_تتم جوازنا… عندك مراتك، روح لها، انا مستحيل اكمل حياتي معاك كدا، انت اتجوزتني اجبار، اه بحبك وبجنون، بس برضو مش هكون زوجة تانية
رفع عيناه إليها
_بلاش تجبرني أعمل حاجة تزعلك
قهقهت تصفق بيدها
_تزعلني… اقتربت تنظر إليه
_هو انا مش بصعب عليك ياعبدالرحمن استدار يُولّيها ظهره، وكأن النظر إليها صار عقابًا لا يحتمله، بينما كانت هي تتأمل انحناءة كتفيه بصمت _تمام..راجع من عند مراتك التانية،وش الفجر، عايز نتمم جوازنا، وبعدين تطلقني.
لم يتحرك، ولم يجبها، وكأن كلماتها أصابت موضعًا أعمق من أن يسمح له بالرد. اقتربت منه، ثم قبــ,,ـــــضت على قميصه تجبره على الالتفات إليها. وحين استدار، تجمّدت أنفاسها. للمرة الأولى، رأت في عينيه وجعًا لم تستطع الكلمات وصفه.. نظر لعيناها
_مش بطلب المستحيل من حبيبتي، ماهي كانت لواحد قبلي… مش كدا ولا إيه
هزة عنيفة اصابتها،
فكورت قبــ,,ـــــضتها، تحاول ألا تضعف أمامه، نظرت اليه وقالت: _عندك حق، كنت ملك لواحد تاني… هحاول.
هزّ رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة مميتة من كلماتها، يحاول ألا يثور عليها، اقترب وقال
_اسمها بحبك وهعمل كدا علشانا
علشانا ياخديجة، انا وانت
هزت رأسها:
_حاضر… هعمل كدا علشان تطلقني، لو دا يرضيك
اغمض عيناه، كان يريد أن تثور، وترفض وتتمسك به، ولكن ردها الهادئ، اوجعه اكثر من اللازم، هل لم تعد تريد العيش معه،
_بالسهولة دي؟! قالها ويحدقها بغضب نطقته عينيه
_انت عايز ايه بالظبط؟!
اقترب وسحبها بين ذراعيه، ثم دفــ,,ـــــن وجهه بعنقها، يسحب رائحتها
_عايزك ياخديجة، بس مش كدا
متجيش عليّا إنتِ كمان..
قالها وطبع قبلة عميقة على عنقها
لكمته في صدـ,,ـــره بقوة، تحاول الإفلات منه.
_ابعد عني! لكنه أحكم ذراعيه حولها، وأغمض عينيه للحظة، مستنشقًا رائحتها التي اشتاق إليها حتى صار قربها عذابًا، وغيابها عذابًا أشد.
نظر لثوران عيناها
_بلاش أأذيكي بحبي يا خديجة… أنا جوايا نــ,,ـــــار، نــ,,ـــــار لو طلعت مش هنعرف نطفيها إنتِ ولا أنا. متخلينيش أسيبها تحــ,,ـــــرقنا إحنا الاتنين.
ابتعدت بمقدار ضئيل، رفعت عينيها إليه، وقد اختلط خوفها بغضبها.
_تأذيني؟! هو إنت لسه مأذيتنيش يا بشمهندس؟
تصلّب فكّه، واشتدت قبــ,,ـــــضته للحظة قبل أن يرخيها قليلًا، وكأن كلماتها انتزعت منه آخر ما تبقى لديه من قدرة على التماسك.
_لسه؟!
خرجت منه الكلمة قاسية، ثم انحنى حتى صار وجهه مقابل وجهها. _إنتِ عارفة يعني إيه أفضل أحب واحدة اتناشر سنة؟ اتناشر سنة يا خديجة! أشيلها جوايا في كل خطوة، وأحلم بيها في كل ليلة
ابتلع غصته، وانخفض صوته على نحوٍ جعل كلماته أشد قسوة.
_وبعدين تختار غيري، لحجج تافه وهي مش شيفاني راجل،انا عديت علشان بحبك
_عبدالرحمن ماتقلبش في القديم، سيبه مدفون ببلاويه
جز على أسنانه حتى كاد ان يحطمها، ثم أطبق على ذراعيها، ولم يرى سوى احدًا غيره امتلكها
_ليه يامدام، قلبي دا مالوش حق
ارتجفت شفتاها، بينما تابع هو، وعيناه تتنقلان بين عينيها وملامحها كأنه يبحث عن شيءٍ يثبت له أنها خديجته التي عشــ,,ـــــقها
_عبدالرحمن عندك بيقلب لشخص وحش ياخديجة
أمسك بوجهها بين كفّيه، بقسوة وأجبر نفسه على النظر إلى عينيها، رغم الدموع المتجمعة فيهما كانت تفتك بما تبقى من غضبه.
_اهو ربنا اخدلك حقك مني
ثار غاضبا يدور حول نفسه كالمجنون
_حق ايه، اقترب يغرس عيناه بعينها
_انك بقيت ملك لراجل تاني… تابع بقسوة
_بغض النظر عن اللي حصل في جوازك الأول، يا خديجة… إنتِ عارفة إن مجرد فكرة إن راجل تاني شافك ، وإنه عرف عنك حاجات أنا نفسي كنت بتمنى أكون أول واحد يعرفها… بتعمل فيا إيه؟
انهمرت دموعها، وانخفض رأسها هربًا من عينيه.
ليت ذاكرتها تمحو تلك الأيام، ليت قلبها ينسى، وليته هو أيضًا لم يعرف شيئًا..
رفع ذقنها بأصابعه يضغط عليه بقسودة، وأعاد وجهها إليه.
_بصيلي!
صرخ بها
نظرت إليه مكسورة، فاشتدت ملامحه، وكأن انكسارها يستفز فيه وجعًا لا يعرف كيف يتعامل معه.. ظل ينظر اليها
_الحيوان كان بيقولك تقولي انك بتحبيه صح… احمرت عيناه وتخيلاته كادت ان تزهق روحه، ينظر لشفتيها المرتجفة، اغمض عيناها يحاول ان يسيطر على ذاك الجنون الذي انتابه، ولكن تخيلاته اكبر من أي عقل
سحبها يقبلها بقسوة، كأنه يزيل اثار الاخر من عليهما، ويده تعبث بجسدها، نيران تحــ,,ـــــرقه بالكامل، رفع رأسه يمرر انامله على شفتيها التي تورمت من قبلاته، ورغم ذلك ونيران الغيرة تحــ,,ـــــرقه، رفع عيناه اليها
_أنا مش ملاك يا خديجة، ولا هقدر أكون ملاك معاكي. أنا راجل بيغير على الست اللي حبها عمره كله.. مش بحبها بس بعشــ,,ـــــقها جذبها حد الألتصاق، جبينه يلامس جبينها. ارتعشت أنفاسه، ثم انحدرت عيناه إلى شفتيها قبل أن يعيد النظر إلى عينيها. _عارفة المصيبة فين؟ إني لسه عايزك! بعد كل اللي حصل، وبعد كل الوجع ده، لسه قلبي بيجري عليكي كأنه غبي، كأنه مش فاهم إن صاحبته اختارت تبقى لغيره!
