منوعات

الثامن والتاسع طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

نذهب بعيدًا بعيدًا جدا لاول مرة مدينة لندن استمع الى طرقات على باب مكتبه _غسان بيه فاضي اشار له بالدخول، دلف الرجل المسؤل عن أعماله _اسف ياباشا، اتأخرت عليك _سامعك _نزلت مصر واتأكدت بنفسي _امممم… قول سامعك _عبدالرحمن الديب اتجوز امبارح طالعه يفهم مايقوله _مش فاهم_اتجوز واحدة تانية غير ماسة هانم ارتفعت ضحكاته، حتى نهض من مكانه_اوووه… اتجوز تاني دي الاخبار الحلوة، ولكنه توقف حين نزل الرجل بنظراته للاسفل_مالك، ماتتكلم لم يقو الرجل على رفع عينيه فقال _ماسة هانم عارفة.

.. _انت بتقول ايه؟! هز الرجل رأسه وتابع حديثه_بنتهم مع مراته الجديدة ياباشا ارتفعت انفاسه، فاشار اليه بالخروج _اطلع برة _لسة فيه معلومة مهمة _ماسة هانم كانت هنا من يومين، وعرفت انها راحت لمراد_غياث الحداد لسة مفيش اخبار جديدة _لسة ياباشا، بس الدكاترة بيقولوا مجرد وقت ابعد عيناه عنه وتسائل بنبرة مؤلمة:

_اتأكدت من موضوع انه كتب كل حاجة لعبدالرحمن _للاسف ياباشا، كله حتى املاكه اللي في مصر، بس فيه ورقة لسة في ايدنا، مراد على مااظن مايعرفش اللي بيحصل _خلي الراجل اللي بيراقب مراد ياخد باله منه، مش عايز حد يأذيه_تحت أمرك ياباشاعاد بجسده على المقعد_ابعت تهنئة لعبدالرحمن لازم نهنيه _بس اشار له بالخروج دون أضافة بقلم سيلا وليد مساء بالأسكندريةارتدت ملابسها، وخرجت للبحر، جلست فوق صخرة تنظر لامواجه، كأنها تحكي للبحر كل ما عجزت عن قوله لأحد، وتنتظر منه أن يعيد إليها أمها… وطمأنينتها… وقلبها الذي لم يعد يحتمل المزيد.

بينما بالداخل دلف بعض الرجال ذو البنية الضخمة وحملوا فاتن الغافية بنومها، واخذوا الممرضة المسؤلة عنها، مضت ساعات وخديجـــــــــة لم تشعر بالوقت نظرت لهاتفها، تمنت لو انه هاتفها، حتى لو بكلمة واحدة، ولكن لم يحدث، هذا الهاتف اللعين مازال مظلمًا نهضت من مكانها واتجهت لمنزلها، صعدت الى غرفتها حين وجدت غرفة امها مظلمة، ظنت انها غافية وخاصة عدم وجود الممرضة بالخارج فتحت باب غرفتهما ببطء، فما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلتها رائحته التي تعرفها أكثر مما تعرف أي شيءٍ آخر.

.. رائحته التي مازالت تسكن قلبهااقتربت من المقعد، حين وجدت ملابسه، ومدّت يدها تسحب قميصه إليها، ثم رفعته إلى وجهها وأغمضت عينيها، تستنشق رائحته بولهٍ يشبه العناق._ عبدالرحمن…خرجت الكلمة من أعماق قلبها قبل أن تبلغ شفتيها، كأن اسمه ترنيمة تطرب قلبها قبل أذنيها، وضمت القميص إلى صدرها كأنها تضمه هو، كأن ذراعيها وجدتا أخيرًا شيئًا يخفف عنهما قسوة غيابه. ثم تمددت فوق الفراش، واحتضنت القميص بقوة، وأغمضت عينيها… متخيلةً أن ذراعيه تحيطان بها، وأن صوته قريب، وأن قلبه ما زال هنا، إلى جوار قلبها. ومضى الليل ببطء، حتى أطل الصباح…استيقظت على أصابع صغيرة تعبث بوجهها.

_ديجا… اصحي. فتحت عينيها بتثاقل، لتجد سيليا جالسة أمامها، تحدق بها بابتسامة طفولية. تأملتها خديجة للحظات، وكأنها تبحث في ملامح الصغيرة عن شيءٍ منه… عيناه، ابتسامته، لقد اشتاقت اليه حد الجنون،حتى بدأت تبحث عن ملامحه بكل مايربطه ثم لم تستطع منع نفسها، فرفعت الصغيرة، إلى صدرها واحتضنتها بقوة. _تعالي في حضني شوية. ضحكت سيليا، ثم طبعت قبلة صغيرة على خدها وقالت ببراءة:_أنا بحبك… بابي قالي حبي ديجا كتير، علشان هو بيحبني كتير. توقفت أنفاس خديجة للحظة. أبعدتها قليلًا، تحدق في وجهها، تخشى أن تكون قد سمعت خطأ.

