منوعات

السادس عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

خرج اسمها من بين شفتيه هامسًا، وهو ينظر أمامه، وأنفاسه تتلاحق كأنما قطع للتو مسافةً طويلةً في سباقٍ مرهق.
مرر يده فوق وجهه، محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال بصوتٍ أقل حدة:
_ أنا عارف إنك مضايقة مني، وإن قلبك محروق كمان، بس أنا مجبور أكون قدام الكل بالشكل ده. إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل، ولا عارفة أنا بتعامل مع مين.
التفت إليها، منتظرًا أن تنظر إليه، أن تسأله، أن تمنحه فرصةً يشرح فيها ما يعج،ز عن قوله.
لكنها ظلت تنظر أمامها، وكأن كلماته لم تعد قادرةً على الوصول إليها.

ابتلع غصته، ثم مد يده نحوها، وتوقف قبل أن يلمس أصابعها.
_ بحبك يا خديجة… والله بحبك. وعندك، ممكن أقلب الدنيا كلها. مش عايز حد يقرب منك، ولا عايز حد يفكر حتى إنه يزعلك.
التفتت إليه أخيرًا.
نظرت في عينيه طويلًا، وكأنها تحاول أن تتذكر الرجل الذي أحبته، الرجل الذي كانت تظن أن حضنه وطنها، وأن قربه أمانها، وأنها مهما واجهت من قسوة العالم ستجد عنده ما يعوضها عنها.
لكنها لم تجد في داخلها سوى إرهاقٍ أكبر من أن تتحمله.
قالت بصوتٍ هادئ، هدوءٍ أخافه أكثر من صراخها:
_ روحني يا عبدالرحمن.

أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
انعقد حاجباه، وراقبها وهي تعود بنظرها إلى الطريق.
_ خديجة، أنا بكلمك!
_ وأنا سمعتك.
_ أمال ساكتة ليه؟!
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما، وقد تسللت إلى صوتها مرارةٌ لم تستطع إخفاءها.
_ علشان مبقتش مستنية حاجة من الحياة يا عبدالرحمن. كل الأيام بقت شبه بعضها، وكل مرة بقول لنفسي إن بكرة هيكون أحسن، ألاقي نفسي بوجع جديد. وكل الرجالة، في الآخر، أهم حاجة عندهم نفسهم، حتى لو كسروا قلوب اللي بتحبهم. المهم يفضلوا قدام الكل رجالة، والكل يعمل لهم ألف حساب!
التفت إليها بحدة.
_ أنا مش كده!

ضحكت ضحكةً باهتة، خاليةً من أي فرح، ثم استدارت نحوه بكامل جسدها.
_ إنت أول واحد كده يا عبدالرحمن. أناني، ومبتفكرش غير في نفسك! المهم إنت تبقى مرتاح، وتفضل صورتك قدام الناس زي ما إنت عايزها. إنما الباقي يولع، إن كنت أنا، ولا ماسة، ولا حتى بنتك! المهم عبدالرحمن بيه يبقى مبسوط، والكل يخاف منه ويعمل له ألف حساب!
تغيرت ملامحه، وكأنه تلقى صفعةً لم يتوقعها، لكنه لم يقاطعها.
كانت تلك المرة الأولى التي يسمعها تتحدث إليه بهذه القسوة، لا لأنها تريد أن تؤذيه، بل لأنها لم تعد تملك ما تخسره إن قالت الحقيقة.

اعتدلت في جلستها، وأشارت إلى الطريق بيدٍ مرتجفة.
_ روحني. عايزة أروح لأمي.
ثم ابتلعت غصةً موجعة، وأكملت وهي تحاول أن تمنع صوتها من الانكسار:
_ أنا غلطانة من الأول، إني جيت معاك، وإني صدقت إنك ممكن تحسسني إني مهمة عندك. لو كنت أعرف إنك هترميني زي الكلبة، وكل واحد يشدني من ناحية، مكنتش جيت معاك من الأساس يا أبو الشهامة والرجولة!
توقف لسانها للحظة، بينما ارتجفت شفتاها، ثم أطلقت زفرةً متعبة، وأردفت بنبرةٍ ساخرة، تخفي خلفها جرحًا غائرًا:
_ بس ملحوقة يا بيه. متخلقش اللي يكسرني!

استدارت نحو النافذة، ومسحت دموعها بعنف، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ أنا مش هنكر إني اتكسرت قبل كده على إيد واحد مريض، بس على الأقل كنت عارفة إنه مريض، وعارفة إني لازم أحمي نفسي منه. إنما لما اللي يكسرك يبقى حبيبك… لما الشخص اللي بتجري عليه علشان يطبطب على قلبك هو نفسه اللي بيوجعك… دي بقى اللي صعبة شوية يا عبدالرحمن بيه
ظل ينظر إليها، وقد اختفت من وجهه ملامح الغضب تدريجيًا، وحل محلها شيءٌ آخر؛ وجعٌ صامت، وعجزٌ لم يعتد الشعور به.

كان يستطيع أن يواجه غسان، وأن يخرسه للابد، وأن يضع كل من يتحداه عند حدّه، لكنه الآن لم يعرف كيف يدافع عن نفسه أمام دمعةٍ في عيني خديجة.
لم يعرف كيف يخبرها بأنه لا يريد إيذاءها،
أدار وجهه إلى الأمام، وأعاد تشغيل المحرك، ثم انطلق بالسيارة بهدوءٍ هذه المرة.
مد ذراعه وجذبها نحوه، فاستقرت إلى جواره رغمًا عنها، وطوّق كتفيها بذراعه، ثم انحنى وقبّل رأسها قبلةً طويلة، كأنه يعتذر إليها عن كل ما عجز عن الاعتذار عنه بالكلمات.
لم تقاومه، لكنها لم تتشبث به كما اعتادت، ولم ترفع وجهها إليه.

ظلت ساكنةً بين ذراعيه، وعيناها معلقتان بالطريق، وكأن جسدها استسلم لقربه بينما بقي قلبها واقفًا على مسافةٍ بعيدة.
همس بجوار رأسها:
_ مش هرد عليكي دلوقتي، علشان إنتِ عندك حق في حاجات كتير، وأنا مش عايز أقول كلمة وأنا متعصب فأوجعك أكتر.
صمت قليلًا، ثم شد ذراعه حولها برفق، وانخفض صوته حتى صار أقرب إلى الرجاء:
_ بس نفسي تعرفي إنتِ بتكوني إيه عندي يا خديجة… نفسي تعرفي إنك مش مجرد مراتي، ولا واحدة في حياتي أقدر أستغنى عنها. إنتِ…
قاطعته بصوتٍ خافت، لم تلتفت معه إليه:
_ ولا حاجة.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى