أنا عايز أبقى الشخص اللي لما الدنيا تقسى عليكي، تلاقيه فاتح دراعاته ومستنيكي، من غير ما يخوفك، ومن غير ما يحسسك إنك مطالبة تدفعي تمن حبك ليه.
حدقت فيه طويلًا، ثم ارتعشت شفتاها وهي تهمس:
_بجد يا عبدالرحمن؟ يعني مش هتندم في يوم إنك اتجوزتني بعد ما سبتك ورحت لغيرك؟ زي ما كنت بتقول؟
أغمض عينيه بألمٍ، ثم
فتحهما ونظر إليها بصدقٍ لم يحاول تجميله.
_أنا اللي ندمان يا خديجة… ندمان على كل مرةٍ وجعتك فيها بكلمة، وعلى كل مرةٍ خليتك تشكي في نفسك، وعلى كل مرةٍ خليتك تحسي إنك لازم تثبتيلي إنك تستاهلي حبي.
إنتِ مش محتاجة تثبتيلي حاجة. وأنا مش هقدر أغير اللي فات، بس أقدر أحاسب نفسي على اللي جاي.
ضمها إلى صدره، ثم همس عند أذنها:
_لآخر يوم في عمري، لو ربنا كتبلي العمر، مش هبقى عايز غيرك في حضني. ومش هخليكي تحاربي وحدك علشان تصدقي إنك حبيبتي.
ارتجف قلبها بين ضلوعها، ودفنت وجهها في صدره، بينما تساقطت دموعها بصمتٍ فوق قميصه.
كان هناك شيءٌ في داخلها يريد أن يصدقه دون خوف،. لكنها كانت تعرف أن الكلمات، مهما بلغت رقتها، لا تمحو وجعها الذي مرت به في ليلةٍ واحدة.
ومع ذلك، تشبثت به.
أما هو، فضمها برفقٍ هذه المرة، تاركًا لها المساحة التي تحتاجها، لا يريد منها اعترافًا آخر، ولا وعدًا، ولا حتى أن تنظر إليه. كل ما أراده أن تشعر بالأمان بين ذراعيه، ولو لليلةٍ واحدة.
وبعد صمتٍ طويل، همس:
_بالنسبة لماسة، هتصل بمراد الصبح، ييجي ياخدها، عايزك تكوني مطمنة
رفعت رأسها سريعًا، وظهر في عينيها شيءٌ من الدهشة.
_بجد؟
ابتسم رغم الغصة التي عادت تخنق صدره، ومسح على شعرها.
_بجد يا حبيبتي.
أغمض عينيه لحظةً، يحاول إخفاء الألم الذي اجتاحه لمجرد سعادتها ثم فتحهما حين أحس بأناملها تلامس وجهه.
كانت تنظر إليه بحنانٍ أضعف مقاومته، ثم همست:
_أهم حاجة عندي إنت يا عبدالرحمن.
توقف قلبه لحظةً، أو هكذا خُيل إليه.
رفع يدها إلى شفتيه، وقبّل أطراف أصابعها، ثم أسندها إلى صدره، حيث كان قلبه يخفق بعنفٍ تحت كفها.
_وأهم حاجة عندي إنتِ يا خديجة… راحتك، وأمانك، وإنك متخافيش مني أبدًا.
سكتت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خفيض، كأنها تخشى أن تفسد ما عاد بينهما من هدوء:
_بس هي أم بنتك يا عبدالرحمن.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم مرر يده على شعرها، وقال بهدوءٍ حاسم:
_حتى لو… مسؤولية بنتي هتفضل مسؤوليتي، وده حقها عليّا.
لكن ده مش معناه إنها تفضل معايا، كان اتفاقنا بعد حملها الطلاق، لكن مرضها خلاني أجل شوية، وكمان مرض باباها، وسجن اخوها، فيه حاجات تانية،هيجي الوقت اللي تعرفيها، بس مش وقت تعرفي غير انك أهم حاجة عندي في الكون دا،مستعد احرق اي حد يقرب منك او يزعلك حتى لو أنا
أغمضت خديجة عينيها، وأراحت رأسها فوق صدره من جديد، بأخذ يمسح على شعرها ببطءٍ، يراقب أنفاسها وهي تنتظم شيئًا فشيئًا.
ظل مستيقظًا، يحتضنها كما لو أنه يحرسها
من نفسها
أسند رأسه إلى جوار رأسها، يستنشق أنفاسها الهادئة، وظل قريبًا منها، يضمها إليه حتى غلبه النوم أخيرًا، بعد ليلة أنهكتهما فيها المشاعر أكثر مما أنهكتهما الكلمات.
بعد عدة ساعات، فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، وجسدها مستقرًا داخل حصار دافئ لم تعد تعرف إن كانت ترغب في الفرار منه أم البقاء فيه إلى الأبد.
أزاحت رأسها قليلًا عن صدره، وراحت تتأمل وجهه النائم، تتنقل بعينيها بين ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب، حتى استقرت نظراتها على شفتيه.
تجمدت للحظة.
عادت إليها ذكرى الأمس، قبلاته القاسية، وطريقته التي انتزع بها أنفاسها تحت وطأة غيرته المجنونة، وتلك النظرات التي أشعلت الرعب في قلبها بقدر ما كشفت لها عن جنون عشقه.
دون وعي، رفعت أناملها إلى شفتيها، تمررهما برفق فوقهما، ثم رفعت يدها إلى خصلاته المبعثرة فوق جبينه، فأزاحتها برفق، قبل أن تنساب أصابعها فوق وجهه، تتلمس ملامحه بحنان
تعشقه حد الجنون، لكن ما إن تذكرت ماسة حتى انقبض قلبها، وعادت تلك الغصة المريرة تخنقها.
كيف استطاع أن يضع نفسه في هذا المأزق؟ كيف تورط في زواج كهذا، مهما كانت أسبابه؟
وكيف لها أن تتقبل حقيقة أن امرأة أخرى تحمل اسمه، بينما قلبها هي لا يعرف رجلًا سواه؟
أغمضت عينيها بألم، ثم عادت إلى كلمات الأمس، حين انكسر صوته أمامها وهو يردد:
«تخيلتها إنتِ…»
ارتجف قلبها بعنف.
أكان يراها هي في كل لحظة؟ أكان جنونه وغيرته وألمه نابعين من ذلك العشق الذي ظل يحمله لها طوال سنوات الفراق؟
تساقطت الأسئلة في عقلها، لكن قلبها كان يجيب عنها بطريقة مختلفة؛ فكل دمعة ذرفها، وكل ارتجافة خانت صوته، وكل لحظة انهار فيها أمامها، كانت تؤكد لها أنه لم يتوقف يومًا عن حبها..