
كل شيءٍ أمام عينيها كان كافيًا ليشعل في صدرها نيران الغيرة.
أسرعت خديجة بلمّ روبها حول جسدها، بينما رفعت عينيها إلى عبدالرحمن، وفيهما غضبٌ حارق.
_اسفة ياعروسة، اصلي كنت سامعة انه جواز صوري، بس اهو كلام في الاول، لحد ماتتمكني
ابتعدت خديجة عن أحضان عبدالرحمن
_اطلعوا برة… عايزة ألبس هدومي.
التفت إليها عبدالرحمن سريعًا، مذهولًا من نبرتها، لكنها لم تنظر إليه، وقالت ببرودٍ موجع:
_خُد مراتك واطلع من أوضتي… وزي ما قلت لك دلوقتي، أنا اتجوزتك علشان أمي وبس.
اقترب عبدالرحمن من ماسة، وأخرجها من الغرفة بحزم، ثم التفت إلى خديجة:
_خمس دقايق وراجع.
لكنها لم تجبه.
اقتربت منه، ودفعته خارج الغرفة، ثم أغلقت الباب بقوة.
ظل واقفًا أمام الباب المغلق، وكأن صوت إغلاقه ارتطم بصدره مباشرة.
أغمض عينيه للحظة، وخرجت منه زفرة مختنقة، ثم استدار ببطء…
كانت ماسة تقف أمامه مرتبكة.
_أنا فكرتها أوضة سيليا… معرفش، أصل…
لم يمهلها لتكمل.
تقدّم نحوها حتى اضطرت إلى التراجع، وأصبح جسدها محاصرًا بينه وبين الجدار.
انخفض صوته، لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ:
_مسألتيش نفسك أنا متحملك ليه؟
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها.
_عبدالرحمن… أنا حقيقي بحبك. غيرت عليك يا أخي.
اقترب منها، وقال بمرارة:
_وأنا بكرهك… حلو كده؟ مش طايق فيكي شعرة. ولولا سيليا، كنت زماني رميتك.
هزّت رأسها بعجز، والدموع تغرق وجهها.
_بس إنت مش هتعمل كده… مستحيل تعمل كده، صح؟
استرسلت باكية:
_أنا عارفة إنك زهقت مني، والله ما أقصد أضايقك… بس أنا فعلًا حبيتك. قلبي مش بإيدي.
ثم قبضت على يده وكأنها تتشبث بآخر شيءٍ يربطها به:
_عبدالرحمن… إنت وعدتني إنك مش هتتخلى عني. نسيت وعودك ليا؟
زفر باختناق، وأشاح بعينيه عنها لحظة، قبل أن يسأل:
_عايزة إيه يا ماسة؟
ارتمت في أحضانه وانفجرت في البكاء.
_أنا تعبانة أوي… مش عايزة أرجع ماسة القديمة. من فضلك… متتخلاش عني.
تصلّب جسده، ثم أبعدها عنه برفق، ونظر إلى عينيها الممتلئتين بالدموع.
_وأنا أعمل إيه؟
رفعت عينيها إليه، وقالت برجاءٍ موجع:
_أوعدك مش هقرب من خديجة… لو ده يرضيك.
ابتسم بمرارة.
_ما هو غصب عنك هتعملي كده، مش برضاكي. وأنا كنت صريح معاكي من الأول.
هزّت رأسها وهي تبكي:
_بس مكنتش بحبك…
ثم اقتربت منه أكثر، وصوتها ينكسر:
_إنت عايزني أعمل لك إيه تاني؟ عبدالرحمن، أنا محتاجاك… لو سمحت.
وضعت كفّيها على وجهه، تتوسل إليه بعينيها قبل كلماتها:
_حبني… لو نص حبك لخديجة.
اقتربت منه محاولةً تقبيله، لكنه ابتعد عنها فورًا.
_ماسة… خديجة دلوقتي مراتي.
