التابعة له. خرجت خديجة مسرعة. بحثت عنه بعينيها حتى وجدته متجهًا نحو سيارته، يتحدث في هاتفه. أسرعت إليه حتى وقفت أمامه. أغلق هاتفه ونظر إليها. _ أنتَ عايز مني إيه؟ رفع حاجبه ببرود:
_ نعم؟ اقتربت منه، وعيناها تلمعان بالغضب:
_ عبدالرحمــــــــن… بلاش شغلي. انتقم مني في أي حاجة، لكن شغلي لأ.
_ عبدالرحمــــــــن… نطقت اسمه مرة أخرى، فارتجف قلبه قبل أن يتحرك وجهه. يا الله… لقد سمع اسمه بصوتها من جديد، بعد سنوات ظن خلالها أن ذلك الصوت صار ذكرى بعيدة لا سبيل إليها. كانت كلمة واحدة، لكنها وصلت إلى أعمق مكان في قلبه؛ المكان الذي ظل يحملها رغم الغياب، ورغم كل ما حاول أن يقنع به نفسه. للحظة، نسي غضبه، ونسي السنوات الخمس، ونسي حتى أنها تقف أمامه الآن تبكي من أجله.
لم يفعل شيئًا سوى أن تأمل وجهها طويلًا. للحظة، أراد أن يخبرها أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعرف كم تحب عملها، وكم يعني لها قسم الطفولة. استند بظهره إلى سيارته، وقال بهدوء:
_ تمام… أنتِ اللي طلبتي. تجمدت:
_ يعني إيه؟ نظر إليها مباشرة، ثم قال:
_ هسيبك في شغلك. تنفست براحة، قبل أن يضيف:
_ بس بشرط. انعقد حاجباها:
_ شرط؟ اقترب منها خطوة، وصوته أصبح أكثر هدوءًا:
_ أيوة… شرط واحد.
_ شرط إيه؟
ثبت عينيه في عينيها، وكأن السنوات الخمس كلها تقف بينهما الآن…