منوعات

الخامس عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول إيقاف شيء قديم بدأ يتحرك في أعماقها، قبل أن يقترب منها عبدالرحمن وينحني قليلًا حتى أصبح في مستوى عينيها. _ أفهم من كده إنك بترميني في النــ,,ـــــار بإيديكي؟ رفعت عينيها إليه، ورسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، رغم الإرهاق الذي بدا واضحًا على وجهها. _ أنتَ طول عمرك بترمي نفسك في النــ,,ـــــار علشان غيرك يا عبدالرحمن. تأملها للحظات، ثم قبــ,,ـــــض يده بقوة. _ عايزة توصلي لإيه يا ماسة؟

_ عايزاك يا عبدالرحمن، مش عايزة أتوه تاني. _ ماسة، أنا متجوز، كفاية لحد كده. نصبت عودها وتوقفت أمامه. _ وأنا مراتك يا عبدالرحمن، وقبلها، ومش من حقك ترميني علشانها، وقلتها زمان، وأنتَ وعدتني زمان، ووعدت بابا. _ بس ده قبل ما تلعبوا عليَّ. _ والله، وأنا مكنتش ضحية زيك، أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟ التقط هاتفه واستدار للمغادرة، لكنه توقف وأشار إليها. _ خديجة تعرف كل حاجة، وهي اللي تقرر يا ماسة، غير كده لا.

_ مش هتقدر تبعد عني يا عبدالرحمن. هز رأسه وفتح الباب. _ هنشوف.
❈-❈-❈ عند خديجة، بعد قليل… توقفت السيارة أمام مبنى شاهق، تتلألأ واجهته الزجاجية تحت أشعة الشمس، في واحدة من أرقى مناطق القاهرة. ترجلت خديجة من السيارة، ورفعت رأسها تتأمل المبنى للحظات، ثم تحركت نحو المدخل بخطوات واثقة، لا تعرف أن ما ينتظرها في الداخل سيفتح أمامها أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها أصلًا. توقفت أمام مكتب الاستقبال، وألقت نظرة سريعة على المكان الواسع الذي يعج بالحركة، ثم اقتربت من الموظفة بابتسامة مهذبة.

_ لو سمحتِ، عايزة أقابل الباشمهندس عبدالرحمن الديب. رفعت الموظفة رأسها إليها، ثم سألتها باحترام:
_ تقصدي المدير العام يا فندم؟ توقفت خديجة لحظة، وعقدت حاجبيها باستغراب. _ المدير العام؟! لا، هو… يعني أيوة، هو، بس… في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد، وخرج غسان بخطوات سريعة، يتحدث في هاتفه بلهجة مقتضبة. _ خليهم يخرجوا العربية، أنا هتحرك دلوقتي. أنهى المكالمة، ثم اتجه نحو البوابة، لكنه توقف حين التقطت أذناه اسم عبدالرحمن.

_ لا، الباشمهندس عبدالرحمن الديب، مهندس هنا. استدار برأسه، فوقعت عيناه على خديجة الواقفة أمام موظفة الاستقبال. تأملها للحظات، وتذكر أنها هي التي اصطدم بها بالأمس، لكن لماذا أتت إلى هنا؟ ولماذا تسأل عن عبدالرحمن؟ عاد ببصره إلى الموظفة التي كانت تسألها:
_ نقوله مين يا فندم؟ أجابت خديجة ببساطة:
_ مراته. تجمدت ملامح غسان لجزء من الثانية. مراته!
الكلمة التي قالتها الفتاة بعفوية جعلته يعيد النظر إليها. تأمل خديجة من جديد، يتفحصها بتمهل، وهمس في نفسه:
هل هذه زوجة عبدالرحمن الأخرى؟

لم يتوقع أن تكون زوجته بهذه الهيئة الهادئة، بهذا الجمال الحقيقي، دون تزييف أو تجميل، ولا أن يرى في ملامحها ذلك القدر من الثقة الذي لا يحتاج إلى استعراض. حقًا، أبهَره جمالها الهادئ، وقوتها وثقتها. اقترب منهما بخطوات ثابتة، دون وعي، وتوقفت خديجة عن الحديث حين وجدته يقف أمامها. مد يده إليها، محاولًا أن يرسم ابتسامة رسمية على وجهه. _ فكراني؟ اتقابلنا امبارح، ومن غير معاكسة، أنا غسان الحداد. وبالمناسبة، أنا بعتذر لك عن سوء الفهم اللي حصل بينا المرة اللي فاتت.

نظرت خديجة إلى كفه الممدودة، ثم رفعت عينيها إلى وجهه. تذكرت حديث عبدالرحمن عنه، وتذكرت تلك النظرات الغريبة التي لاحظتها بالأمس. لم تكن تعرف ما الذي حدث بينهما، لكنها كانت تدرك أن وراء ذلك الرجل حكاية لم تُروَ بعد؛ كيف كان صديقًا وابن عم لماسة، ولماذا لم يتحدث معه بالأمس؟ ومع ذلك، لم تسمح لفضولها أن يظهر على ملامحها. اكتفت بابتسامة مهذبة، ثم قالت بثبات:
_ أهلًا بحضرتك. آسفة، أنا مابسلمش على رجالة.

توقفت يد غسان في الهواء. للحظة، لم يستوعب الرد، ثم أنزل يده ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة. لم يكن معتادًا أن يُقابل بالرفض بهذه البساطة، لكن ما أوقفه حقًا لم يكن رفضها مصافحته، بل الطريقة التي قالت بها الجملة؛ لا خوف، ولا ارتباك، ولا محاولة لإرضائه. مجرد حد واضح وضعته أمامه دون أن ترفع صوتها. أومأ برأسه احترامًا لموقفها، ثم قال:
_ حقك طبعًا، وأنا مقدر ده. وقبل أن يبتعد، ألقى نظرة عابرة نحو المصعد، وكأنه يفكر في شيء ما، ثم عاد ببصره إليها.

_ عبدالرحمن فوق، بس غالبًا الاجتماع خلص. لو تحبي أبلغهم إنك وصلتي. هزت خديجة رأسها. _ متشكرة، أنا هطلع له بنفسي. ابتعدت عنه متجهة نحو المصعد، بينما ظل غسان واقفًا يراقبها للحظات. كانت خطواتها هادئة، وظهرها مستقيمًا، ولم تلتفت إليه مرة واحدة. وحين أُغلق باب المصعد خلفها، أطلق غسان زفرة طويلة، ثم مرر يده فوق وجهه. _ إيه اللي بيحصل؟ دي اللي كان بيحبها؟ هي أكيد، شفتها مرة على تليفونه. طب إزاي؟ هي ما اتجوزتش؟ وإزاي ماسة وافقت إنه يتجوز عليها بعد قصة الحب اللي بينهم؟

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى