بعد فترة… جلست خديجة أمام المرآة، تتأمل انعكاس وجهها بشرود، وعادت ذاكرتها إلى سهرة الأمس، إلى الوجوه التي التقتها، وإلى فؤاد، ابن خاله، الذي لم تراه منذ أكثر من عشرين عامًا، رغم أنها تعرفه منذ أن كان طفلًا صغيرًا. ابتسمت ابتسامة خافتة وهي تتذكر كيف مرّت السنوات دون أن تشعر، وكيف أصبح ذلك الطفل رجلًا، والغيرة التي تجلّت على ملامح عبدالرحمن. لكن ابتسامتها سرعان ما خبت حين قفز إلى ذاكرتها وجه آخر…
وجه لم تستطع تجاهله، ولا فهم سبب تلك النظرات التي ألقاها عليها. مراد، الذي غادر بعد وصولهم! تنهدت ببطء، وأمالت رأسها قليلًا، تحاول أن تطرد صورته من ذهنها، لكن رنين هاتفها باغتها، فالتقطته سريعًا، وما إن رأت اسمه حتى تبدلت ملامحها، وابتسمت مرة أخرى. _ حبيبي…
جاءها صوته من الطرف الآخر، هادئًا، يحمل تلك النبرة التي تجعل قلبها يهدأ. _ عدي على الشركة، هخلص الاجتماع وننزل نلف في البلد شوية، وفيه حفلة في الأوبرا بالليل، لو عايزة تحضريها.
رفعت حاجبيها وهي تتأمل انعكاسها في المرآة. _ إحنا هنبات هنا تاني؟ _ أيوة يا حبيبتي. هقفل دلوقتي، انزلي تحت هتلاقي عربية مستنياكي، هتوصلك للشركة. وبعت لك شوية هدوم علشان تعرفي تتحركي براحتك. نهض من مكانه، وتحرك بضع خطوات وهو ما زال يتحدث، لكنه توقف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. _ خديجة! _ نعم يا عيوني؟ ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه، رغم محاولته الحفاظ على جديته. _ لو شوفت الروج اللي حطاه على شفايفك، همسحه بطريقة تخليكي تكرهيني.
شهقت، ثم اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها، بينما تابع هو بنبرة تحمل تحذيرًا لم يستطع إخفاء دلاله:
_ بقولك أهو، أنا حذرتك. قالها وأغلق الهاتف دون أن يمنحها فرصة للرد. ظلت تنظر إلى الشاشة التي انطفأت بين يديها، ثم هزت رأسها وهي تبتسم. _ قليل الأدب!
تمتمت بها، لكنها لم تستطع منع تلك الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيها، قبل أن تتحرك نحو الحمام استعدادًا للخروج.
❈-❈-❈ في الشركة، قبل قليل…
اجتمعوا حول طاولة اجتماعات دائرية واسعة، تتوسطها ملفات وأوراق رسمية، وساد المكان صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحامي وهو يضع مجموعة من المستندات أمام كل واحد منهم. _ أتمنى كل واحد يفتح الملف اللي قدامه. إحنا عندنا مدير عام جديد للشركة، وفيه مجموعة قرارات لازم الكل يكون على علم بيها، لأن المرحلة اللي جاية محتاجة تفاهم كامل بين الشركاء. مد غسان يده نحو الملف وفتحه بتمهل، رغم أنه كان يعلم جيدًا ما يحتويه. لم يكن بحاجة إلى قراءة الكلمات حتى يعرف حجم العاصفة التي ستثيرها تلك الأوراق.
على الجانب الآخر، جلس عبدالرحمن مستندًا إلى مقعده، لا يبدو عليه أي اهتمام بما يحدث، وكأن وجوده في الاجتماع مجرد مجاملة لا أكثر. رفع رأسه نحو المحامي، وسأله بنبرة عملية خالية من الحماس:
_ طيب، أستاذ مراد والباشمهندس غسان ليهم حق إنهم يعملوا اجتماع مغلق قبل الاجتماع الرسمي، إنما أنا لازمتي إيه؟ أنا مجرد شريك في شوية أسهم، ومالي أصلًا بأي تفاصيل إدارية تخص الشركة. لم ينتظر إجابة، بل أدار قلمه بين أصابعه بملل واضح، حتى انفتح باب القاعة فجأة.
ودلفت ماسة. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا ينساب على جسدها برقة، وشعرها مصفف بعناية، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وهي تلقي تحية المساء على الموجودين. لكن شخصًا واحدًا لم يسمع تحيتها. ما إن اخترقت نبرتها المكان، حتى رفع غسان عينيه إليها، فتوقفت أصابعه عن الحركة فوق شاشة هاتفه، وتجمدت ملامحه للحظة خاطفة، قبل أن يرفع عينيه إليها ببطء. وكأن السنوات التي مرت لم تكن سوى ستار رقيق انزاح فجأة، ليكشف له وجهًا ظن أنه تعلم كيف يراه دون أن يتألم.
ما زالت جميلة… يا لغباء قلبه! حتى بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث بينهما، وبعد كل المسافات التي تعمد أن يصنعها، ظل قلبه يعرفها قبل أن تستقر عيناه عليها. لم يكن جمالها وحده ما أوقف أنفاسه، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم ينسها يومًا؛ الطريقة التي ترفع بها ذقنها حين تدخل مكانًا، وابتسامتها التي تمنحها للجميع دون أن تكشف عما يدور خلفها، وحتى تلك الخطوة الهادئة التي كانت تسبقه دائمًا حين يخرجان معًا.
تفاصيل ظن أنه دفــ,,ـــــنها في مكان لا يستطيع الوصول إليه. لكنها عادت إليه دفعة واحدة، دون استئذان، ودون رحمة. ولثانية واحدة، لم يرَ المرأة التي تقف أمامه الآن، بل رأى الفتاة التي أحبها ذات يوم، حين كان قلبه أكثر بساطة، وحين كان يعتقد أن الحب وحده قادر على أن ينتصر على كل شيء. ثم اصطدم بالحقيقة. هي لم تعد حبيبته. وهو لم يعد ذلك الرجل الذي كان يظن أن العالم يتوقف عند ابتسامتها.
خفض عينيه سريعًا، وأعاد تركيزه إلى هاتفه، متظاهرًا بالانشغال، بينما كانت أصابعه تضغط على الجهاز بقوة لم ينتبه إليها أحد. أو هكذا ظن. توقف مراد عن الحديث، ونهض من مقعده، واستقبلها بحنان واضح، ثم ضمها إلى صدـ,,ـــره وقبّل رأسها. _ وحشتيني يا حبيبتي. ابتسمت له وهي تبادله العناق. _ وأنتَ أكتر. تابع غسان المشهد من طرف عينيه، وشعر بشيء ثقيل يضغط على صدـ,,ـــره. ابتعدت ماسة عن مراد، ثم استدارت نحو غسان.