بكت بصوت مسموع، فمسح دموعها بإبهامه بحركة بدت حنونة، لكن صوته ظل قاسيًا.
_بطلي عياط، مش عايز اسمع غير انك بتحبيني وبس
رفعت عيناها الباكية
_انسى بقى، انت كمان اتجوزت، وانا بقيت رقم
_قولتلك إن مفيش غيرك، جوازي من ماسة مجرد حبر على ورق، قولت مليون مرة، هكذب عليكي ليه
ايه اللي يخليني اضحك عليكي
انحنى ينظر لعيناها ويهمس بهمس مريب وتحولت حالته للجنون
_انا اتجوزت ماسة مجبر، وبسببك برضو، عارفة ليه
ضغط بقوة على خصرها، ودفــ,,ـــــن وجهه بعنقها وانفاسه كادت تحر قها
_مكنتش في وعي، وتخيلتها انت، ليلة واحدة ضيعت شخصيتي، ليلة واحدة دمرتني
ابتعد برأسه ينظر اليها بعيونًا تبرق بنيران كالجحيم
_وصلت
اني ارتكبت كبيرة من الكبائر
شهقت وانسابت دموعها، لينتفض جسدها متراجعة عنه، تهز رأسها تهمس بتقطع
_اسكت… اسكت متكملش، ولكنه لم يرحمها
_انت دمرتيني احنا الاتنين
_عبدالرحمن متقولش كدا
_للاسف دا اللي حصل،، صرخ بها، لينتفض جسدها بهزة عنيفة تهمس
_يعني سيليا جبتها من الح رام
صمت ينظر اليها ومشاهد الماضي كلها كفيلم رعب كاد أن يقضي عليهما
_اسكتي ياخديجة، تعرفي تسكتي ومسمعش صوتك، دلوقتي كل اللي يهمك علاقتي بماسة
_غيرانة يااخي، بتحاسبني على حاجة غصب عني، وانت… صمتت تنظر اليه بعيون جفت من الدموع، كما توقف القلب عن النبض
ث
جذبها إلى صدـ,,ـــره بعنــ,,ـــــف، حتى شعرت بأن أضلاعه تكاد تنطبق عليها، ودفــ,,ـــــن وجهه في شعرها
_آآآآه!
صرخة خرجت منه وهو يضمها إليه، صرخة رجلٍ أنهكه الحب حتى لم يعد يعرف كيف يبكي، فصار يصرخ، وكيف يشتاق، فصار يعاقب، وكيف يخاف أن يخسرها، فصار يتمسك بها حتى وهو يرى الخوف في عينيها. أما خديجة، فظلت ساكنة بين ذراعيه.
لم تحاول الابتعاد مجددًا. كانت تسمع ضــ,,ـــــربات قلبه المتلاحقة تحت أذنها، وتشعر بارتجاف أنفاسه التي يحاول عبثًا السيطرة عليها.
لم تكن تريد ضوضاء أخرى، ولا عتابًا جديدًا، ولا كلماتٍ تفتح جروحًا لم تلتئم. أرادت فقط أن تبقى هكذا، تستمع إلى دقات قلبه، وتكذب على نفسها للحظات، فتتخيل أن شيئًا لم يحدث، وأنها ما زالت الفتاة التي حلمت يومًا بأن تكون كل حياته. *أهي غبية إلى هذا الحد؟ أم أن قلبها، رغم كل شيء، ما زال أضعف من أن ينجو منه؟*
شعر عبدالرحمن باستسلامها، فابتعد قليلًا يتأمل وجهها الشاحب، ثم سحبها معه نحو الفراش. تمدد على جانبه، وجذبها إلى صدـ,,ـــره من جديد، محاصرًا إياها بذراعه، كأنه يخشى أن تفيق من صمتها وتقرر الرحيل.
ظل يمرر أصابعه بين خصلات شعرها، بينما كانت عيناه معلقتين بالسقف، غارقتين في ظلامٍ لم يعد يعرف كيف يخرج منه.
وفجأة، قال بصوت خافت، غريب الهدوء:
_بعد ماكلمتيني، ماسة انتــ,,ـــــحرت.
انتفضت خديجة بين ذراعيه، ورفعت رأسها إليه بفزع، بينما اتسعت عيناها، وتجمّدت الكلمات على شفتيها.
_إيه؟!
التفت إليها ببطء، وتأمل ملامحها المصدومة، ثم رفع خصلة من شعرها عن وجهها، ومرر أنامله على وجنتها المرتجفة.
لتقول بغصة مريرة
_بسببي، صح؟ انتــ,,ـــــحرت بسببي؟ استدار نحوها، وطالعها بتهكم
_هتفرق..
ارتجفت شفتيها تنظر اليه بجمود
_هي عندها حق
اغمض عيناه وقال
_أنا تعبت يا خديجة… والله تعبت.
خرجت كلماته مبحوحة
_خلاص… الحل زي ماقولت لك، تطلقني وتروح لها نظر إليها بصمت، ثم سحبها بقوة لتسقط على صدـ,,ـــره، وهمس قرب أذنها بصوتٍ كسير: _قوليلي أعمل إيه؟ أحبك أقل؟ أكرهك؟ أنساكي إزاي؟
ملعون حبك ياشيخة اللي بيذلني دا، عايزة ايه، ردي عايزة ايه؟!
اكتفت بأن أغمضت عينيها، و دموعها تتسلل إلى الوسادة، واشتدت ذراعه حولها حين حاولت أن تبتعد
_ ابعد عني… إنت بتوجعني!
_ أوجعك؟! إنتِ شايفة ده وجع؟!
خرج صوته أجشَّ، محمّلًا بوجعٍ لم يعد يعرف كيف يُخفيه، بينما كانت أصابعه تُحكم قبــ,,ـــــضتها حول ذراعيها
رفعت عينيها إليه، تتأمل ملامحه التي طالما عشــ,,ـــــقتها، تبحث فيها عن الرجل الذي سكن قلبها يومًا، لكنها لم تجد سوى غريبٍ يُشبهه… غريبٍ يُمعن في إيذائها باسم الحب.
_ إنت بتعمل إيه؟! أنا معرفش إنت مين… مش إنت الشخص اللي حبيته يا عبدالرحمن، أنا معرفكش!