شهقت من وجع الكلمة.
_وأنا… أنا مراتك زيها.
_ماسة…
قال اسمها وهو يمرر يده على وجهه، مستغفرًا في صمت، ثم تابع بصوتٍ حاسم:
_لدرجة دي مش عايز تقرب مني علشانها؟
رفع عينيه إليها، وكانت إجابته قاطعة:
_مستحيل… سمعتيني كويس، مستحيل.
ابتلعت غصتها وقالت:
_بس إنت كده مش عادل يا عبدالرحمــــــــن.
رد بهدوءٍ موجع:
_خلاص… أطلقك.
تجمدت في مكانها.. ولكنه تابع حديثه
_لو شايفاني ظالمك ومش عادل، أطلقك. وارجعي مكان ما كنتي… بس هترجعي لوحدك.
ثم أضاف وهو ينظر إليها بثبات:
_وأظن إنك فاهمة معنى كلامي.
انهارت دموعها، وأسرعت تضع كفّيها على شفتيه، تهز رأسها بعنف.
_لا… خلاص. أنا موافقة.
ابتعد عنها وقال:
_روحي خلي السواق يوصلك.
أومأت بصمت، ورمقته بنظرة أخيرة طويلة، نظرة امرأةٍ أدركت أنها خسرت من بدأ القلب يشغله، بينما
ظل عبدالرحمن يراقب خطواتها حتى اختفت عن عينيه.
أخرج هاتفه واتصل بالسائق:
_وصل مدام ماسة، واتأكد إنها دخلت البيت.
_تحت أمرك يا بيه.
ثم التفت إلى حارسه الشخصي:
_مدام ماسة هترجع على البيت. عيونك عليها… وخلي مراتك تاخد بالها منها هناك، وراجعوا كل الحبوب اللي بتاخدها، ومتسيبوهاش لوحدها.
_حاضر يا بيه.
أنهى حديثه، وظل واقفًا للحظات…
لكن قلبه لم يكن مع ماسة التي غادرت، ولا مع نفسه التي أنهكها كل هذا الصراع.
كان خلف الباب المغلق.
خديجته التي يعلم جيدًا أنها لم تقبل ماحدث
جلس على المقعد، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم مرّر كفّيه على وجهه بعنف، كأنه يحاول أن يطفئ ذلك الغضب المختلط بالعجز الذي اشتعل داخله.
رفع عينيه إلى باب الغرفة المغلق.
ظل يحدّق به لدقائق، لابد له ألا يترك فرصة لابتعادها،حتى لو غصبًا، يعلم أنها عنيدة، ولكن عشقه لها سيصمد أمام عنادها، نهض واتجه إليها بخطواتٍ ثقيلة يستعد لمعركته معها
طرق الباب بهدوء
_ديجا… افتحي الباب.
عند خديجة، في الداخل، ما إن أغلقت خديجة الباب خلفه حتى هوت بجسدها إلى الأرض، وأسندت ظهرها إلى الباب، ثم وضعت كفّيها فوق شفتيها تخنق شهقاتها.
بكت…وبكت حتى أوجعها البكاء.
لم تكن تبكي لأنها لا تحبه، بل لأنها تحبه أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يسمح لها قلبها أن تتجاهل الحقيقة التي تطاردها.
هي الآن زوجته…
لكنها، في نظرها، أخذته من امرأة أخرى.
حتى لو كانت ماسة هي من اختارت هذا الزواج، وحتى لو كانت عدوّتها، لم تستطع خديجة أن تمنع ذلك الصوت داخلها من تأنيبها:
أنتِ أصبحتِ زوجته… وأنتِ تعرفين أن له زوجة قبلك.
جفّت دموعها، لكنها لم تتحرك من مكانها.
حتى جاءها صوته من خلف الباب، حنونًا كما اعتادته، فارتجف قلبها من جديد.
_خديجة… افتحي الباب.