ابنته وعيناه على خديجة
_كدا ياروح بابي، قولي لانطي ديجا بابي هيروح النار علشان مخصماه
_انت اللي مخاصم ولا هي زهقتوني
قالتها وركضت الصغيرة للاعلى بينما رد عبدالرحمن
_هروح مكانها ياسيلي علشان متتألمش
_هتتأخر
قالتها بخفوت
_لو قولتي تعالى هتلاقيني عندك في غمضة عين
_وحشتني أوي، وعايزة اصالحك
ابتسم حتى لمعت عيناه بالعشق
_انا اللي هصالحك، اديني عشر دقايق وتكوني في حضني
_عبدالرحمن
_حبيب عيونه لعبدالرحمن
_بحبك…
_طب اقفلي ياخديجة
ابتسمت واغلقت الهاتف وقلبها ينبض بالعنف، ثم اتجهت الى احد ادراج خزانتها واخرجت مابه،تنظر اليه وتحاول أن تتنفس بسهولة
_بتحبيه لازم تتحملي
اخرجته تفرده فوق الفراش
دلفت الى الحمام، ظلت لفترة ثم خرجت تنظر لما وضعته
قميص أحمرَ ناريًّا، يلفت الأنظار بلونه الصارخ، لكن عينيها لم تريا فيه سوى خوفها. مررت أناملها فوق نسيجه الناعم، تتلمسه بتردد، وكأنها تتحسس بيديها حدود خطوة تخشى الإقدام عليها.
هل ستجرؤ حقًّا على فعل ما انتوته؟
تسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها كلما تخيلت نفسها أمامه، تستجمع شجاعتها لتتجاوز ذلك الحاجز الذي ظل قائمًا بينهما منذ زواجهما. ارتفعت إلى ذاكرتها كلماته، تلك التي حاول مرارًا أن يطمئنها بها، لكنها كانت كلما تذكرتها شعرت بوخزة جديدة في قلبها.
لم تكن تريد أن تصبح امرأة ناقصة في نظر الرجل الذي أحبته بكل ما فيها، حتى قبل أن يصبح زوجها.
انحدرت عيناها نحو القميص مرة أخرى، ثم ضمته إلى صدرها للحظات، قبل أن تنتفض على رنين هاتفها.
التقطته دون تفكير، لكن ما إن وقعت عيناها على اسمه حتى ارتجف قلبها،
مررت إصبعها على الشاشة، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها، تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًّا.
_ أيوة.
أتتها نبرته الهادئة من الطرف الآخر:
_ خديجة، هبات الليلة مع ماسة وسيليا، ماسة تعبانة ومش هينفع أسيبها لوحدها.
تجمدت أصابعها حول الهاتف.
ها هو يخبرها ببساطة أنه سيقضي ليلته هناك، مع المرأة التي انتهت علاقته بها منذ سنوات، كما يقول، ومع ابنتهما.
ربما كان الأمر منطقيًّا، وربما لم يكن أمامه خيار آخر، لكن قلبها لم يكن يعرف كيف يتعامل مع المنطق حين يتعلق الأمر به.
ابتلعت الغصة التي صعدت إلى حلقها، وأجابت بصوت خافت:
_ تمام.
كلمة واحدة، لم تحمل اعتراضًا ولا عتابًا، لكنها كانت أثقل من أن تمر دون أن تجرحها.
_ خديجة؟
_ نعم؟
_حبيبتي.. اسف، غصب عني
انت مش زعلانة صح
_لا مش زعلانة
_طب انت كويسة؟!
كادت أن تخبره بكل شيء؛ أنها ليست بخير، وأنها تتعب من محاولاتها المستمرة لتبدو قوية، وأنها تريد منه أن يشعر بها دون أن تضطر إلى شرح ما يؤلمها.
لكنها ابتلعت كلماتها، كما ابتلعت الكثير قبلها.
_ آه، كويسة. تصبح على خير.
لم تنتظر رده، وأنهت المكالمة، ثم أنزلت الهاتف ببطء.
ظلت جالسة مكانها، تحدق في الفراغ، بينما خفتت ملامحها شيئًا فشيئًا. كانت الغرفة من حولها ساكنة، ومع ذلك شعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها، برودة لم يكن مصدرها الهواء، بل ذلك الفراغ الذي خلّفه، والذي حاولت ان تجمعه
التفتت نحو القميص الملقى بجوارها، فشعرت بوخزة في صدرها.
كم بدت لها الفكرة سخيفة الآن!
أن ترتدي شيئًا اختارته بقلب يرتجف، وتنتظر عودته، ثم تحاول أن تكون المرأة التي يريدها، بينما هي لا تزال عاجزة عن الشعور بالأمان في زواجها.
أطرقت برأسها، ومررت كفها على وجهها محاولة منع دموعها من السقوط، لكنها كانت قد تعبت من المقاومة.
نهضت أخيرًا، وتركت القميص مكانه، ثم خرجت من الغرفة بخطوات مثقلة، متجهة إلى غرفة والدتها.
لم تكن تريد أن تشرح شيئًا، ولا أن تجيب
دفعت الباب برفق ودلفت إلى الغرفة.
كانت فاتن تجلس على فراشها، تتلو آيات القرآن الكريم، وحين أحست بوجودها رفعت عينيها عن المصحف.
توقفت نظراتها عند ابنتها الواقفة قرب الباب، شاردة، مطأطئة الرأس، وكأنها تحمل فوق كتفيها ما يفوق قدرتها على الاحتمال.
لم تسألها عما بها، ولم تنتظر منها أن تتكلم.
أغلقت المصحف برفق، ووضعته إلى جوارها، ثم فتحت ذراعيها قليلًا وهي تشير إليها بحنان.
كانت فاتن تجلس على فراشها، تتلو آيات القرآن الكريم، وحين أحست بوجودها رفعت عينيها عن المصحف.
توقفت نظراتها عند ابنتها الواقفة قرب الباب، شاردة، مطأطئة الرأس، وكأنها تحمل فوق كتفيها ما يفوق قدرتها على الاحتمال.
لم تسألها عما بها، ولم تنتظر منها أن تتكلم.
أغلقت المصحف برفق، ووضعته إلى جوارها، ثم فتحت ذراعيها قليلًا وهي تشير إليها بحنان.
تعالي يا حبيبتي، واقفة ليه؟
رفعت خديجة عينيها نحوها، وحاولت أن تبتسم، لكن شفتيها ارتجفتا، وانطفأت المحاولة قبل أن تكتمل.
خطت نحوها ببطء، ثم جلست إلى جوارها، وظلت صامتة، تحدق في يديها المتشابكتين فوق حجرها.
مدت فاتن يدها تمسح على شعرها بحنان، ثم مالت نحوها قليلًا.
_ مالك يا قلب أمك؟ تمددت خديجة، وأسندت رأسها إلى ساق والدتها، بينما راحت فاتن تمرر أصابعها بين خصلات شعرها بحنان، تتأمل وجهها الشاحب وعينيها اللتين أرهقهما البكاء. كانت ابنتها صامتة، لكن ذلك الصمت لم يكن مطمئنًا؛ كان يشبه الهدوء الذي يسبق الانهيار، وكأنها تحبس في صدرها وجعًا أكبر من قدرتها على الاحتمال.
انحنت فاتن قليلًا، ومسحت على وجنتها.
_ مالك يا حبيبتي؟ عبدالرحمن مرجعش؟
أغمضت خديجة عينيها، وانقبضت أصابعها فوق ثيابها، ثم همست بصوت مرتعش:
_ أنا بموت يا ماما… بموت بجد.