فلا تسمحي للحزن أن يسرق منكِ نفسكِ، ولا للظروف أن تقنعكِ أنكِ وحدكِ. طالما قلبي ينبض… سيكون لكِ فيه مكان لا ينازعكِ عليه أحد. أهواكِ… حتى أصبح العشــ,,ـــــق ملاذي، وأصبح اسمكِ الدعاء الذي لا أقوله بلساني، لكن قلبي يردده كل ليلة.. واخيرًا وليس اخرًا عبد الرحمن.» ظلت تحدق في آخر سطر طويلًا… ثم أعادت قراءة الرسالة من بدايتها. ومع كل كلمة، كانت ابتسامتها تكبر، بينما ترقرقت الدموع في عينيها دون أن تشعر. وضعت البطاقة فوق قلبها، وأغمضت عينيها. لأول مرة منذ وقت طويل… لم تشعر أن قلبها مثقل بالحزن. بل شعرت أنه يرقص. يرقص لأن أحدهم رآها… فهم خوفها…
ولم يطلب منها أن تكون قوية. فقط أخبرها أنه سيكون إلى جوارها. فتحت عينيها، وضمت البطاقة إلى صدـ,,ـــرها وهمست بخجل: _عبد الرحمن… إنت عملت إيه في قلبي؟ امسكت ذاك المكتوب ودونت بظهره لو كان «الرحمن» اسمًا يُنسب إلى البشر، لقلت لكَ: رحماني… نعم كنت أريد أن أقول لك: رحماني… ثم خفت أن أتجاوز في كلمةٍ حقَّ ربي، فالرحمن لله وحده، أما أنت… فأنت فارس قلبي، ونبيلُ أيامي، وأجمل أقداري التي دعوت الله أن يكتبها لي. خديجتك ابتسمت وقبلته… ابتعدت بعدما استمعت إلى إشعار وصول رسالة، فامتدت يدها سريعًا إلى هاتفها.
وما إن أضاءت الشاشة باسم عبد الرحمن، حتى ارتسمت ابتسامة على شفتيها قبل أن تفتح الرسالة، وكأن اسمه وحده أصبح قادرًا على أن يضيء قلبها قبل أن يضيء أيامها. فتحتها، وراحت تقرأ: فكرت قبل ما نتقابل… أربط كلمة مع أخوكي. إن شاء الله هكون عندكم بالليل. صلي وادعي نكون من نصيب بعض. توقفت عيناها عند الجملة الأخيرة. من نصيب بعض. أعادت قراءتها مرة أخرى، ثم وضعت الهاتف فوق قلبها، وكأنها تحاول أن تهدئ ذلك النبض الذي انتفض من شدة السعادة. وفجأة، هوت بظهرها فوق الفراش، وفردت ذراعيها، وخرجت منها ضحكة خافتة لم تستطع منعها. لأول مرة…لم تكن تتخيل.لم تكن تتساءل.
عبد الرحمن سيأتي الليلة…ليطلبها. وضعت كفيها فوق وجهها، وهمست بخجل: _يا رب… لو هو خير ليا، اكتبهولي. ثم ابتسمت من جديد، وكأن قلبها كان قد سبق دعاءها بالإجابة. مضت الساعات أسرع مما توقعت. جاء المساء، وهو يحمل فرحة القلوب، كان عبد الرحمن قد ذهب برفقة والدته. جلس الجميع في هدوء، تتبادل الأمهات الأحاديث، بينما ظل عبد الرحمن أكثرهم صمتًا. يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن أصابع يده كانت تتحرك بتوتر فوق ركبته. هذه ليست جلسة عادية… هذه الليلة التي انتظرها طويلًا. الليلة التي سيقول فيها أمام أهلها ما أخفاه قلبه طويلًا. وبعد فترة من الجلوس، رفع عبد الرحمن عينيه إلى والدة خديجة.
_بعد إذنك يا خالتي أم خالد… التفت الجميع إليه، أخذ نفسًا عميقًا. ثم نظر إلى خالد مباشرة. _أنا جاي النهارده طالب القرب منك… في أختك الأستاذة خديجة. توقفت أنفاس خديجة خلف باب غرفتها. كانت تسمع كل كلمة، وقلبها يخفق حتى خُيل إليها أن الجميع يستطيع سماعه. أما عبد الرحمن، فتابع بصوت ثابت، رغم ارتعاش قلبه: _وأنا والله مش شايف نفسي طالب أكتر من كده… أنا طالبها بالحلال، وعايز أكون راجلها اللي يصونها ويحافظ عليها، وهكون أسعد راجل في الدنيا لو وافقتوا. تبادل خالد ووالدته النظرات. ثم نظر خالد إلى عبد الرحمن طويلًا، قبل أن يبتسم. _طبعًا يا عبد الرحمن…
وأنا هكون سعيد بيك، وعارف أخلاقك كويس. بس الأصول بتقول نسأل البنت ونشاورها الأول. اتسعت ابتسامة عبد الرحمن، وكأن أثقل حجر كان فوق صدـ,,ـــره قد سقط أخيرًا. _طبعًا… طبعًا يا خالد. خدوا وقتكم، وأنا مستني الرد في أقرب وقت. ثم نهضت والدته لتودعهم بعد أن انتهت الجلسة، بينما بقي عبد الرحمن للحظة ينظر ناحية الباب الذي تقف خلفه خديجة. لم يرها…لكن قلبه شعر بها. في الداخل، كانت خديجة تضع يدها فوق فمها، تمنع نفسها من البكاء. لم تكن دموع حزن. كانت دموع فتاة سمعت الرجل الذي أحبته يقول أمام أهلها، دون خوف أو تردد:
«أنا طالب القرب من أختك.» مضت الليلة بسلام… لكنها لم تكن تعلم أن بعض السلام ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة. أتى الصباح محمّلًا بضياء ربه على الخلق أجمع، وكأن الدنيا قررت أن تبتسم لها هي الأخرى. نهضت خديجة من فراشها بخفة ونشاط، وما إن بدأت يومها حتى أخذ الحماس يملأ خطواتها. جهزت طعام الإفطار وهي تدندن بأغنيتها المفضلة، تتحرك في المطبخ بسعادة لا تستطيع إخفاءها، حتى انتهت، وحملت الأطباق إلى المائدة، ترتبها بعناية وكأنها تعد وليمة لخبر سعيد. خرجت والدتها، فتوقفت للحظة تتأمل ابنتها بابتسامة عرفت منها كل شيء دون سؤال. _صباح الجمال يا ديجة. التفتت إليها خديجة، وابتسمت من قلبها:
_صباح الورد يا ست الكل… يلا، أنا عاملالك فطار هتاكلي صوابعك وراه. اقتربت والدتها منها وهمست بمكر: _أنا هاكل صوابعي وراه فعلًا… بس مش علشان الأكل حلو، لا، علشان الواد بيدو نور بيتنا امبارح، وكمان علشان المخفية مرات أخوكي ريحتنا منها أسبوع كامل. انفجرت خديجة ضاحكة، ثم اندفعت إلى أحضان والدتها. _أنا بحبك أوي يا ماما… ربنا يخليكي ليا يا رب. مسدت والدتها على شعرها بحنان، وقبلت رأسها. _ربنا يسعدك يا نور عيني… ويكتب لكِ اللي فيه الخير يا رب. ابتعدت خديجة عنها، ثم وقفت أمامها تفرك كفيها بتوتر. جلست والدتها على الكرسي، ورفعت عينيها إليها. _قولي يا حبيبتي… عايزة إيه؟