كانت كلماتها كفيلة بأن تُشعل ما تبقى من اتزانه، فاشتعلت عيناه بنظرةٍ مضطربة، واقترب منها أكثر
_ إيه يا مدام؟! مبقتيش تميّزي؟!
مش عارفة أنا مين؟!
جذبها إليه بقوة، حتى لم تعد تفصل شفتيهما سوى أنفاسٌ متلاحقة، ثم انحنى نحوها، مثبتًا عينيه داخل عينيها
_ أنا حبيبك… سمعتي؟! أنا حبيبك وبس، ومفيش حد غيري ليه مكان جواكي!
ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة فوق خدها، بينما حاولت إبعاد يديه عنها.
_ عبدالرحمن… بتوجعني!
لكن صوتها لم يصل إليه ؛ كان غارقًا في احتراقه الداخلي، في خوفٍ ينهش صدـ,,ـــره
_ مسمعتش! أنا إيه؟!
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستجمع ما تبقى من قوتها
_ حبيبي يا عبدالرحمن… لأنك، للأسف، حبيبي!
تبدّلت ملامحه فجأة، وانكسر شيءٌ في عينيه أمام اعترافها
_للأسف ياخديجة
رفع يده ببطء، ومسح دموعها بأطراف أصابعه، ثم مرّرها بين خصلات شعرها بحنانٍ يناقض تمامًا قسوته قبل لحظات.
جذبها إلى صدـ,,ـــره، وضمّها بذراعيه، واضعًا رأسها فوق موضع قلبه، يريدها أن تسمع بنفسها كيف يضطرب لأجلها، وكيف يختنق كلما شعر بأنها تبتعد عنه.
دفــ,,ـــــنت وجهها في صدـ,,ـــره، لكن دموعها لم تتوقف، بأسند ذقنه فوق رأسها وأغمض عينيه بقوة.
_ ايه جنوني بيكي دا
خرجت همسته مبحوحة،، وشدّ ذراعيه حولها كأنه يحتمي بها من نفسه.
لم تجبه، واكتفت بالبكاء بين ذراعيه؛
احتضنها كأنها آخر ما تبقى له من الحياة، وفي الوقت نفسه، يعاتبها كأنها السبب في كل مــ,,ـــــوتٍ يسكنه.
اغمضت عيناها ولم تكن تعرف أيهما أشد إيلامًا…
أن تكون المرأة التي أحبها رجلٌ إلى هذا الحد، أم أن تكون عاجزة عن إعادة الطمأنينة إلى قلبه بعدما صار حبها نفسه مصدـ,,ـــر عذابه.
انحنى ونظر لعيناها للحظات
_وجودي مع ماسة لأنها مريضة نفسيًا وجسديًا يا خديجة، ومرت بحاجات كتير في حياتها. حالتها مش مستقرة، وعلشان كده سيليا دايمًا معايا.
زفر باختناق
_عارف انك بتضايقي، وحقك
مرر انامله بخصلاتها
تعرفي إنها حاولت ت. بنتها أكتر من مرة؟
شهقت خديجة، ودفــ,,ـــــنت وجهها في صدـ,,ـــره، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو. كيف يمكن لأم أن تصل بها حالتها إلى هذا الحد؟! ظل يمرر كفه على خصلات شعرها بحنان، ثم طبع قبلة فوق رأسها، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يستكمل:
_جوازي من ماسة علشان أحميها، لحد ما أبوها يقوم بالسلامة. لأني وعدته، وانت عارفة أنا عمري ماخليت وعدي لحد، إحنا مش متجوزين جواز طبيعي يا خديجة، ومفيش حاجة بينا.. كنت هطلقها قبل ماانزل مصر، بس مرضها خلاني اتراجع رفع وجهها إليه، وأحاط وجنتيها بكفيه، مثبتًا عينيه في عينيها. _وحياة خديجة عندي، مفيش بينا أي حاجة، ولا حتى بقرب منها، ولا بلمس إيدها. اللي بتشوفيه قدام الناس مجرد شكل اجتماعي، مش أكتر.. الشغل عايز كدا
ارتجفت شفتاها، وأشاحت بوجهها عنه،
اعادها ينظر اليها
_خديجة بيني،وبينك المــ,,ـــــوت
اسند جبينه على جبينها
_امــ,,ـــــوت لو بعدتي تاني، همــ,,ـــــوت ياخديجة
مستعد اتنازل عن كل حاجة،حتى لو روحي
لمس وجنتيها ورفع عيناه اليها
_المهم تكوني في حــ,,ـــــضني،تكوني خديجتي اللي حلمت بيها
ظلت تطلع اليه بصمت ثم خرج صوتها مخنوقًا:
_بس أنا مش متحملة يا عبدالرحمن… مش قادرة. تألمت ملامحه، وكأنه كان ينتظر منها أي شيء إلا أن تخبره بأنها لم تعد تحتمل.
_طيب لو قولت علشان خاطري، اتحملي شوية. لسه ليها كام شهر علاج، وإن شاء الله تخف وترجع لحياتها الطبيعية. رفعت عينيها إليه، وفيهما ألف سؤال وخوف لم تستطع إخفاءه. _تخف من إيه يا عبدالرحمن؟ تأمل وجهها للحظات، ثم طبع قبلة هادئة على شفتيها، وابتعد قليلًا هامسًا: _هقولك كل حاجة، بس متسأليش في الموضوع ده تاني دلوقتي، لحد ما أقدر أحكيلك كل التفاصيل بنفسي. أومأت ببطء، فلف ذراعه حول جسدها وجذبها إليه، ظلت تنظر إليه منتظرة أن يكمل حديثه.
مال نحو أذنها، وهمس بنبرة تبدلت فجأة إلى عتاب عاشق: _طب مش قولتيلي في التليفون إني وحشتك؟ فين بقى الكلام ده؟ رفعت وجهها إليه، تنظر الى دموعه المتكدسة بعينيه، هل وصل العشــ,,ـــــق بينهما لهذا الحد، هل بالفعل يعشــ,,ـــــقها مثل عشــ,,ـــــقها الجنوني له
كان يتابع حربها مع نفسها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة وحاولت ان تهدأ من حالة غضبه
_إنت بتوحشني وإنت معايا يا عبدالرحمن. توقفت أنفاسه للحظة، ثم ضمها إلى صدـ,,ـــره بقوة، وأخرج آهًا طويلة، كأن اثني عشر عامًا من الحب والانتظار انحبست جميعها في تلك الزفرة.
_روح وحياة عبدالرحمن يا خديجة… إنتِ عارفة بتعملي فيا إيه بالكلمتين دول؟ دفــ,,ـــــنت رأسها في صدـ,,ـــره، بينما أحاطها بذراعيه كأنه يسترد شيئًا سُلب منه طويلًا.
_احكيلي بقى.
ابتسم، وقرص وجنتها برفق، قبل أن تعود الجدية إلى ملامحه.
_مصرة
اومأت قائلة
_جدا… لو عايز احارب زي مابتقول
_ماسة كان عندها كانسر، وبتتعالج منه بقالها سنتين تقريبًا. رفعت خديجة كفيها إلى فمها، واتسعت عيناها بصدمة.
_يا خبر! كانسر؟!
أومأ برأسه، وأكمل بصوت هادئ:
_أبوها عنده جلطة ومحجوز في المستشفى، وأخوها كان مسجون. ضــ,,ـــــرب واحد بعربيته وهو سايق سكران، ودخل السجــ,,ـــــن تلات سنين، لحد ما أهل المصاب تنازلوا، فخرج.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
_ومراد مرتبط ببنت مش بتحب ماسة، ووجودها في حياتهم عامل مشاكل كتير.. _طيب، إيه حكاية غسان صاحبك اللي بتتجنن من اسمه؟
سكن عبدالرحمن فجأة.
تبدلت نظراته، وانسحبت الابتسامة من وجهه، وكأنها لم تكن موجودة من الأساس. ظل يتأملها لحظات، ثم أطلق زفرة بطيئة.
_ممكن نتكلم في الموضوع ده بالذات بعدين؟ قريب أوي هفهمك كل حاجة. لم يعجبها تهربه، لكنها لم تجادله. مد يديه، واحتوى وجهها برفق، ثم نظر إلى عينيها نظرة عميقة، لا تشبه قسوته قبل قليل. _عايزك تثقي فيا يا خديجة. عمري ما فكرت أوجع قلبك، ولا عمري حبيت واحدة غيرك. أخذ يدها، ووضع كفها فوق موضع قلبه، وضغط عليه برفق. _حطي إيدك هنا… حاسة بيه؟ ده بيمــ,,ـــــوت علشانك، وبيحبك بجنون. والله لو تعرفي أنا بحارب نفسي قد إيه علشان أفضل واقف قدامك بالشكل ده، كنتِ عذرتيني في حاجات كتير.
ارتعشت أصابعها فوق صدـ,,ـــره، ورفعت عينيها إليه، ثم همست بصوت خافت: _وأنا…
أغمض عينيه بقوة، وارتفعت أنفاسه، كأن كلمة واحدة منها قادرة على إسقاط كل الحواجز التي بناها حول نفسه.
_إنتِ إيه يا خديجة؟ كملي… متسيبينيش واقف عند الكلمة
طالعته ثم قالت: _عايز نتمم جوازنا يا عبدالرحمن. فتح عينيه، وتعلقت نظراته بوجهها، نظرات أقسمت أنها تحمل عشــ,,ـــــقًا أكبر من أن تستوعبه. للحظة، خُيّل إليه أن انتظاره انتهى، وأن المرأة التي قضى عمره يحلم بها ستصبح أخيرًا زوجته بكل ما تعنيه الكلمة.
لكنها استكملت بصوت مرتجف: _مش هقدر دلوقتي. بحاول، والله بحاول، بس مش قادرة. ومش علشان ماسة ولا علشان أي حاجة تانية… أنا بس خايفة يا عبدالرحمن.
انكسر شيء داخله.
كان يتمنى لو استطاع أن ينتزع خوفها من قلبها بيديه، لو استطاع أن يعيد إليها الأمان الذي سلبته منها الأيام، مرر كفه على شعرها، ثم أسند جبينه إلى جبينها.
_خديجة، إيه رأيك تروحي لدكتور نفسي؟ يمكن يساعدك تتجاوزي اللي حصل، وتقدري تتخطي خوفك بدل ما تفضلي محبوسة جواه.
هزت رأسها بالنفي سريعًا، وكأن مجرد الفكرة ترعبها. _لا… مش عايزة. سبني على راحتي يا عبدالرحمن. متضغطش عليّا. ولو مقدرتش، يبقى كمل حياتك بالطريقة اللي تعجبك. ابتعد عنها مقدارًا ضئيلًا، وحدق في وجهها بذهول امتزج بغضب مكتوم. _أكمل حياتي بالطريقة اللي تعجبني؟! إنتِ متخيلة إن في حياة ليا من غيرك أصلًا؟ دنا وصار صوته أكثر انخفاضًا، لكنه كان مثقلًا بقسوته التي يحاول السيطرة عليها _الطريقة اللي إنتِ بتقوليلي أعيش بيها هتتعبك إنتِ قبل ما تتعبني. بلاش يأس يا خديجة، وبلاش تستسلمي لخوفك. اتمسكي فيا زي ما أنا متمسك بيكي، حتى لو كل اللي حوالينا بيقول إننا مستحيل نرجع زي الأول.
صمت قليلًا، ثم ابتعد بوجهه، وأغمض عينيه محاولًا استجماع قوته. _مش هكدب عليكي، أنا همــ,,ـــــوت وأضمك لقلبي، وأصحى كل يوم ألاقيكي مراتي بجد، مش مجرد واحدة عايشة معايا وأنا محروم منها. بس أنا مش عايز جسمك يا خديجة وإنتِ خايفة مني… أنا عايز روحك معايا، عايزك تبقي مطمنة وإنتِ في حــ,,ـــــضني، عايز خديجة تبقى عايزة عبدالرحمن في كل وقت
انا بحاول مضغطش عليكي، لكن صبري له حدود
استمعت اليع تتأمله بصمت. كانت كلماته تمزقها؛ لأنها تعرف كم يحبها، وكم تؤلمه المسافة التي لا تستطيع تجاوزها.
_هحاول يا عبدالرحمن… هحاول علشانك. تنفس بعمق، وكاد يبتسم، لولا أنها أتبعت كلماتها بما أشعل النــ,,ـــــار في صدـ,,ـــره: _بس لحد ما تطلق ماسة، وتبعد عنها نهائي… ودا بعد علاجها طبعًا، انا مش هبقى مرات الاب الشرير
تجمدت ملامحه.
_لا ياشيخة كتر خيرك والله
_هو دا اللي عندي، حالة ماسة مش هتغير قراري، مش هكون مراتك الا لما اكون وحدي ملكك ابتعد عنها فجأة، وزفر بغضب، ثم مرر كفه على وجهه بعصبية، قبل أن يلتفت إليها.
