منوعات

طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد الحادي عشر

وضعت رأسها على الباب، وأغمضت عينيها، تبكي بصمت.
كيف يمكن لصوته أن يظل بهذا الحنان، بينما هي لم تعد تشعر أنها تستحقه؟
_ديجا…
ثم تغيّرت نبرته:
_افتحي الباب هكسره… خديجة!
انتفضت حين شعرت بقدمه تدفع الباب.
مسحت بقايا دموعها سريعًا، ونهضت، ثم فتحت الباب.
وقفت أمامه بعينين حمراوين، تخفي وجعها خلف ملامح جامدة.
_عايزة أنام… رجاءً سبني على راحتي.
دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بقدمه، ثم ظل ينظر إليها طويلًا، يقرأ في عينيها كل ما تحاول إخفاءه.
اتجه إلى الداخل، وبدأ يفك أزرار قميصه الأبيض، ثم استدار إليها.

_علشان منتعبش مع بعض… مفيش حد فينا هينام بعيد عن التاني.
توقّف لحظة، وثبّت عينيه عليها.
_حتى لو خناقات الدنيا كلها قامت بينا، إنتِ مراتي… ومكانك حضني. سمعتي ولا لأ؟
اتسعت عيناها بذهول، وكأن كلمته الأخيرة وخزت جرحًا مفتوحًا داخلها.
_حتى لو مش عايزة أنام جنبك؟
نزع قميصه وألقاه جانبًا بضيق، وقد أشعلت كلماتها الغضب في صدره.
_اتقي غضبي يا خديجة… علشان والله مهما قولتي، إنتِ مراتي.
ثم أشار إلى السرير بنبرة لا تحتمل النقاش:
_مكانك هنا على السرير. غير كده هتنامي وإنتِ واقفة… حتى الكنبة مش مسموح لك تنامي عليها.

رفعت حاجبها بعنادٍ ضعيف تخفي خلفه ارتباكها:
_أيوه بقى… ومين هيسمع الكلام ده؟
اقترب منها.. خطوة…ثم أخرى.
حتى أصبح أمامها مباشرة.
لم تنتبه إلى صدره العاري إلا عندما صار قريبًا منها بهذا الشكل، فتراجعت دون وعي حتى اصطدم ظهرها بالباب.
رفع عينيه إليها.
_سمعتي اللي قولته ولا لأ؟
ارتفعت أنفاسها، واختلطت رائحته بأنفاسها حتى شعرت أن رئتيها نسيتا كيف تتنفسان.
حبست أنفاسها، وخفضت عينيها سريعًا.
أما هو، فلم يبتعد.
ظل يراقب ارتباكها، ثم رفع ذقنها برفق، يجبر عينيها على مواجهته.
_مبترديش ليه؟
ابتلعت ريقها، وقالت بصوتٍ خافت:
_موافقة…

بس البس.
ثم أبعدت عينيها عنه، وأضافت بصعوبة:
_ومتفضلش كده.
ابتعد عنها قليلًا، لكنه ظل ينظر إليها.
فخرجت كلماتها التالية كأنها تنتزعها من قلبها انتزاعًا:
_واتعامل معايا على إني متجوزاك علشان أمي وبس… مش علشان اللي في دماغك.
توقف تمامًا.
رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع فيهما من جديد.
_اقنع نفسك إنك متجوز جواز حقيقي واحدة بس… مراتك ماسة.
ارتعشت شفتاها، لكنها أكملت، وكأنها تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها أحد:
_إنما أنا… فاعتبرني حالة خيرية.
سقطت الكلمات بينهما ثقيلة.
لم تنتظر رده.

تحركت إلى الداخل سريعًا، تخفي وجهها عنه قبل أن يرى دموعها وهي تنساب من جديد.
أما عبدالرحمن، فظل واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن استيعاب أن المرأة التي انتظرها اثني عشر عامًا، والتي كانت منذ دقائق بين ذراعيه، ترى نفسها الآن مجرد حالة خيرية في حياته.
بينما خديجة، وما إن ابتعدت عنه، حتى وضعت يدها فوق قلبها هامسةً لنفسها:
سامحني يا قلبي… أنا بحبه.
فما أقسى أن تعشق رجلًا، وكل ما فيك يصرخ بأنه لك، بينما الحقيقة القاسية تهمس: هو ليس لكِ وحدك.

أن يكون أقرب الناس إلى قلبك، وأبعدهم عن حقك في أن تطلبي منه أن يكون لكِ وحدك…
فتغارين، وتتألمين، ثم تلومين نفسك لأنكِ تغارين على رجلٍ تعرفين أن قلبك لم يعد يملكه وحده.
ما أقسى أن تشتاقي إلى حضنه، ثم تدفعينه بعيدًا…
أن ترتجف دقات قلبك حين يقترب، فتتظاهري بالقسوة حتى لا يفضحك عشقك.
تريدين أن تقولي له: أنت لي.
لكن شيئًا داخلك يصرخ: لا… ليس لكِ وحدك.
وهنا يبدأ العذاب الحقيقي…
أن تحبيه بكل ما فيك، ثم تعاقبيه على ذنبٍ لا تستطيعين أن تغفريه لنفسك؛

لأنه الرجل الذي تمنيتِ أن يكون لكِ وحدك، ثم وجدتِ نفسك مجبرة على اقتسامه.
فتبقى عيناك عاشقتين، ولسانك قاسيًا، وقلبك يختنق بكل كلمة عتاب:
لماذا أحببتك إلى هذا الحد، وأنا أعرف منذ البداية أنك لن تكون لي وحدي؟

فتحت الخزانة، تفاجأت بالثياب التي به
قطبت جبينها، متى وكيف اتى بها الى هنا
مررت أناملها بين الثياب تتفحصها وقلبها يؤلمها اكثر وأكثر، وقعت عيناها على قميصٍ شفاف باللون الأبيض يوضع فوق الاريكة وفوقه روبها
تحركت اليه، مررت أناملها فوقه، ونزلت دمعة حين تذكرت أول ليلة زفاف لها
قبل خمس سنوات بليلة زفافها من مروان
دلفت جيهان اليها ووضعت ذاك الرداء فوق
فراشها
_متنسيش ياعروسة تلبسي وتتشيكي لعريسك…

قاطعهم دلوف مروان
التفتت اليه جيهان تربت على صدره
_خلي بالك منها كويس يامروان، وبراحة عليها
دنت وهمست له بعض الكلمات، ثم ألقت نظرة على خديجة وخرجت
اقترب منها مروان وهي تفرك كفيها بتوتر
ابتلعت ريقها وهمست بتقطع
_مروان ممكن اطلب منك طلب
كان ينظر اليها فقط، فقالت بخفوت
_عايزاك تديني وقت لحد مااخد عليك، احنا اتجوزنا بسرعة وو
وضع اصبعه على شفتيها، ثم سحبها متجها الى الفراش، جلس عليه وهي مازالت واقفة

أخرج سجائره، وأشعل إحداها ببرودٍ لم تكن تعرف أنه يخفي خلفه عاصفة، ثم قال بنبرةٍ آمرة:
_اخلعي دلوقتي وقدامي هنا… خليني أستمتع يا ديجة.
تراجعت خطوة، تنظر إليه بفزعٍ ، بينما جف حلقها حتى خرج صوتها متقطعًا:
_هدخل أغيّر في الحمام.
استدارت سريعًا، وما إن خطت خطوة واحدة حتى جذبها إليه بعنف.
_أنا أمرت… ناسية إني شريكك، وليا حق فيكي؟
تسمرت في مكانها.
لم تسمع بقية كلماته بوضوح، فقد بدأت الأصوات من حولها تتلاشى، وكأن الغرفة أخذت تبتعد عنها شيئًا فشيئًا.

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى