اقتربت خديجة وسحبت كرسيًا وجلست إلى جوارها. _هنزل أنا وحنان… نلف شوية في السوق، ويعني… توقفت، وأخفضت عينيها. _عبد الرحمن عايز يقابلني نظرت إليها والدتها طويلًا، ثم رفعت ذقنها وقالت بحزم الأم التي لا تريد لابنتها أن تخطئ خطوة واحدة: _هو ينفع يا بنتي؟ ييجي هنا يقول اللي هو عايزه، قدامنا… إنما تروحي تقابليه لوحدكم؟ لا يا خديجة. أسرعت خديجة: _ما هو حنان هتكون معايا. _ولو يا حبيبتي… مينفعش. وقبل أن ترد، جاء صوت خالد من خلفهما: _صباح الخير. التفتت والدته إليه. _صباح النور يا حبيبي. اتجه خالد إليها، ثم قال: _قولت لها يا ماما… عرفتيها إن عبد الرحمن طلب إيدها؟
ارتجفت يد خديجة، فسقط الكوب من بين أصابعها واستقر فوق الطاولة. ضحكت والدتها، وقالت: _أهي حالتها ردت عليك. نظر خالد إلى أخته، التي اشتعلت وجنتاها خجلًا، ثم ابتسم لها. _خلاص يا ماما… اتأكدي منها. إحنا جيران، ومينفعش نقول كلمة ونرجع فيها. _حاضر يا حبيبي. لم تحتمل خديجة المزيد. نهضت سريعًا واتجهت إلى المطبخ، ووجهها يشتعل بحمرة الخجل بعد فترة… كانت خديجة تسير بجوار حنان بين المحلات، تحكي لها ما حدث بالأمس، من لحظة وصول عبد الرحمن وحتى طلبه يدها. صفقت حنان بيديها، ثم قالت بغمزة: _يعني بيدو كان واقع لشوشته فيكي، وأنا اللي كنت منشنة عليه!
لكزتها خديجة في كتفها وهي تضحك. _اسكتي يا بت! واصلتا سيرهما حتى انتهتا من شراء ما تحتاجانه، ثم اتجهتا إلى الشاطئ. جلست خديجة على الرمال، وظلت تعبث بأطراف ثوبها. _جبتينا هنا ليه؟! _يمكن بيدو يجي مثلًا شعرت بالحزن واجابتها لا مش هيجي، أنا قولت لماما إني مش هقابله.. وبعت له رسالة على كدا نظرت إليها حنان وضحكت: _يا بنتي، الراجل قاصد خير. جالك البيت من بابه، وقال إنه عايزك في كلمتين… نهضت وهي تنفض يديها. _يلا، أنا هسيبك هنا وأقعد هناك، أصله جاي. ثم التفتت إليها بتحذير مرح: _وبلاش كل كلمة تجري تقوليها لمامتك…
يا خيبة ذهلت خديجة مما فعلته، وصل عبد الرحمن اليها، اقترب منهما، وألقى السلام. _السلام عليكم. ردت حنان، ثم قالت وهي تشير إلى مكان قريب: _هقعد جنبكم هنا… بس متتأخروش. _شكرًا يا حنان. أومأت، ثم ابتعدت سريعًا. ظلت خديجة تتابعها بعينين مذهولتين، ثم استدارت إلى عبد الرحمن. _إنت كنت متفق معاها؟ أنا مش قولت لك مش هينفع؟ ابتسم عبد الرحمن، لكنه لم يرد على عتابها، بل أشار إلى المكان أمامه. _اقعدي يا خديجة. جلست على مضض، بينما جلس أمامها، وظل للحظات ينظر إلى البحر. كان واضحًا أن هناك شيئًا أثقل من مجرد حديث عابر. قال بهدوء:
_فيه كلمتين عايز أقولهم لكِ قبل ما تقولي رأيك في جوازنا. رفعت عينيها إليه. _قول. أخرج عبد الرحمن علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم أخذ نفسًا قصيرًا. ظلت خديجة تراقبه دون أن تشعر. وفجأة خرج صوتها عفويًا، قبل أن تلحقه: _السجاير هتضر صحتك يا عبد الرحمن. توقف. ثبتت السيجارة بين أصابعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. وفي تلك اللحظة…لم يسمع سوى جملة بسيطة. لكن قلبه سمع اعترافًا كاملًا. هي خائفة عليه. ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه، وامتلأت عيناه بشيء من الفرح الذي لم يستطع إخفاءه. _خايفة عليَّ؟ اتسعت عيناها، وكأنها أدركت للتو ما قالته. _طبعًا. خرجت منها الكلمة سريعة، صادقة، بلا حساب.
ابتسم أكثر، ثم أطفأ سيجارته قبل أن يكملها، وأسند ظهره إلى المقعد. أما هي، فخفضت عينيها إلى الرمال، وقلبها يطرق صدـ,,ـــرها بعنــ,,ـــــف. قال عبد الرحمن بصوت هادئ: _خديجة… رفعت عينيها إليه. _عايزك تسمعيني للآخر… من غير ملل، ومن غير ما تحكمي على كلامي قبل ما أخلص. تأملها لحظة، ثم تابع: _لأن اللي هقوله لك دلوقتي… هو أهم كلام هقوله في حياتي. _قلقتني هز رأسه وقال _لا… طبعًا، طول ماانا موجود اوعي اسمع الكلمة دي “اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك” بقلم سيلا وليد ابتسمت وهي تنظر إليه، تنتظر أن يبوح بما جاء من أجله.
ظل عبد الرحمن صامتًا للحظات، يدقق النظر في عينيها اللتين طالما سلبتاه القدرة على الكلام، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلهما للمرة الأخيرة قبل أن يسمع منها ما سيحدد مصير قلبه. قطعت صمته وهي تبتسم بتوتر: _ساكت ليه؟ على فكرة ماما هتزعل مني أوي. ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال: _ليها حق مامتك تزعل وتخاف عليكي يا ديجة. هزت رأسها باعتراض خفيف: _مش أوي يا عبد الرحمن… المهم قولي بسرعة، إنت عايز تقول إيه؟ تنفس بعمق، وكأنه يرتب الكلمات في صدـ,,ـــره قبل أن يخرجها. _قبل ما أعرف رأيك في إننا نكمل مع بعض… إنتِ طبعًا عارفة إني مسؤول عن عمر ووالدتي.
قطبت جبينها، ولم تفهم ما الذي يحاول الوصول إليه. _مش فاهمة يا عبد الرحمن… مال عمر ووالدتك؟ خفض عينيه للحظة، ثم عاد ينظر إليها بنظرة صادقة لا تعرف المراوغة. _مش هقدر أبعد عنهم يا خديجة. سكت قليلًا، ثم تابع: _آه، أنا اشتريت شقة في مكان كويس، وكان نفسي نستقر فيها ونبدأ حياتنا بعيد عن أي حاجة… بس مش هقدر أبعد عن والدتي. البيت كبير، وعمر طول الوقت مش موجود، وكمان خلاص هيروح الجامعة، وماما هتبقى لوحدها. يعني ممكن تتعب، لا قدر الله، وأنا مش هقدر أسامح نفسي لو حصل لها حاجة وأنا مش جنبها، خصوصًا إن الشقة بعيدة.