_انت عايزة تنضــ,,ـــــربي يعني ولا ايه
_يعني بعد كل اللي قولتهولك ده، وبعد ما شرحتلك كل حاجة، لسه شاغلة نفسك بيها؟! استندت إلى صدـ,,ـــره، ورفعت عينيها إليه
_ مش هتلمسني يا عبدالرحمن، لحد ما أكون أنا الوحيدة في حياتك. انتفض واقفًا، فاختل توازنها وسقطت على وجهها. _طيب! أنا قولتلك كل حاجة، ومخبيتش عنك حاجة تخص ماسة، ودلوقتي مبقاش عندك حجة! أوقفها أمامه، ومد يده يفك زراير بيجامتها وصدـ,,ـــره يعلو ويهبط، وعيناه معلقتان بوجهها الذي شحب من حركته
_انت بتعمل ايه ياعبدالرحمن؟
تسائلت بتقطع
أمسك بيدها، ثم جذبها نحوه، حتى أصبحت قريبة منه، ومال إلى أذنها، يتحدث بنبرة هادئة على نحوٍ مخيف، كأنه اتخذ قراره ولن يسمح لأحد بمراجعته. _تلات أيام بس يا خديجة… تلات أيام، وتكوني مدام عبدالرحمن قولًا وفعلًا. تراجعت عيناها إلى عينيه، تبحث فيهما عن الرجل الذي احتواها منذ دقائق، فلم تجد سوى عاشق أنهكه الانتظار رفع وجهها إليه، وأضاف بصوت أجش: _اتناشر سنة وأنا مستني اليوم ده، ومش هسمح لك بعد كدا
عايز ولاد ياخديجة، وقبل ماتنطقي منك
ياخديجة، ولادي مش هيكونوا غير منك لو بالغصب، اجهزي لكدا
تركها ببطء، ثم ابتعد خطوتين، وكأنه يخشى أن يضمها مرة أخرى فينسى كل ماهددها أما خديجة، فظلت واقفة مكانها، تنظر إليه بقلب مضطرب.
_انت ممكن تعمل كدا غصب عني
نزع قميصه والقاه بااهمال، ولم يرد عليها
دلف للحمام، واتجه الى الكابينة، ينزع ثيابه بالكامل، ثم اتجه يقف تحت المياه، وقلبه كمضخة يحاول السيطرة على تهدئته
بينما بالخارج جلست تنظر لباب الحمام المغلق
ارتفع رنين هاتفه، نظرت للهاتف، ثم نظرت وسحبته، ورفعته
_نعم
_فين عبدالرحمن
صمتت لثواني، ثم خطرت في ذهنها فكرة
_وسع بقى ياعبدالرحمن، ماسة عايزة تكلمك، عبدالرحمن استنى، ثم اغلقت الهاتف، تنظر اليه، ورغم حزنها على ماسة الا أنها امرآة عاشقة حد الممات
_اسفة، بس قبل مايكون جوزك فهو حبيبي
قالتها ونهضت بخروجه
من الحمام، يجفف خصلاته، توقف ينظر اليها، ثم القى المنشفة
_ايه مش هتنامي
سحبت الوسادة وتحركت الى الاريكة
_رايحة انام
جذبها قبل وصولها
_تنامي فين إن شاءلله
_عبدالرحمن سبني لو سمحت
سحبها من ذراعيها، وتحرك بها الى الخزانة، ثم اخرج منه منامة سوداء شفافة
_البسي دي، متتأخريش
_اللي هو ازاي
عاد اليها، واطبق على ذراعيها
_قدامك خمس دقايق، يااما اغير لك انا
ولو شوفتك لابسة بيجاما تاني هقطعها، انت نايمة جنب جوزك مش اخوكي
قالها وخرج دون اضافة حرف
بعد فترة توقفت تنظر لهيئتها بصمت مريب، ثم
سحبت روبها وارتده وتحركت للخارج
بالخارج، كان يقف بالشرفة يدخن سيجارته بشرود، تحركت للاريكة وتمددت عليها
دقائق قليلة ثم دلف، توقف ينظر لجسدها المنكمش على الاريكة
تحرك اايها وانحنى وحملها متجها بها الى الفراش
_مش عايزة انام على السر,,ـــــير
_هو انا بقولك تعالي نخرج، مكانك الطبيعي يامدام في حــ,,ـــــضن جوزك، ولا متجوزك علشان تنامي على الكنبة، ماكنتي نمتي في بيت ابوكي، اهو على الاقل ماتشغلنيش
لكمته صارخة
_بطل قلة ادب، وايه مدام اللي بقت لبانة في بوقك
القاها بقوة فوق الفراش
شهقت متأوهة
_اااه… انحنى وحاوطها بجسده
_الف سلامة يامدام،
ايه وجعتك الخبطة، قومي اخلعي الزفت اللي متغطية بيه دا
_لا ياعبدالرحمن، بلاش لو سمحت
مد يده وفك حزام الروب، كان يعلم انها تريد ان تخبأ اثار جروحها عنه، ولكن اصراره عن إنها تعتاد على رؤيته بكل حالاتها، يريد ان يصبح لها امان قبل ان تعتبره زوج
القى الروب، وابتعد بنظره في محاولة ان يتغاضى عما يراه بجسدها، قلبه يتفتت لشظايا، ورغم ذلك تمدد وسحبها الى أحضانه، بينما هي كانت نظرات جامدة باتجاه النافذة، لم تنظر اليه..
ولا تتحرك، تركته يفعل مايريد كأنها دمية
وضعت رأسها على صدـ,,ـــره، وسحب الغطاء عليها، في محاولة للسيطرة على مشاعره التي يحاول كبتها وهو يراها بتلك الهيئة، لكنه يحارب نفسه قبل ان يحاربها، لابد ان تتقبله وهي على هذه الحالة
ذهبت بنومها خلال دقائق كالطفلة، راقب انفاسها التي هدأت، ثم وضع رأسها بهدوء على الوسادة، وظل يتابعها بعيناه
لمس وجنتيها وعيناه تنطق بالعشــ,,ـــــق، يعشــ,,ـــــقها حد الجنون، يستطع ان يحارب الكون لاجل لحظة بااحضانه، مرت عيناه على جسدها رغم محاولاته التغاضي حتى لايضعف
مرر انامله ببطء حذر على مقدمة ثوبها، وكأن جروحها اصبحت ندباب لروحه
ظلت عيناه على
كل انش بها كانه يحفظها
لحظة اثنان حتى مرت دقيقة ليضعف ولم يفقد سيطرته، يقترب منها يقبل كل جرح يقابله ودموعه تنزل بصمت
رفرفت اهدابها بعدما شعرت به
_عبدالرحمن
رفع رأسه اليها، تقابلت العيون في حديث مؤلم لكليهما، ثم لملمت ثيابها تهمس بخفوت
_متشليش نفسك فوق طاقتها
رفع رأسها لمكانها ثم اغلق عيناه
_نامي…. مش عايز اسمع صوتك
بقلم سيلا وليد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل ماسة
ما إن أغلقت خديجة الهاتف، حتى هوت ماسة جالسة على طرف الفراش، تضم جسدها بذراعيها، استقرت عيناها على الجرح الممتد بيدها.