_بابي قالك كده؟أومأت الصغيرة بحماس._آه… وقال لمامي: أنا بحب خديجة كتيير. لمعت عينا خديجة بالدموع، وارتجف قلبها من كلمة لم تكن تعرف أنها ستؤلمها بهذا القدر._بابي… قال لمامي كده؟هزت سيليا رأسها، غير مدركة أن كلماتها الصغيرة أشعلت في قلب خديجة شوقًا بحجم العمر كله. وقبل أن تستطيع أن تسألها المزيد، دوّى طرقٌ متعجل على الباب._مدام خديجة! الحقيني بسرعة!انتفضت من مكانها، ووضعت سيليا جانبًا، ثم اندفعت إلى الخارج. وجدت الخادمة أمامها، وملامحها مذعورة._في إيه؟قالت وهي تلتقط أنفاسها:_مامتك مش موجودة… ووداد الممرضة، حد ضربها على دماغها!

تجمد الدم في عروقها._أمي؟!لم تنتظر إجابة. ركضت إلى الأسفل كالمجنونة، وقلبها يرتطم بأضلاعها بعنف، حتى وقعت عيناها على وداد ملقاة على الأريكة، بين الوعي والغيبوبة. انحنت إليها، وأمسكت كتفيها بيدين ترتجفان._أمي فين؟! أمي فين يا وداد؟!فتحت وداد عينيها بصعوبة، وتمتمت بصوتٍ واهن:_معرفش. .. ناس ضربوني… وقالولي أقولك إن أمك عند أخوكي…شعرت خديجة بالأرض تنسحب من تحت قدميها. اتسعت عيناها، وشحب وجهها حتى بدا وكأن الحياة قد غادرت ملامحها دفعةً واحدة._عند… أخويا؟خرجت الكلمة هامسة، مرتجفة، ثم انقلب الهمس إلى شهقة اختنقت بها.

لم تحتج سوى دقيقة واحدة لتستوعب ما حدث…ثم انطلقت.. وصعدت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر من شدة ارتباكها، بدلت ثيابها دون أن تشعر بما ترتديه
وصلت بعد قليل إلى منزل اخيها،كانت جيهان تجلس في الحديقة بأعصابٍ باردة، ترتشف قهوتها باستمتاع على أنغام أغنيتها المفضلة، وكأنها لم تكن قد ارتكبت جـ,ـريمة، بل خرجت من أصعب مسابقة في حياتها منتصرة.

هتفت خديجةبصوتًا جعلته متماسكًا لحد ما:_أمي فين يا جيهان؟رفعت جيهان رأسها ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة مستفزة وهي تضع فنجانها جانبًا._قصدك حماتي؟ أممم… ليه؟اقتربت منها خديجة، وانحنت حتى أصبحت عيناها في مواجهة عينيها، وقالت بصوتٍ اختنق بالقهر:_وحياة عذاب السنين اللي فاتت… لأبكيكِ على نفسك يا مرات أخويا. مالت جيهان إلى الخلف، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى في برودٍ متعمد._خفتِ أنا صح؟رفعت خديجة عينيها إليها، وكان الخوف على أمها قد تحول داخلها إلى نار._وأنا بقولك… وحياتك عندي يا أخت جوزي، لأقهرك. نهضت جيهان من مقعدها، وتوقفت أمامها، ثم قالت بسخرية:_شوفتي جوازك الأول؟

ده ولا حاجة… اصبري بس عليَّ. في لحظة واحدة، اندفعت يد خديجة إلى شعرها وجذبته بعنف._أمي فين يا حيواااانة؟!جاء صوت خالد من خلفهما كالرعد:_خديجة!دَفعت جيهان بعيدًا عنها واستدارت إليه، وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانتها دموعها، رغم كل ما حاولت إخفاءه. _أمي فين يا خالد؟اقترب منها بخطوات غاضبة، وقبل أن تستوعب ما يحدث، ارتفعت يده وصفعت وجهها. شهقت خديجة، ووضعت كفيها على وجنتيها، ثم رفعت عينيها إليه والدموع تملأهما.فقالت بصوت مكسورًا، ساخرًا من رجلٍ لم يعد يعني لها شيئًا:_مش مستغربة…

ماهو الراجل اللي يبقى دلدول لمراته يعمل أكتر من كده. اشتعلت عيناه._أنتِ فعلًا بنت قليلة الأدب!اقتربت منه خطوة، وغرست عيناها بعينيه_أنت مت بالنسبالي من يوم ما مضيت على قسيمة جوازي من واحد نشاز، وباتفاق مع مراتك. ثم اقتربت خطوة أخرى، وصوتها يرتجف من الغضب:_ملعون الدم اللي يحمله أخوه، لما الإخوات يبيعوا بعض عشان واحدة زي دي. خطوة ثالثة…_ربنا ينتقم منك أنت ومراتك، ومنتظرة عدل ربنا فيكم. ثم أشارت نحو جيهان دون أن تنظر إليها:_وقول للحيزبونة مراتك… أمي خط أحمر.

