سكت قليلًا، ثم انحنى يقبّل جبينها، وأردف بصوتٍ أكثر انكسارًا:
_أنا بقيت مهووس بيكي، بعشقك لدرجة إني ساعات مبعرفش أتصرف إزاي من كتر خوفي أخسرك. لو أقدر أديكي عمري كله، وأضمن إنك تفضلي مبسوطة وآمنة، مش هتردد لحظة واحدة. بس أنا مش عايزك تفضلي معايا لمجرد إنك بتحبيني… أنا عايزك تفضلي علشان قلبك مرتاح معايا، علشان تبصيلي وتحسي إنك في أمان
كانت تستمع إليه بعينين لامعتين، فيما أخذ قلبها يلين رغم كل ما حمله من تعب.
لم تكن تحتاج إلى كلماتٍ جميلة بقدر ما كانت تحتاج إلى أن تشعر بأنه يراها، يرى خوفها ووجعها، ولا يطالبها بأن تتجاوزه وكأن شيئًا لم يكن.
رفعت يدها بصعوبة، ولمست وجنته.
_وأنا كمان بحبك يا عبدالرحمن… بحبك أوي.
انحنى يقبّل كفها، ثم ضمه إلى صدره، وانفلتت منه آهةٌ طويلة، آهة رجلٍ اكتشف متأخرًا أن أكثر ما يخيفه ليس فقدان المرأة التي يحب، بل أن يكون هو السبب في انطفاء النور الذي أحبها من أجله.
_آسف… سامحيني يا روح قلب عبدالرحمن.
أغمضت عينيها، وأراحت رأسها فوق صدره.
_عايزة أنام… سبني أنام شوية.
توقف عن الكلام، لكنه لم يتوقف عن النظر إليها. طبع قبلةً هادئة فوق جبينها، ثم مرر أنامله على وجنتها بحنان.
_بس أنا مش عايزك تنامي دلوقتي… عايز أتكلم معاكي، عايز أحكيلك كل حاجة، عايز أقولك قد إيه أنا…
قاطعته بصوتٍ واهن، اختلطت فيه الدموع بالتعب:
_مش قادرة يا عبدالرحمن… جسمي كله واجعني أوي. مش قادرة حتى أعدل نفسي، علشان خاطري، سبني أنام. أنا مش زعلانة منك.
تبدلت ملامحه في لحظة، وتلاشت الكلمات من فمه.
نظر إلى وجهها الشاحب، إلى التعب الذي استقر في عينيها، وإلى الطريقة التي تحاول بها أن تطمئنه رغم أنها لا تكاد تحتمل ألمها. شعر بالخزي من نفسه؛ حتى في لحظة احتياجه إلى سماعها، لم ينتبه إلى أنها لم تعد تملك طاقةً تمنحها لأحد.
أحاطها بذراعه برفق، محاولًا أن يجعل استلقاءها أكثر راحة.
_خلاص يا حبيبتي، نامي. مش هتكلم، ومش هضغط عليكي في أي حاجة. ارتاحي بس
رفعت كفيها إلى وجهه، واحتضنت وجنتيه بينهما، ثم همست بابتسامةٍ واهنة:
_محدش بيزعل من روحه يا عبدالرحمن… وإنت روحي وحياتي.
انهار شيءٌ داخله.
لم يستطع أن يجيبها، ولم يجد في صدره مساحةً لكلمةٍ واحدة. انحنى إليها، وقبّل شفتيها قبلةً طويلة، مشبعةً بالشوق والندم، قبلة رجلٍ يريد أن يعتذر عن كل لحظةٍ جعلها تشعر فيها أنها أقل من أن تُحب، وعن كل مرةٍ تركها تواجه خوفها وحدها.
وحين ابتعد قليلًا، ظل قريبًا منها، يتأمل وجهها، بينما راحت أنفاسه تضطرب، وراحت عيناه تتنقلان بين ملامحها كما لو أنه يحاول أن يحفظها من جديد.
_عارفة أنا بحس بإيه لما ألمس شفايفك؟
لم تجبه، وظلت عيناها مغمضتين، وقد أثقلها التعب.
ابتسم ابتسامةً مرتجفة، وأراح جبينه فوق جبينها.
_بحس إني في السما…
بحس إن ربنا اداني الدنيا كلها في اللحظة دي. تخيلي، كل ده من لمسة منك، من قبلة منك يا خديجة… أومال لو تعرفي إنتِ عاملة إيه في قلبي!
فتحت عينيها فجأة، وحدقت فيه، فوجدته يبتسم لها بعشقٍ صريح، لا يشبه قسوته قبل ساعات، ولا غضبه الذي كان يجعلها تتردد قبل أن تقترب منه.
لكن شيئًا ظل عالقًا في صدرها، شيئًا لم تستطع ابتلاعه مهما حاولت.
ترددت، ثم سألت بصوتٍ خافت:
_مش هتقرف مني يا عبدالرحمن؟
اختفت ابتسامته.
_إيه؟
_مش كنت ملك لغيرك؟ مش هتيجي في يوم تبصلي وتفتكر إني كنت مع حد تاني قبلك؟
مش هتندم إنك اتجوزتني؟
خرجت الكلمات الأخيرة متعثرة، وانسحبت عيناها من عينيه، كأنها تخشى أن ترى فيهما الإجابة التي ظلت تطاردها في أسوأ لحظاتها.
أحس بقلبه يتمزق.
كيف أوصلها إلى هذه الدرجة من الخوف؟ كيف جعلها تشك حتى في حقها بأن تُحب دون أن تُحاسب على ماضيها؟
رفع وجهها بين كفيه، وأجبر نفسه على التحدث بهدوءٍ، حتى لا يضاعف خوفها.
_بصيلي يا خديجة.
رفعت عينيها إليه بصعوبة.
_. إنتِ خديجة… البنت اللي قلبي اختارها، والست اللي أنا اخترت أكمل معاها عمري.
ومش هسمح لماضيكي، ولا لوجعك، ولا لأي حاجة حصلت غصب عنك، إنها تتحول لسلاح أوجعك بيه.
ارتجفت شفتاها، فمسح بإبهامه على وجنتها، ثم تابع:
_حتى لو كنتِ اتجوزتي قبلي عشر مرات، كنت هفضل أحبك… انت خديجتي، خديجة عبدالرحمن، القدر يبعدنا بس مكتوب لنا نتجمع تاني
انحنى وطبع قبلةً حانية على جبينها، ثم أسند رأسها إلى صدره.
_إنتِ مش ماضي يا خديجة… إنتِ عمري اللي جاي. إنتِ الحكاية اللي مهما تعبتني الدنيا، مش عايز أوصل لآخرها. إنتِ قصة عشق عبدالرحمن، وأجمل حاجة حصلت له في حياته.
سقطت دمعةٌ من عينها، فالتقطها بطرف إصبعه، ثم ضمها إليه بحذر.
_نارك جنة يا خديجة، وجنتك حياة لعبدالرحمن… بس أنا مش عايز نارك تحرقني، عايز نارك تعشقني، ولا عايز حبي يبقى وجع جديد ليكي.