مررت أناملها المرتجفة فوقه، فانفتح باب ذاكرتها على تلك الليلة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب مع عبدالرحمن، الذي لم تعد تراه سوى حبيب
عودة إلى تلك الليلة…
استيقظت صباحًا برأس ثقيل، ففركت جبينها متأوهة، ثم راحت تتفحص الغرفة بعينين مثقلتين بالنعاس. حاولت أن تستعيد ما حدث في الليلة الماضية، لكن ذاكرتها بدت كصفحة ممزقة، لا تحتفظ إلا بمشهد واحد؛ جلوسها مع عبدالرحمن، وهو ينقل بعض الأعمال إلى جهازه، بينما كانت تراقبه باهتمام.
التفت إليها يومها قائلًا بهدوء:
_كل اللي اتعمل هنا سجلته باسم غسان. هو قالي ما أبعتلوش حاجة دلوقتي، علشان دماغه هتكون مشغولة بنهى.
إنتِ احفظيهم كويس برضه، أنا نقلت كل حاجة من على الجهاز عندي.
سحبت منه الجهاز بابتسامة وقالت بمرح:
_أوكييييه… ميرسي يا سيدي.
نهض يجمع أغراضه، بينما ظلت تتابعه بعينيها.
_بكرة هتأخر على الشغل.
رفعت رأسها نحوه باعتراض:
_لا، مينفعش! كفاية غسان مش موجود، إنت كمان؟
ألقى حقيبته على كتفه، ثم أجابها بلامبالاة:
_اتصرفي إنتِ، بيقولوا عليكي ذكية.
_آه، بس يا عبدالرحمن، لازم حد يكون موجود. وغسان قالي إنك هتبقى مكانه، وده معناه إنه بيثق فيك جدًا، ودي في حد ذاتها مش حاجة بسيطة.
لم يبدُ عليه التأثر بكلماتها، بل اكتفى بالنظر إليها للحظة قبل أن يقول:
_بشمهندسة، مادام اعتذرت، اعرفي إن الموضوع مهم.
ضيقت عينيها بمكر، ثم قالت وهي تراقب ملامحه:
_أوعى يكون عندك موعد غرامي!
تجمدت يداه فوق سحاب الحقيبة، وسكن وجهه لثانية خاطفة، قبل أن يرفع عينيه إليها. لم يقل شيئًا، ولم يمنحها ؛ اكتفى بقوله:
_بعد إذنك.
حمل حقيبته وتحرك نحو الباب، لكنها أسرعت خلفه وأمسكت بذراعه.
_إنت زعلت ولا إيه؟
سحب ذراعه برفق، مجيبًا ببرود:
_لا، مزعلتش. بعد إذنك.
_إيه يا عبدالرحمن، هتمشي من غير ما تتغدى معانا؟
جاءه صوت غياث من خلفه، فتوقف والتفت إليه باحترام.
_شكرًا يا غياث بيه، عندي شغل.
اقترب غياث منه، وقال بنبرة لا تقبل الاعتراض:
_اتغدى وامشي، عايزك في موضوع مهم.
نظر عبدالرحمن إلى ساعته، ثم تنهد مستسلمًا.
_بلاش غدا، ممكن تقول حضرتك عايز إيه؟
لكن غياث لم يجبه، بل التفت إلى ابنته قائلًا:
_ماسة، بلغيهم يجهزوا الغدا، ويعملوا حساب عبدالرحمن.
استجابت لطلب والدها، بينما عاد عبدالرحمن إلى مقعده، لا يعلم أن دقائق قليلة ستصبح ذكرى تطاردهما معًا، كلٌّ بطريقته.
بعد انتهاء الغداء، جاءت الخادمة تحمل طبقًا من الفاكهة، ووضعته فوق الطاولة قبل أن تنصرف.
مدت ماسة يدها والتقطت حبة فراولة، ثم التفتت إلى عبدالرحمن بابتسامة ودودة.
_غسان بيقولي إنك بتحب الفراولة أوي، بس أكيد دي مش زي بتاعة مصر.
نظر إلى الثمرة بين أصابعه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة، حين تذكر عشــ,,ـــــق محبوبته لعا اومأ لها مبتسمًا وهو يتناولها.
ضحكت ماسة
_أخيرًا يا عم ضحكت!
أهو بكلمك مصري، تعرف إن بابا وعمي رفضوا إننا نتكلم مع بعض غير بالمصري؟
أجابها:
_باباكي معتز ببلده، وده شيء يتحسب له.
هزت رأسها متفقة معه، ثم قالت بتذمر مصطنع:
_آه، بس صاحبك تقيل شوية. ما بدأش يصحح اللغة غير معاك!
ضحك عبدالرحمن بخفة، وقال:
_فعلاً، غسان تعبنا جدًا في اللهجة، ولسه بيحشر إنجليزي في نص الكلام.
ابتسم بحب وردد:
_غسان يستاهل كل حاجة حلوة.
التفت إليها ، وتأمل ملامحها لثوانٍ، ثم قال بنبرة حملت معنى لم تستطع تجاهله:
_يا بختك بيه.
خفتت ابتسامتها قليلًا، وانسحبت عيناها بعيدًا عنه، قبل أن تتمتم:
_يا بختي فعلًا.
خرجت ماسة من شرودها في هذا الصباح بعد تذكرها جلوسها معه، وكيف تحول اللقاء الى كلمات مضحكة على غير عادته، فالتفتت نحو الفراش المجاور لها. كان عبدالرحمن مستلقيًا هناك، نائمًا بملامح هادئة.. ويبدو انه بدون ملابس
حدقت فيه طويلًا، ترى على وجهه اثار لاحمر الشفاة، شهقت تضع كفيها على فمها، وبدأت تتذكر همسه باسم خديجة، ولكن الصورة لم تجتمع بعد، همست بصوت مرتجف:
_عبدالرحمن…فوق إنت بتعمل إيه هنا؟
لم يجبها.
مدت يدها، ولكزته بخفة في ذراعه، ففتح عينيه بتململ، ثم ابتسم لها ابتسامة ناعسة.
_صباح الخير يا حبيبتي.
تجمدت ملامحها.
_نعم؟! إيه اللي حصل؟
وفي اللحظة التالية، انتفض من نومه، واعتدل جالسًا، ثم راح يتلفت حوله في ذهول، كأنما بدأ يستوعب المكان الذي استيقظ فيه. اختفت ابتسامته تمامًا، واتسعت عيناه بصدمة امتزجت بالغضب.
_أنا… أنا إيه اللي جابني هنا؟!
كانت صرخته آخر ما بقي عالقًا في ذاكرتها بوضوح؛ صرخة لم تفهم يومها إن كانت ابتسامته كانت تخص خديجة.
