منوعات

السادس عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

له إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” في بعضِ الحكايات، لا تأتي الضر….بةُ الق…………اتلة من عدوٍّ نعرفه، بل من حقيقةٍ نجهلها، أو ماضٍ ظننّاه انتهى، فإذا به ينهض من بين الرماد ليُشعل كلَّ ما حاولنا إنقاذه. هناك، حيث تتشابك النظرات وتُخفى النوايا خلف ابتساماتٍ هادئة، قد تكون كلمةٌ واحدة كافيةً لإسقاط أقنعةٍ صمدت طويلًا، وقد يتحوّل مشهدٌ عابر إلى بداية حربٍ لا يعرف أحدٌ كيف ستنتهي. لكن ماذا لو كان الغموضُ الذي يحيط بأحدهم أعمق مما يبدو؟ وماذا لو أنَّ اليد التي امتدّت لتواسي قلبًا مكسورًا، كانت تحمل في طيّاتها سرًّا قادرًا على تحطيم قلوبٍ أخرى؟

في تلك الليلة، لم يكن أحدٌ يدرك أنَّ ما سيحدث بعد لحظات لن يترك شيئًا كما كان… وأنَّ أخطر الأسرار لا تُكشف حين نتكلّم، بل حين تقع أعيننا على ما لم يكن ينبغي لنا أن نراه!

لم تمر سوى لحظات حتى أصبح أمامه، التقط المنديل من يد غسان، ثم قال ببرودٍ مخيف:
_ شكرًا يا غسان.
ألقى المنديل أرضًا، وداس عليه بحذائه أمام أعين الجميع، في إهانةٍ لم تكن بحاجة إلى تفسير. ثم انحنى نحوه، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ مشحونة بالغضب، وهمس بجوار أذنه بصوتٍ خفيض، لكنه حمل من التهديد ما يكفي لإشعال حرب:
_ إياك… إياك تفكر إن خديجة زي ماسة، دي برّه أي مقارنة يا غسان. دي لو الدنيا كلها وقفت قصادها، أحرق علشانها الأخضر واليابس، فاهم؟!

اعتدل في وقفته، وألقى نظرة أخيرة على غسان، ثم استدار نحو خديجة التي كانت تراقب ما يحدث بصمتٍ. مد يده إليها، وما إن وضعت يدها في يده حتى جذبها برفقٍ حاسم، وتحرك بها مبتعدًا عن الجميع، دون أن يلتفت خلفه.
لم يكن غاضبًا من غسان وحده، بل كان يغلي من الداخل، يحاول جاهدًا أن يُبقي ما تبقى من سيطرته على نفسه، بينما تتصارع في رأسه أفكارٌ لا تهدأ.
وصل بها إلى السيارة، وفتح لها الباب، و قلبه جمرةً ملتهبة، تحرق صدره بصمتٍ قاتل، كلما تذكر نظرات غسان اليها، ومع ذلك حاول أن يبدو هادئًا أمامها.

تمنى لو أنها تصمت طوال الطريق، لا لأنه لا يريد سماع صوتها، بل لأنه كان يخشى أن تنطق بكلمةٍ واحدة تُفلت معها كل الوحوش المحبوسة داخله، فيؤذيها باندفاعه دون أن يقصد.
صعدت خديجة إلى السيارة دون أن تنطق بحرف، وجلست إلى جواره، تضم يديها إلى بعضهما في حجرها، وتحدق أمامها بعينين غائبتين.
انطلق بالسيارة، وبعد دقائق قليلة، كانت ملامحه قد ازدادت تجهمًا، وعروق عنقه تنتفض بوضوح، بينما تقبض يداه على عجلة القيادة بقوة. من يراه في تلك اللحظة لظن أنه على وشك الدخول في حرب ضارية
رن هاتفه، فالتقطه وأجاب بحدة:
_ أيوه!

أتاه صوت فؤاد من الطرف الآخر، غاضبًا ومستنكرًا:
_ إنت اتجننت يا عبدالرحمن؟! إزاي تمشي بالطريقة دي؟ الصحافة كلها هنا، والناس مش سايبة الشركة!
_ تولع الصحافة، وتولع الشركة، ويولع الكل! بقولك إيه يا فؤاد، أنا سلّمت كل حاجة لغسان، ابعدوا عن دماغي بقى!
_ طيب ممكن تهدى ونفهم إيه اللي حصل؟
ضرب عبدالرحمن المقود بكفه، حتى انتفضت خديجة في مقعدها، ثم صاح بصوتٍ أجش:
_ متقولش الكلمة دي! بتعصبني! قوله يبعد عني، فاهمني؟ متخليهوش يقرب مني يا فؤاد!
اجابه فؤاد بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
_ تمام، اللي إنت عايزه هيحصل.

بس برضه مكنش ينفع تصغّرنا بالشكل ده قدام الناس.
أنهى عبدالرحمن المكالمة دون رد، وألقى الهاتف ، ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت السيارة بسرعةٍ جعلت خديجة تتشبث بطرف مقعدها.
كانت تراقبه من طرف عينها، وقلبها يئن بصمتٍ حارق. لم تعد تعرف أيهما يؤلمها أكثر؛ قس،وته التي تظهر حين يغضب، أم ذلك الحب الذي يعلنه لها في لحظاتٍ، ثم يجعلها تشعر بأنها غريبة عنه في لحظاتٍ أخرى.
وفجأة، التفت إليها، وكأن صمتها الذي طال صار أشد استفزازًا له من أي كلام.
_ كان بيقولك إيه؟ وإزاي سمحتي لنفسك تقعدي معاه أصلًا؟!

أنا مش قولتلك متديهوش فرصة يتكلم معاكي؟!
لم تجبه.
ظلت تنظر إليه بصمت، لا تعاتبه ولا تدافع عن نفسها، ولم تنطق حتى بكلمةٍ واحدة.
كانت نظراتها وحدها كافيةً لتجعله يشعر بأنه يقف أمام قاضٍ يعرف كل جرا…….ئمه، ولا يحتاج إلى سماع اعترافه.
حاول أن يقرأ ما وراء عينيها، لكنه لم يجد سوى تعبٍ عميق، ووجعٍ لم يعد يملك القدرة على إخفائه. ومع ذلك، لم يستطع التراجع عن غضبه، وكأن كبرياءه كان أقوى من قدرته على احتواء المرأة التي يحبها.

ضغط على المكابح فجأة، فتوقفت السيارة بعنف، ودوّى صرير الإطارات في الطريق، حتى اهتز جسد خديجة إلى الأمام.
أغمضت عينيها بفزع، وانسابت دمعة ساخنة فوق وجنتها.
لم تكن ضعيفة، ولم تكن يومًا ممن يسكتون على الإهانة، لكنها أُرهقت.
أرهقتها الحياة بما يكفي، وأتعبها أن تظل طوال الوقت مطالبةً بالدفاع عن نفسها، وتبرير مشاعرها، وإثبات أنها تستحق معاملةً لا تُجرح فيها كرامتها. لم يعد لديها ما يكفي من القوة لتدخل معركةً جديدة مع رجلٍ أحبته حتى نسيت، في غمرة حبها، أن تحمي قلبها منه.
_ خديجة…

السابقانت في الصفحة 1 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى