
ورغم أنه أراد أن يؤلمها بقدر ما شعر هو بالألم، فإن نبض قلبه داخل صدـ,,ـــره سيفضحه لو ظلت أمامه بتلك الحالة. فقال:_مش ذُل… هتاخدي مرتب، زي ما كنتِ شغالة. اقتربت خطوة أخرى، وصوتها يرتجف من شدة القهر:_أنتَ بتقول إيه؟ عاد خطوة إلى الخلف، يقسم داخله أنها، لو بقيت أمامه لحظة واحدة أخرى، سيسحبها إلى أحضانه. لا يعلم ماذا حدث له. هل هذا سحر نثرته عليه وغيّب عقله، ليصبح بذلك الضعف؟سحب عينيه من عينيها، اللتين كان يومًا يعشــ,,ـــــق النظر إليهما، وقال:_خديجة، بلاش ترسمي أوهام في عقلك.
أنا بتكلم بطريقة عملية هتفيدك. هتبقى أحسن ما تتمرمطي في الشغل هنا. الماضي رميته، وأنتِ ارميه. اللي بينا جيرة فقط. هزت رأسها والدموع تملأ عينيها:_عايز تفهمني إنك كملت حياتك… وإنك بقيت حاجة وأنا ولا حاجة؟اشتدت قبــ,,ـــــضته إلى جواره. أراد أن يقول لها: أنا ما كملتش. أراد أن يقول: أنتِ اللي سيبتيني. وأراد، رغم كل شيء، أن يسألها سؤالًا واحدًا ظل يطارده منذ رحلت عنه:ــ ليه اخترتي غيري؟لكن كبرياءه خنقه. فقط نظر إليها، بينما دمعة انحدرت من عينيها رغمًا عنها، وكانت تلك الدمعة أشد عليه من أي كلمة قاسية.
مسحتها بعنــ,,ـــــف، ترفض أن تمنحه حتى حق رؤية ضعفها، ثم قالت بثبات حاولت أن تصنعه من بين حطام قلبها:_طلبك مرفوض يا بشمهندس. سكتت لحظة، ثم أردفت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:_أنا مش شغالة عندك. استدارت سريعًا، وتحركت من أمامه بخطوات مترنحة، تحاول أن تهرب قبل أن تخونها دموعها أكثر. أما هو… فبقي واقفًا مكانه. يتابع ابتعادها بعينيه، عاجزًا عن اللحاق بها. كان يريد أن يؤلمها… لكنه اكتشف في تلك اللحظة أن أقسى عقاب تلقاه لم يكن أن تتركه يومًا لرجل آخر. بل أن يقف الآن أمام المرأة التي أحبها بكل ما فيه، ويرى الألم في عينيها بسببه.
.. ثم يدرك أنه، رغم كل سنوات الغضب والانتقام، لم يتوقف قلبه عن حبها يومًا. رفع هاتفه واتصل به:_عايز أقابلك… عَدّي عليَّ في المكتب. جاءه الرد من الطرف الآخر:_خلاص… هخلّص شغلي وأعدّي عليك. أنهى المكالمة، ثم ظل واقفًا للحظات يراقب الباب الذي اختفت خلفه، وكأن شيئًا داخله كان يرفض أن يتركها ترحل بهذه السهولة. زفر بضيق، ثم اتجه إلى سيارته. وقبل أن يدير محركها، أجرى اتصالًا بوالدته:_ماما… خلي عمر يوصلك البيت عند ماسة، علشان تاخدي بالك من سيليا._مش ماسة قالت لك تجيب لها مش عارفة اسمها إيه اللي تاخد بالها منها؟
_بدور يا ماما. المهم، علشان حالة ماسة، ممكن البنت تنزل أو تلعب في حاجة، وأنا بشوف واحدة تفضل معاها طول الوقت._متخافش حبيبي، مفيش أم بتأذي بنتها._لو سمحتي يا ماما، ريحيني. ماسة ساعات بتكون مش في حالتها الطبيعية. _حاضر يا حبيبي… بس متتأخرش._مش هتأخر. أنهى المكالمة، ثم انطلق إلى معرض السيارات. بعد قليل، توقفت سيارته أمام المعرض، ودلف إلى الداخل بخطوات سريعة. وما إن لمح أحد المسؤولين عنه حتى اتجه إليه الرجل قائلًا:_بشمهندس، فيه حد مستني حضرتك من ساعة تقريبًا فوق، وأنا حاولت أتصل بحضرتك.
أومأ عبدالرحمن دون تعليق، وصعد إلى الطابق العلوي. توقف أمام باب المكتب لحظة، ثم فتحه، فوجد فاروق جالسًا ينتظره. ابتسم ابتسامة مقتضبة:_عمو فاروق… إزيك؟_أهلًا يا عبدالرحمن. أشار له بالجلوس، ونزع سترته ووضعها على ظهر المقعد. ابتسم فاروق وهو يقول:_مبروك يا ابني… عرفت إنك اشتريت المعرض والورشة._الله يبارك فيك. تبدلت ملامح فاروق، وألقى عليه نظرة طويلة قبل أن يقول:_بس بقى كده يا عبدالرحمن؟قطب عبدالرحمن جبينه:_يعني إيه؟_تشتري المكان من غير ما تعرف إنه بتاعي، وبعدين لما تعرف… ولا حتى تيجي تسألني؟
تنهد عبدالرحمن:_والله يا عمو، لو حلفت لك إني ماكنتش أعرف إن المعرض بتاعك، يمكن ما تصدقنيش. أنا كنت طالب من المحامي يدور لي على معرض وورشة في مكان كويس في إسكندرية، وأنا مسافر، وهو اللي لقى الصفقة دي. حتى أنا اتصدمت لما عرفت إنك بعت المعرض والورشة. هز فاروق رأسه:_أنا مصدقك… بس أنا مش جاي أتكلم معاك عن المعرض أصلًا. سكت عبدالرحمن لحظة، ثم رفع عينيه إليه:_أُمال؟مال فاروق إلى الأمام، وقال بعتاب واضح:_أنا جاي أسألك.
.. أنتَ عملت إيه في مروان؟ وليه يا ابني؟ ده كان بينا عيش وملح. تصلبت ملامح عبدالرحمن، وعاد بجسده إلى الخلف، وفي عينيه غضب مكتوم. في تلك اللحظة دخل عامل يحمل القهوة، وضعها أمامهما وانصرف. فقال عبدالرحمن بهدوء ثقيل:_ابنك غلط يا عمو فاروق. _غلط… وأنا ما أنكرش إنه غلط. بس اللي حصل مش قليل يا عبدالرحمن. اشتدت عينا عبدالرحمن:_كان المفروض أعمل إيه؟ أسكت؟_ترجع ليَّ، مش تكسر له عضم. ضحك عبدالرحمن بسخرية قصيرة خالية من أي مرح:_أرجع لك إيه؟ ده أهان واحدة. صمت لحظة، ثم مال إلى الأمام:_دي خديجة يا عمو فاروق.
تغيرت نظرات فاروق. تابع عبدالرحمن، وصوته يحمل وجعًا أقدم من غضبه:_خديجة اللي كنت خاطبها… واللي كانت حبيبتي قبل ما تبقى مرات ابنك. لم يرد فاروق. فقال عبدالرحمن:_وأنتَ أكتر واحد عارف أنا كنت بحبها قد إيه. تنهد فاروق:_وأنا حاولت أصلّح بينكم يا ابني… بس النصيب ماكانش ليكم. ابتسم عبدالرحمن بمرارة:_أهو أنا عرفت معنى النصيب يا عمو فاروق. ثم رفع عينيه إليه مباشرة:_بس اللي مش هعرف أفهمه… إن مروان، بعد كل اللي عمله فيها، يرجع يطالب بيها تاني. تردد فاروق قبل أن يقول:_يمكن عايز يصلّح اللي حصل._بعد ما طلّقها؟_أيوه.