عودة إلى الحاضر…
انهمرت دموع ماسة بغزارة، وهي تستعيد تفاصيل تلك الليلة التي باتت لعنتها الخاصة.
في تلك اللحظة، طرقت الخادمة الباب قبل أن تدلف إلى الغرفة بحذر.
_الأكل يا مدام.
لم ترفع ماسة رأسها، بل أجابتها بفتور:
_مش عايزة.
اقتربت الخادمة قليلًا، وقالت بتردد:
_مينفعش يا هانم، البيه قال لازم تاكلي.
رفعت ماسة رأسها فجأة، واشتعلت عيناها بالغضب.
_امشي إنتِ والبيه بتاعك! روحي عنده هو، والغبية مراته!
ارتبكت الخادمة، لكنها حاولت التمسك بهدوئها.
_مدام، لو سمحتِ…
_اطلعي برة!
خرج صوت ماسة حادًا، فانتفضت الخادمة وتراجعت مسرعة. وما إن أُغلق الباب حتى دفــ,,ـــــنت ماسة وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مكتوم، تضغط على شفتيها كي لا يسمعها أحد.
ارتفع رنين هاتفها، فالتقطته بعصبية، وما إن رأت اسم شقيقها حتى أجابت على الفور، دون حتى أن تلقي التحية.
_هفضل لحد إمتى أحس إني يتيمة يا مراد؟! قولي إمتى هتحسسني إنك أخويا بجد؟!
جاءها صوته متعبًا:
_عايزة إيه يا ماسة؟
شهقت، وكأن سؤاله طعن آخر ما تبقى لديها من صبر.
_عايزة جوزي يا مراد! وعدتني إنك هتحسن علاقتي بعبدالرحمن، وإن كل حاجة هتتغير، وأنا صدقتك!
صمت مراد لحظة، ثم قال بنبرة حاسمة:
_ماسة، الكلام ده كان قبل ما أعرف بمراته. إنتِ ما شوفتيش عمل إيه في غسان قدام الكل؟
الموضوع أكبر من اللي إنتِ متخيلاه.
_مش مهم! مش مهم أي حاجة غير إنه يرجع لي! اتصرف يا مراد، عبدالرحمن لازم يرجع ليا أنا!
_ماسة، اهدي شوية. أنا هفكر وأقولك.
_تفكر في إيه تاني؟! اغلقت الهاتف
ثم وضعت كفيها على وجهها، تبكي بحــ,,ـــــرقة.
وفجأة، انقطع بكاؤها حين تذكرت سيليا.
رفعت رأسها ببطء، وتبدلت ملامحها، وكأن فكرة ما بدأت تتشكل داخل عقلها. مسحت دموعها بعنــ,,ـــــف، ثم نهضت عن الفراش، واتجهت نحو الباب بخطوات متسارعة، وهي تتمتم بوعيد:
_أنا هخليك تيجي دلوقتي زي المجنون يا عبدالرحمن… وساعتها نشوف هتقدر تبعد عني إزاي!
بمنزل غسان
وقف أحد الرجال أمام المكتب، يضع مجموعة من الصور والملفات فوق الطاولة، بينما جلس غسان خلف مكتبه، يتفحص ما أمامه بتركيز شديد.
قال الرجل:
_دي كل المعلومات اللي قدرت أجمعها عن البنت صاحبة الصورة.
مد غسان يده، والتقط الصور واحدة تلو الأخرى، يقلبها بين أصابعه، قبل أن يرفع عينيه إليه متسائلًا:
_ودي مين؟
أشار الرجل إلى الصورة الأولى.
_دي أمها، مريضة وقعيدة، وقاعدة معاها عند عبدالرحمن. وده أخوها، عنده ورشة لسه شاريها من كام يوم، ودي مراته.
انتقل إصبعه إلى صورة أخرى، فتوقف غسان عندها، متأملًا ملامح الرجل الظاهر فيها.
_ ده طليقها.
رفع الصورة أمام عينيه، متفحصًا وجه الشاب الذي بدا في أوائل الثلاثينيات، بملامح أنيقة وملابس توحي بانتمائه إلى طبقة اجتماعية ميسورة.
تابع الرجل:
_كانوا في إسكندرية، لكن رجعوا القاهرة بعد سجــ,,ـــــنه. اتسجــ,,ـــــن أربع سنين في قضية تعاطي ودعارة، وفي كلام كتير بيتقال عليه، بس مفيش دليل مؤكد.
رفع غسان عينيه عن الصورة، وسأله بجدية:
_دعارة، كلام زي إيه؟
هز الرجل رأسه.
_كتير يا بيه، بس محتاجين نتأكد منه علشان المعلومات اللي عندك تبقى كاملة.
أعاد غسان النظر إلى الصورة، ثم أخرج من الملف ورقة أخرى، يتفحص ما دُوّن فيها.
_هو كان رافض يطلقها، صح؟
_أيوه يا بيه. هي اتطلقت بعد سجــ,,ـــــنه بكام شهر، وكان رافض الطلاق تمامًا، لحد ما القضية اتحكم فيها واتأكد إنه مش هيخرج بسهولة.
أخذ غسان يحك ذقنه، وعيناه معلقتان بصورة مروان.
رفع رأسه أخيرًا، وقال بلهجة قاطعة:
_عايز معلومات أكتر عنه. أي حاجة تخص حياته، علاقاته، الناس اللي كان بيتعامل معاهم قبل السجــ,,ـــــن وبعد ما خرج. ولو قدرت ترتبلي مقابلة معاه بطريقة غير مباشرة، شوف الموضوع.
أومأ الرجل باحترام.
_تحت أمرك يا بيه. محتاج مني حاجة تاني؟
أعاد غسان ترتيب الصور أمامه، ثم رفع إحداها، وظل يتأملها للحظات قبل أن يجيب:
_أيوه. عايز حد يراقبها أربعة وعشرين ساعة. كل تحركاتها تبقى معروفة، وأي حد يدخل البيت أو يخرج منه، أعرف مين هو وسبب الزيارة. عايز المعلومات دقيقة، ومفيش تفصيلة تعدي من غير ما أعرفها.
_تحت أمرك يا بيه.
غادر الرجل المكتب، بينما
استند غسان إلى ظهر مقعده، ثم التقط صورة خديجة مرة أخرى. مرر إبهامه فوق حافتها، وظلت عيناه معلقتين بملامحها
_حلوة كتير، ياخديجة، له حق يمــ,,ـــــوت عليكي
بمنزل عبدالرحمن
استيقظت من النوم، تبحث عنه لم تجده، اعتدلت تجمع خصلاتها، وقعت عيناها على ورقة مدونة بجوار الفراش
_صباح الخير حبيبتي، روحت اجيب سيليا، بتعيط ومش عايزة تقعد مع أمها
ظلت تقلب الورقة بيدها، ثم تذكرت ماصار بالأمس معهما
دلفت الخادمة إليها
_مدام الفطار جاهز، البيه جه هو سيليا ومدام ماسة
_مدام ماسة
اومأت لها، صمتت تنظر إليها ثم اشارت على الخزانة
_ حضّريلي حاجة كويسة ألبسها.
