تخيل عينيها، خجلها، ارتباكها، والطريقة التي كانت تحاول بها إخفاء عشــ,,ـــــقها عنه، بينما كلماتها تفضحها أكثر مما تخفيه. خفض عينيه، وخرج اسمها من بين شفتيه كأنه دعاء: _خديجتي… ابتسم. وكأن مجرد نطق اسمها كان كافيًا ليهدأ شيءٌ داخله. على الجانب الآخر… كانت خديجة تحتضن هاتفها إلى صدـ,,ـــرها، وكأنها تحتضنه هو. ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها، و قلبها المسكــ,,ـــــين ينبض له، ويستمع إلى نداءٍ لا يسمعه سواها. فتحت هاتفها، راحت تقلب رسائله جميعها، تبتسم مرةً، وتغشاها الدموع مرةً أخرى. تقرأ كلماته، ثم تضم الهاتف إلى صدـ,,ـــرها من جديد. عجبًا لك أيها القلب العاشق…
كيف تستطيع أن تجعل من الحبيب وطنًا، ومن صوته أمانًا، ومن مجرد رسالةٍ منه عيدًا صغيرًا لا يراه أحد؟ عجبًا لك… تسعد من الحبيب، فتبكي من شدة السعادة، وتشتاق إليه، فتتألم من فرط الاشتياق، وتخاف فقده، حتى وهو أقرب الناس إلى قلبك. فالعاشق لا يحب بنصف قلب… بل يضع قلبه كله بين يدي من أحب، ثم يقضي ما تبقى من عمره مطمئنًا مرةً، ومرتجفًا ألف مرة، لأن سعادته أصبحت معلقةً بشخصٍ واحد. وهكذا هو العشــ,,ـــــق… أن يصبح شخصٌ واحد قادرًا على أن يختصر لك العالم كله؛ فتراه وطنًا حين تتيه، ودفئًا حين تبرد روحك، وطمأنينةً حين يخيفك الغد…
ثم تخاف عليه من كل شيء، حتى من الأيام. لأن أقسى ما في الحب ليس أن تحب… بل أن تجد أخيرًا من يستحق كل هذا الحب، ثم تدرك أن قلبك أصبح لا يعرف طريقًا للنجاة منه. مضى يومان، والحال كما هو، حتى جاء صباحٌ عكر صفو القلوب، حين عادت جيهان إلى بيت زوجها بعد أن قضت عدة أيام برفقة والدتها. جلس الجميع على طاولة الطعام : _حمد الله على السلامة يا جيهان. ابتسمت جيهان وهي تخلع عباءتها: _الله يسلمك يا حماتي. والله كنت عايزة أقعد أكتر، بس أمي قالت مينفعش تسيبي حماتك أكتر من كده. ابتسمت فاتن بحنان:
_لا يا حبيبتي، كنتي اقعدي. أنا متفهمة الوضع، وبعدين دي أمك، لو مقعدتيش معاها وهي تعبانة يا بنتي، هتقعدي معاها إمتى؟ ردت سريعا : _يعني إيه يا طنط؟ بتقولي على أمي إيه؟ التفت إليه خالد سريعًا: _هي كانت قالت إيه.. وبعدين ماقولتيش امك عاملة ايه _ الحمد لله، بتسلم عليكِ يا خالد. _الله يسلمها. التفت خالد الى والدته _هنرد على عبد الرحمن بإيه يا ماما؟ أربع أيام عدوا، ولازم نرد. كفاية بقى. توقفت جيهان عن المضغ، ورفعت رأسها باهتمام: _عبد الرحمن مين؟ نظر إليها خالد باستغراب: _عبد الرحمن الديب… جه وطلب خديجة. لمعت عيناها فجأة: _قصدك عبد الرحمن الحلو اللي قصادنا؟
رمقها خالد بنظرة ضيق: _مالك يا بت؟ ما تتظبطي… إيه الحلو دا؟ ارتبكت، وضحكت محاولة تدارك الأمر: _مش قصدي والله… يعني عبد الرحمن اللي قصادنا. لوّح خالد بيده لينهي الحديث، ثم اتجه بنظره إلى أخته: _خديجة موافقة عليه… أقوله إيه؟ رفعت خديجة عينيها إلى والدتها، وكأنها تنتظر منها القرار. فقالت فاتن بهدوء: _اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ابني. قوله ييجي، أنا عايزة أتكلم معاه ونحط النقط على الحروف. قطب خالد جبينه: _قصدك إيه يا ماما؟ نظرت إلى ابنتها، ثم عادت إليه: _مفيش يا ابني… يعني ترتيبات أي جواز. مش دي الأصول؟ أومأ متفهمًا: _أيوه، فهمت. ثم نهض وهو يحسم الأمر:
_خلاص ماشي. اعملي حسابك نعزمهم على الغدا يوم الجمعة، ونتكلم في كل حاجة. اتجه إلى غرفته، نظرت جيهان الى خديحة المبتسمة لوالدتها، ثم لحقت بخالد سريعًا. دفعت الباب خلفها، وما إن أغلقته حتى قالت بنبرة عتاب مدللة: _الله الله يا خالد… بقيت تاخد قرارات من غير ما ترجعلي ولا حتى تعرفني؟ التفت إليها، وقبل أن تكمل، جذبها إلى صدـ,,ـــره باشتياق: _قرارات إيه يا بت؟ دي إنتِ وحشتيني. ابتسمت متدللة، وأخذت تعبث بياقة قميصه: _يا سلام يا أخويا… وحشتك؟ وأنا ولا على بالك؟ وبقيت توافق على حاجات وأنا آخر واحدة أعرف. ابتسم وهو يضمها إليه: _أنا؟ إمتى دا حصل؟
رفعت عينيها إليه، ثم اقتربت منه هامسة، وكأنها تلقي في أذنه فكرةً تعرف جيدًا كيف تجعله يصغي إليها: _زي خطوبة أختك دي.. فين حبيبتك من دا كله ابتعد قليلًا ينظر إليها باستغراب. _مش فاهم تابعت بنبرة ساخرة: _بقى عايز خديجة، اللي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك، تجوزها واحد ميكانيكي؟ اتجننت يا خالد؟ قطب جبينه: _مالك يا بت؟ ماهو الواد كسيب، وشاطر، وغير كده محترم. ابتسمت، ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته وهمست: _بس فيه الأحسن منه… واللي يخلينا نطلع على وش الدنيا. تغيرت ملامحه: _قصدك مين؟ سحبت يديه وأجلسته، ثم جلست على ساقيه تحاوط عنقه بذراعيها، وقالت بدلال وهي تبتسم:
_ابن معلم الميكانيكي.. يعني سيدك وسيده انعقد حاجباه: _قصدك مين؟ مروان؟ ضحكت بخفة، وراحت تزين له الحديث بكلماتها، تارةً تمدحه، وتارةً تذكر له حاله، حتى بدأ تردده يتراجع شيئًا فشيئًا.. تدلل باغراء انثى تستخدم اسلحتها جيدًا بعد فترة، كانت تستند إلى صدـ,,ـــره، تسرد له ماحدث : _يوم ما كنت رايحة لماما، هو كان في الورشة، ورايح شغله وقف العربية وطلب يوصلني للموقف، خديجة كانت معايا وقتها علشان الشنطة كانت تقيلة وقالت هتوصلني للموقف، فهو لما وقف وطلب يوصلني، هي مشيت، سألني عليها. فقلت له إنها أختك. ومن ساعتها وهو كل يوم يتصل ويسأل. اعتدل خالد قليلًا، ونظر إليها بجدية: