وصل عبدالرحمن إلى منزله برفقة فاتن، بينما خديجة قد غلبها التعب من البكاء، فغفت فوق الأريكة، تحتضن نفسها بذراعيها وكأنها تحاول أن تحمي قلبها من كل ما حدث.
وفي الحديقة، كانت ماسة تجلس وتتحدث مع صديقتها ميرنا عبر الهاتف
_لا، رجعينا مصر… علشان الزفتة مراته.
على الجانب الآخر، سحبت ميرنا كوبها من فوق الرخامة، ثم اتجهت إلى المقعد وجلست، تتابع حديثها مع ماسة
_بقولك إيه… أنا عندي حل يخلصك من اللي اسمها خديجة.
تنهدت ماسة بضيق، وقالت بمرارة:
_متحاوليش يا ميرنا… ده بيعشـ,ـقها بطريقة مجنونة.
ده هددني لو قربت منها، وقال لي هيروح يحكي لغسان كل حاجة.
ضحكت ميرنا بسخرية.
_متصدقيش… والله متصدقيش. هو لو عايز يقوله كان قال من يومها. بس اللي هيجنني لحد دلوقتي… إزاي معرفتيش إنك حامل وقتها؟
انقبض وجه ماسة، وكأن الكلمة أعادت إليها ذكرى تحاول دفنها منذ سنوات.
_اسكتي والنبي… متفكرينيش.
_فاكرة قولت لك ايه على عبدالرحمن اول ماشفته
_تقول ايه واحدة غبية، كان زمنا دلوقتي غير
ضحكت ميرنا وقالت
_كفاية عليكي ليلة حلوة
_اخرصي انت كمان، ضحكا الاثنتان
أنهت المكالمة سريعًا، وأغلقت هاتفها بعد أن قالت بصوت خافت:
_أنا هقفل عربية عبدالرحمن دخلت الفيلا وأدخل الفيلا.
_اجري.. اجري، متنسيش بس الاغراء يابرنسيسة وانت تجبيه على وشه، واكيد الليلة هتحن
اغلقت تسبها تنظر الى نزوله من السيارو
ف قد ترجل من سيارته، واتجه مباشرة إلى فاتن.
رآها غارقة في نومٍ متقطع، وملامح الإرهاق والانكسار واضحة على وجهها، فشعر بوخزة مؤلمة في صدره.
انحنى وحملها برفق،، ثم وضعها على المقعد.
فتحت عينيها بصعوبة، وما إن رأته حتى ارتجف صوتها:
_عبدالرحمن… خالد كويس
وضعها بمقعدها
_كويس ياخالتي
هو عمل في خديجة حاجة.
تجمد للحظة، ثم اشتعل الغضب في عينيه.
_كان خليه يعمل… وأنا كنت دفنته بإيدي.
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها، بينما خفت غضبه فجأة حين رأى انهيارها أمامه.
جلس على ركبتيه أمامها، وأمسك كفيها بين يديه.
_يا خالتي… مينفعش اللي ابنك بيعمله ده. هو الواد ده حصله إيه؟ إزاي قدر يوصل بيه الحال لكده؟
لم تجبه.
ظلت تبكي، وكأن الكلمات عجزت عن وصف الألم الذي يسكن قلبها.
شد عبدالرحمن على كفيها بحنان، وقال بصوت أكثر هدوءًا:
_أنا عايزك ترجعي زي الأول… لازم تخفي فيه دكتور سمعت عنه كويس جدًا في القاهرة. ارتاحي النهارده، وبكرة نروح له سوا. خالتي… لازم تخفي، علشان خديجة حتى.
رفعت عينيها إليه، وسألته بصوت متقطع:
_بتحبها أوي كده؟
خرجت منه زفرة طويلة موجعة، كأن السؤال أصاب أكثر نقطة حساسة في قلبه.
خفض عينيه إلى يديها، ثم قال بصوت خافت:
_نفسي… تثق إنها أغلى من روحي.
نظرت إليه فاتن طويلًا، ثم ربتت على كفيه بحنان أم
_هي كمان… بتحبك.
ارتسمت ابتسامة على وجهه، ابتسامة لم تستطع أن تخفي كم كان محتاجًا لسماع تلك الجملة.
نهض بهدوء، ودفع المقعد إلى الداخل، بينما اقتربت ماسة منهما، وقالت بابتسامة مصطنعة:
_حمد لله على سلامتك يا طنط
بالداخل وقعت عيناه عليها تغفو فوق الاريكة، تحركت ماسة بجواره تعقد ذراعيها
_كانت عايزة تمشي، وانا امرت البواب يمنعها
التفت اليها عبدالرحمن سريعا
_انت مين علشان تعملي كدا، ازاي تقرري
اعتدلت وتوقفت امامه
_تصدق بالله انا غلطانة اصلا، ماتمـ,ـوت انت ولا هي… انا راجعة بيتي
قالتها وتحركت للخارج، بينما دفع مقعد
فاتن الى نوم خديجة
_خديجة.. خديجة، رددتها فاتن، فتحت عيناها، ثم هبت من نومها
_ماما… قالتها ونهضت سريعا تضمها وتبكي بصوت مرتفع
_عمل فيكي حبيبتي، كنت خايفة عليكي اوي
نادى عبدالرحمن على الممرضة، ثم أشار إليها نحو فاتن:
— خليكي مع طنط لحد ما تنام.
ثم التفت إلى فاتن، بصوتٍ هادئ:
— محتاجة مني حاجة؟
ابتسمت له بإرهاق، وهزّت رأسها:
— لا يا حبيبي… خد مراتك معاك، أنا هنام.
لم يجبها. اكتفى بأن رفع عينيه إلى خديجة.
التقت عيناهما للحظة واحدة، كانت كافية لأن تشعر خديجة بكل ما عجزت عن قوله طوال اليوم… فخفضت بصرها إلى الأرض.
استدار عبدالرحمن وصعد إلى غرفته دون كلمة، بينما جلست خديجة إلى جوار والدتها، ومدّت يدها تمسح على شعرها بحنان.
— إنتِ كويسة يا ماما؟
خالد عمل فيكي حاجة؟
هزّت فاتن رأسها بالنفي، فاقتربت خديجة منها، وطَبعت قبلة طويلة على جبينها.
— ربنا يخليكي ليا يا رب…
ربّتت فاتن على كتفها، ثم تمتمت بتقطّع:
— قومي… روحي لجوزك.
لكنها دفعت المقعد إلى جوار الفراش، وجلست بجوارها
— أطمن عليكي الأول.
دثرتها بالغطاء، ثم بقيت إلى جوارها، تراقب ملامحها بصمت، تخشى أن تغمض عينيها فتفقدها من جديد.
ربّتت فاتن على كفيها وقالت بوهن:
— قومي حبيبتي… روحي لجوزك. وبلاش اللي بتعمليه في نفسك… عبدالرحمن بيحبك ياخديجة
لم تجبها خديجة..
بل خلعت حذاءها، وتمددت إلى جوارها، ثم تسللت إلى أحضانها
دفنت وجهها في صدر أمها، وهمست بصوتٍ مرتجف:
— كنت همـ,ـوت عليكي يا ماما… خفت جيهان تعمل فيكي حاجة.
مررت فاتن يدها على ظهرها بحنان.
— أنا كويسة…
ثم غلبها أثر المهدئات، واستسلمت للنوم.
رفعت خديجة رأسها، تطالع وجه أمها النائم، وهمست والدموع تلمع في عينيها:
— عايزة أنام في حضنك الليلة…
لكنها لم تكن تعرف إنها ذهبت بنومها، ظلت تراقبها
ماذا كانت ستفعل لو لم ينجح عبدالرحمن في إعادتها؟
ارتجف قلبها لمجرد التفكير.
وعندها تذكّرته.