أمرت خديجة خادمتها، بينما ظلت جالسة أمام المرآة، تتأمل انعكاس وجهها بشرودٍ
عادت بعد دقائق تحمل رداءً أنيقًا باللون الذهبي، ومدّته إليها قائلة:
_ اتفضلي يا هانم، إيه رأيك في ده؟
ألقت خديجة نظرة عابرة عليه، ثم هزّت رأسها برفضٍ قاطع.
_ لأ… أنا عايزة فستان أحمر. عندك الأحمر كتير، شوفي حاجة تليق بالاحتفال.
_ تحت أمرك يا هانم.
بعد فترة…
وقفت أمام المرآة تتأمل هيئتها بعدما انتهت من ارتداء فستانها الأحمر، الذي انسدل على جسدها بأناقةٍ لافتة، بينما أبرزت قصته الواسعة جمال عنقها وكتفيها.فلقد كان مفتوحًا من الأمام بشكل مغري، يظهر فتنتها، رفعت خصلات شعرها إلى أعلى، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم راحت تتفحص مجوهراتها قبل أن تستقر أصابعها على سلسالٍ رقيق يتدلى منه اسم عبدالرحمن.
توقفت للحظة، مررت إبهامها فوق حروف اسمه، ثم ارتدته حول عنقها
وضعت أحمر شفاه صارخًا، زاد ملامحها جمالًا وجرأة، ثم اقتربت من المرآة تتفحص وجهها بعناية، تتأكد من أن مستحضرات التجميل قد أخفت آثار الجروح التي لم تكن مستعدة لأن يراها أحد.. يكفي رؤيته لها
ارتسمت على شفتيها ابتسامة
_ رايح يجيب مراته تفطر معايا؟ تمام يا بودي… إنت اللي بدأت، متلومش غير نفسك بقى.
قالتها وهي ترفع ذقنها قليلًا، ثم استدارت متجهةً إلى الباب، وقد اتخذت قرارها بألّا تمنح أحدًا فرصة لرؤية ضعفها
هبطت درجات السلم بخطواتٍ واثقة، تتمايل أطراف فستانها الأحمر مع حركتها، بينما يطرق كعب حذائها الأرض بإيقاعٍ منتظم، معلنًا عن وصولها
كان عبدالرحمن يجلس إلى مائدة الإفطار، يحمل سيليا بين ذراعيه، ويطعمها بصبرٍ وحنان، بينما تنشغل الصغيرة بطعامها تارة، وتلتفت إليه تارة أخرى بابتساماتها البريئة.
لكن صوت الكعب أجبره على رفع عينيه.
توقفت نظراته عليها، وتجمدت ملامحه للحظاتٍ قصيرة؛
لم يكن يتوقع أن يراها بهذه الهيئة، بهذا الجمال الذي تعمدت إظهاره، ولا بتلك الجرأة التي بدت وكأنها إعلانٌ صريح عن تحدٍّ لم يفهم حدوده بعد.
كان الفستان الأحمر يلفت النظر، وشعرها المرفوع يكشف عن عنقها، أما شفاهها المرسومة بعناية، وابتسامتها الواثقة، فقد جعلت عينيه تتعلقان بها رغمًا عنه.
_ صباح الخير يا ماسة.
ألقت تحيتها بهدوء، ثم اقتربت منه وانحنت تطبع قبلة بجوار شفتيه، في حركةٍ بدت عفوية لمن يراها، لكنها لم تكن كذلك تمامًا.
_ صباح الخير يا عبودي.
قالتها بدلالٍ وانحنت تقبله بجوار شفتيه، ثم استقامت في وقفتها، و ألقت نظرة خاطفة على وجهه، تراقب أثر اقترابها فيه، قبل أن تتجه إلى سيليا التي أخذت تتأملها بإعجاب.
_ إنتِ حلوة أوي أوي يا ديجا!
تعلقت عينا خديجة بالصغيرة، واتسعت ابتسامتها قليلًا، الى أن استقرت عينا ماسة في اللحظة نفسها على عبدالرحمن، الذي نهض من مقعده ببطء، ينظر اليها ثم قال
_الروج دا بطعم ايه
_ضغطت على شفتيها بخجل متصنع تنظر للأرض، فاقترب منها
_هو النهاردة عيد الأم
لكزته وهي تدفــ,,ـــــن رأسها بكتفه تمنع ضحكتها
_بت ياسيلي، غمضي عيونك، لازم أعرف الروج بطعم ايه
التفت الى ماسة، وقالت بدلال مغوي
_عيب..
لم نفسك على الصبح، مش مكفيك طول الليل
رمقها بااستفهام
_طول الليل، سحبها بقوة لترتضطم بصدـ,,ـــره
_عجبني أوي إن كيدهن عظيم، طيب مكنتيش تكملي بقميص من غير قماش، احسن ماجالي عمى من تي شيرت الأهلي دا
_عبدو حبيبي… قهقه بصوت مرتفع وحاوط خصرها ينادي على الخادمة
_حد يروح يجيب هدوم مدام ماسة من بيتها.. غمز الى خديجة وهمس اليها
_عايز اشوف اللي تحت الفستان
وقبل أن تنطق، دلفت الخادمة إلى المكان، وانحنت قليلًا وهي تعلن:
_ أستاذ غسان وصل يا فندم.
لم ينتظر غسان الإذن بالدخول؛
دفع الباب ودلف بخطواتٍ سريعة، وما إن تجاوز عتبة الغرفة حتى تباطأت خطواته فجأة.
وقعت عيناه على خديجة.
كانت واقفة أمام عبدالرحمن، دون حجاب، وقد انسدلت خصلات شعرها المصففة بعناية حول وجهها، بينما زادها الفستان الأحمر جمالًا، وأكمل التجميل ملامحها التي للأول مرة يراها بهذه الهيئة اكثر هدوءًا وبساطة.. ورقة
توقف مكانه، وتعلقت عيناه بها للحظاتٍ أطول مما ينبغي، كأنه لم يتوقع أن يراها بهذه الصورة، أو ربما لم يكن مستعدًا لأن يكتشف مقدار الجمال الذي تخفيه خلف ملامحها المعتادة.
التفت عبدالرحمن على وقع خطواته، ثم استدار نحوه، التفت غسان اليه
_ صباح الخير.
قالها غسان أخيرًا، لكن نظراته لم تستقر على عبدالرحمن إلا لثانيةٍ واحدة، قبل أن تعود إلى خديجة