وأنا سمعتني كويس، أمي خط أحمر!مسحت دموعها بعنف، وأكملت:_وبكرة عبدالرحمن يرجع يا خالد، وهقوله على كل قذارتك أنت ومراتك. صاح خالد:_امشي يا بت! اطلعي برة!ثم أضاف بسخرية:_بتخوفيني بعبدالرحمن بتاعك؟ دي أمي… وخليه يقدر يقرب منها. تراجعت خديجة خطوة، وهزت رأسها بأسى_يا أسفي على الرجولة. ..استدارت لتغادر، لكن صوت جيهان أوقفها:_استني… أنا هطلع أحسن منك. التفتت خديجة إليها. ابتسمت جيهان بشماتة:_خالد مستعد يرجع لك أمك… بس ترجعي له هيبته اللي دوستي عليها، بعد ما رحتي اتجوزتي من وراه. اقتربت منها وهمست:_ترجعي الحارة… بيت أبوكي… وتطلقي من عبدالرحمن. تجمدت خديجة لحظة.

ثم عادت إليها بخطوة واحدة، وبصقت في وجهها، وقالت من بين أسنانها:_أمي… ولا عبدالرحمن… مش هسيبهم عشانك. ثم استدارت وغادرت، والدموع تنهمر على وجهها بلا توقف. في مكانٍ آخر…خرج عبدالرحمن من المشفى، وما إن رن هاتفه حتى ابتسم تلقائيًا حين أضاءت شاشته باسمها. رفع الهاتف وهو يسير:_لا، ما تقوليش وحشتك… لو أعرف كده كنت سافرت من زمان. لكن ابتسامته اختفت حين جاءه صوتها من الطرف الآخر مختنقًا بالبكاء:_عبدالرحمن… أنا محتاجاك. توقف في منتصف خطواته._خديجة؟صمت ثانية، ثم قال بقلقٍ مفاجئ:_إنتِ بتعيطي؟! إيه اللي حصل؟جاءه صوتها بشهقات متقطعة:_أمي.

.. خالد خد أمي. تجمد في مكانه. وكأن الجملة لم تمر عبر أذنه، بل سقطت مباشرةً فوق قلبه. اشتدت قبضته حول الهاتف، وانتفرت عروق يده، لكنه حاول السيطرة من الغضب و الهدوء:_يعني إيه خد أمك؟_أمي يا عبدالرحمن. .. أنا عايزة أمي. أغمض عينيه لحظة، يبتلع غضبه، ثم قال بنبرة هادئة:_ماتعيطيش يا حبيبتي… أنا هتصرف. هحجز وأكون عندك خلال ساعات._أنا خايفة…تكسرت الكلمة في صوتها، فشعر بقلبه ينخلع من مكانه._أنا جي لك يا خديجتي.

.. سامعاني؟ أنا جي لك. ظل يهمس لها ببعض الكلمات حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم لمح ماسة تقترب منه._كويس إننا عرفنا ناخد موعد بعد يومين…أغلق عبدالرحمن الهاتف، والتفت إليها._أنا نازل مصر دلوقتي. اتسعت عيناها بدهشة:_إنت اتجننت؟! هتنزل مصر إزاي؟ !لم يجبها، بل بدأ يسير سريعًا._كملي إنتِ… أنا لازم أنزل مصر حالًا. ركضت خلفه حتى وقفت أمامه:_عبدالرحمن، بتهزر؟!أمسك بذراعيها، وعيناه تحملان خوف على حبيبته_مراتي لوحدها ومحتاجاني. ثم ترك ذراعيها وأضاف بحسم:_كملي إنتِ، واعملي اللي إنتِ عايزاه.

تحرك بخطوات سريعة، وأخرج هاتفه واتصل بمدير أعماله:_اتصرف لي في طيارة حالًا… حتى لو هتحجز طيارة خاصة. جاءه الصوت من الطرف الآخر بقلق:_فيه حاجة حصلت ولا إيه؟

انت في الصفحة 28 من 28 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى