_ إزيك يا باشمهندس؟ رفع عينيه إليها للحظة، ثم أجاب ببرود متعمد:
_ كويس. كلمة واحدة. جافة، مقتضبة، لا تشبه أبدًا الرجل الذي كان يطيل الحديث معها في الماضي، ولا الرجل الذي كان يستطيع أن يقرأ تغيرات ملامحها قبل أن تنطق. لكن ماسة لم تتوقف عند إجابته، أو ربما اختارت ألا تفعل. اتجهت نحو عبدالرحمن، الذي كان يتابع ما يحدث بنظرات هادئة، ثم انحنت وطَبَعت قبلة سريعة بجوار شفتيه. _ وحشتني.
رفع عبدالرحمن عينيه إليها، ثم أشار إلى المقعد المجاور له. رمقهما غسان، وقلبه جمرة، ولكن لم يكن له الحق في الاعتراض، ولا حتى في الشعور بالغيرة. فالرجل الذي يعانقها الآن هو زوجها، بينما هو لم يعد سوى ذكرى قديمة، مهما حاول قلبه التمرد على تلك الحقيقة. وقعت عينا عبدالرحمن على نظرات غسان تجاه ماسة، فأشار إليها. _ اقعدي علشان نكمل الاجتماع. كنتِ فين؟ سحبت المقعد وجلست بجواره، ثم أجابته ببساطة:
_ خرجت أتمشى شوية على النيل.
وقبل أن يعلق، دوّى صوت مراد في القاعة، بعدما قلب الأوراق أمامه أكثر من مرة. _ نعم؟! اللي هو إزاي يعني؟! عبدالرحمن المدير العام؟! رفع عبدالرحمن رأسه بسرعة، وسحب الملف الموضوع أمامه، ثم أخذ يقرأ السطور بعينين اتسعتا تدريجيًا. لم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى ألقى الأوراق فوق الطاولة ونهض من مقعده. _ إيه التخاريف دي؟! أنا مالي ومال شركة بالحجم ده؟! أنا مهندس ميكانيكي، وماليش دعوة بالإدارة ولا بالحاجات دي!
تدخل المحامي بهدوء، محاولًا احتواء غضبه. _ يا باشمهندس، غياث باشا عمل لحضرتك توكيل رسمي، وفيه تنازل موثق عن صلاحيات الإدارة، بالإضافة إلى موافقة الأستاذ فراس ومدام ماسة على القرار. الإجراءات القانونية مكتملة، وتعين حضرتك بقى نافذ وفق المستندات الموجودة. حدق عبدالرحمن فيه غير مصدق، ثم استدار نحو ماسة بحدة. _ ممكن أفهم إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ نهضت ماسة ببطء، ونظرت إليه بثبات، قبل أن تجيبه:
_ إيه يعني يا عبدالرحمن؟ أنتَ جوزي، وكده كده أنا مبقتش مهتمة بالشركة ولا بالإدارة. وأنا شايفة إنك أقدر واحد يحافظ عليها.
ضحك عبدالرحمن ضحكة خالية من المرح، وهز رأسه رافضًا. _ لا، أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي. أنا ما طلبتش منصب، ولا عايز أدخل نفسي في مسؤوليات ملهاش آخر! عندها رفع غسان رأسه أخيرًا، ووضع هاتفه جانبًا، ثم نظر إلى عبدالرحمن بنظرة صارمة. _ لازم توافق. استدار إليه عبدالرحمن بعصبية. _ نعم؟! _ زي ما سمعت. مش على كيفك يا عبدالرحمن. دي شركة مش محل صغير هتقفله وتروح. وراها موظفين، وعمال، وأسر بتصرف من مرتباتهم، وفيها ملايين وأسهم والتزامات. إحنا مش بنلعب هنا.
ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأضاف بنبرة أكثر حدة:
_ وبعدين أنتَ زعلان ليه؟ الحداد ائتمنك على اسمه وماله، متخافش، مشتريك غالي أوي. قبــ,,ـــــض عبدالرحمن يده، واشتدت عضلات فكه، محاولًا السيطرة على غضبه. _ أنا ماليش دعوة بيكم. دي شركتكم، وشغلكم، وإنتوا أحرار فيه. تدخل المحامي مجددًا، محاولًا تهدئة الأجواء. _ يا باشمهندس، ممكن نتكلم بعد الاجتماع؟ لأن فعلًا الموضوع محتاج نقاش، لكن مش قدام كل الموجودين. في تلك اللحظة، اقترب مراد من ماسة، وأمسك بذراعها بقبــ,,ـــــضة غاضبة، وخفض صوته، لكن كلماته خرجت مشحونة بالاتهام.
_ أنتِ بتخططي لإيه؟! عايز أفهم أنتِ عايزة توصليني لإيه بالظبط! نظرت ماسة إلى يده المطبقة على ذراعها، ثم رفعت عينيها إليه ببرود. _ مالكش دعوة بيا يا مراد. اشتدت قبــ,,ـــــضته أكثر، فانتصب عبدالرحمن واقفًا، ودفع مقعده إلى الخلف. _ أنتَ اتجننت؟! بتعمل إيه وأنا قاعد؟! أفلت مراد ذراعها، لكنه ظل يحدق فيها بغضب. أما ماسة، فظلت ثابتة في مكانها، ترفع رأسها بكبرياء، وكأنها ترفض أن تمنح أحدًا متعة رؤية انكسارها.
رمقهم مراد بنظرة حادة، ثم التقط هاتفه وغادر القاعة دون أن ينطق بكلمة أخرى. وبعده، نهض غسان وجمع أوراقه بترتيب، ثم التفت إلى المحامي. _ أنا كل اللي يهمني إن اسم الحداد يفضل زي ما هو في السوق. كفاية اللي حصل بسبب حبس مراد، وكفاية حالة عمي. الناس دي تعبت سنين علشان تبني الكيان ده، ومش هسمح إن كل ده يضيع بسبب أي حد، مهما كان. ثم رفع عينيه إلى ماسة، واستقرت نظراته عليها للحظات أطول مما ينبغي.
كان في عينيه شيء لم يسمح لنفسه بإظهاره؛ وجع لم يخمد، وغضب حاول إخفاءه خلف قسوة لم تكن يومًا من طباعه معها. لكنه لم يقل شيئًا. اكتفى بأن قال بصوت حاسم:
_ بعد كده مش هرحم حد. ده تعب بابا وعمي، ومش هسمح لأي حد يضيعه. ثم استدار وغادر القاعة. مرت لحظات ثقيلة بعد خروجه، قبل أن تتنفس ماسة بعمق، وتجلس فوق المقعد الذي كانت تقف أمامه. شعرت فجأة بأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
لم يكن ما حدث في الاجتماع هو ما أثقل قلبها، بل تلك النظرة التي لمحتها في عيني غسان قبل أن يرحل. كانت تعرف تلك النظرة جيدًا. رأتها قديمًا حين كان يخشى عليها من نسمة هواء، وحين كان يغضب لأبسط الأشياء التي قد تضايقها، وحين كان يظن أن العالم كله يمكن أن يُختصر في امرأة واحدة. ثم رأتها مرة أخرى حين افترقا. لكنها لم تتوقع أن تراها بعد كل هذه السنوات.