وضعت خديجة يدها على فمها تكتم ضحكتها.
_طيب هتعمل إيه؟
_بقولك هبعت لك فيديو، شوفيه علشان تتوهي في البحر!
ضحكت وهي تهز رأسها.
_رغم إنه يستاهل، بس هكون معاه! يرضيك أتوه أنا كمان؟
_لا طبعًا ما يرضنيش! هو بس لو لمح إني كلمتك واتفقنا مع بعض، هيتوهنا إحنا الاتنين ويرجع هو!
انفجرت خديجة ضاحكة، ثم سمعت صوتًا مألوفًا من الطرف الآخر، جعل عمر يصمت فجأة.
_مين اللي هيتوه يا واد يا عمر؟!
اتسعت عيناه، وابتعد بالهاتف عن أذنه لحظة، ثم همس:
_يا دي النيلة! حسناء رامية ودنها معايا!
ضحكت خديجة، بينما اقتربت حسناء من عمر، تمد يدها نحو الهاتف.
_هي مين دي اللي قفشتك معاها يا واد؟!
وقبل أن يتمكن عمر من الرد، خرج عبد الرحمن من الداخل، فارتبك عمر
_هتلاقي مين غير رهف يا ماما!
قالها عبدالرحمن… ولكن نطقت حسناء وهي تنظر للهاتف
_خديجة؟! هو إنت بتكلم خديجة، ولا فيه خديجة تانية؟
جاءه صوتها من الهاتف قبل أن يرد عمر:
_أنا يا خالتي، سوّحتينا!
التفتت حسناء إلى الهاتف، ثم إلى ابنها، وقد ازداد فضولها.
_سوّحتكوا ليه؟! هو إنتوا بتعملوا إيه؟
ضرب عمر كفًا بكف، ثم نظر إلى أخيه الذي تقدم وانتزع الهاتف من يد والدته.
حدق عبد الرحمن في الشاشة، ثم تحدث بنبرة هادئة على نحو مخيف:
_إنتِ بتتصلي بعمر ليه؟
ساد الصمت لثوانٍ، وخديجة تلعن حسناء في سرها، بينما راحت تبحث عن ك………..ذبة تنقذ بها نفسها وعمر.
ثم قالت ببراءة:
_بتفق عليك معاه، عايزة أرميك في البحر للسمك!
استدار عبد الرحمن ببطء نحو عمر، الذي رفع إصبعه محاولًا الدفاع عن نفسه.
_اسمعني بس! كانت طالبة كتاب في علم النفس من مكتبة إسكندرية، وجبته لها، بس كنا بنهزر مع أمك!
جز عبد الرحمن على أسنانه، ثم أعاد نظره إلى الهاتف.
_وهي تطلب منك ليه؟!
تدخلت حسناء سريعًا، وقد شعرت أن الأمر بدأ يأخذ منحنى لا تحبه.
_خلاص يا عبد الرحمن! يمكن طلبت منه علشان شغله هناك، يا حبيبي. يلا روح لمراتك!
نظر إليها عبد الرحمن بشك، ثم عاد ببصره إلى عمر الذي كان يحاول الابتسام ابتسامة بريئة _شنطتي فين يا ماما نسيتها هنا!
تنهدت، ثم أضافت وهي تنهض:
_هدورلك عليها يا حبيبي.
بمنزل عبدالرحمن
انتهت من زينتها، تنظر لنفسها ودقات قلبها كادت تصم أذنيها، نظرت لمنامتها الشفافة، هل تستطع ان تفعلها
_يلا ياخديجة هتقدري، حاولي وهتقدري
مدت يدها بهدوء، وسحبت عطرها تنثره بغزارة، ثم وضعته بهدوؤ تنظر لنفسها، ثم خرجت بخطوات بطيئة تحث نفسها على أن تكمل مابدأته
خرجت وقامت بتشغيل موسيقى رومانسية، ثم أشعلت الشموع، استمعت الى صوت سيارته بالأسفل، ترجل من السيارة وهو يتحدث بالهاتف
_مرهق جدًا، بكرة إن شاء الله
فيه عربيات جديدة هتنزل الاچنس، يبقى شوفهم، ونزل اعلانهم
قالها وأغلق الهاتف، ثم صعد الى الغرفة
فتح الباب فاستمع الى موسيقى هادئة،
ورائحة الشموع تعم الغرفة، ألقى مفاتيحه وحقيبته، ودارت عيناه بالغرفة المزينة برسائله قديمًا إليها
_عبدالرحمن
نطقتها فاستدار إليها بهدوء، توقف للحظات وعيناه تبحر على كل انش بها
اقتربت منه بخطواتها الهادئة وعيناها اللامعة التي تنطق بالعشق
ارتجف قلبه من هيئتها، توقفت أمامه تنظر إليه بإبتسامة
_انتِِ مين؟! الأوضة دي كنت سايب فيها واحدة مجنونة بتمشي على الحيط
افلتت ضحكة ناعمة تدفن رأسها بذراعه
_وكتاب الله لو لقيتك عاملة مقلب، لأعلقك من رجليك وانزل فيك ضـ رب
توقف عن الحديث حين اقتربت تقبله
وحاوطت عنقه
_بكرة عيد ميلادك…
عايزة عيد ميلادك يجي وأكون ملكك ياعبدالرحمن
_خديجة…
تسللت لأحضانه، وهمست رغم ارتجاف جسدها
_أنا مستعدة
لف ذراعيه حول جسدها، شعر بانتفاض جسدها… فجأة ارتفع رنين هاتفه
نظر للهاتف… وقعت عيناه على اسم غسان
سحبها لاحضانه وتراجع الى الفراش، جلس وأجلسها بااحضانه
_هرد على التليفون
اومأت تتهرب بعيناها، تحاول الا تتراجع
_أيوة ياغسان
_عملت حادث على أول طريق اسكندرية
هب من مكانه
_ابعت لي اللوكيشين ودقايق اكون عندك
اغلق الهاتف، بينما نهض عبدالرحمن
قبل رأسها
_حبيبتي، شوية وراجع
_فيه ايه…
دا غسان
لكنه سحب جاكتيه وتحرك سريعًا للخارج بعد قليل…
انتهت خديجة من إعداد قالب الكيك، بعدما أمضت وقتًا طويلًا في تزيينه،
وضعت القالب داخل الثلاجة، ثم ألقت نظرة على ساعتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة، قبل أن تصعد إلى غرفتها بخطوات متعجلة.
بعد دقائق، توقفت أمام المرآة، تتأمل انعكاس صورتها بعينين تلمعان بفرحة لم تعرفها منذ زمن. أعادت وضع لمسات تجميلية خفيفة، تعتني بتفاصيل وجهها تستعد للقاء حبيبها للمرة الأولى، رجلًا صار جزءًا من أنفاسها، وسكن أعماق روحها حتى باتت لا تتخيل الحياة من دونه.
أصبحت أيقونة من الجمال؛
ملامحها الرقيقة ازدادت سحرًا، وعيناها حملتا بريقًا مختلفًا، بريق امرأة اتخذت قرارها أخيرًا بأن تكف عن محاربة قلبها، وأن تمنح الحب الذي عاشت تخشاه فرصة كاملة.
دارت حول نفسها ببطء، تتأمل ما ترتديه، ثم توقفت أمام المرآة مجددًا. كان رداؤها يُبرز أنوثتها، فابتسمت بخجل وهي تسحب أحمر الشفاه، تمرره فوق شفتيها بتمهل، ثم تطبق شفتيها برفق، قبل أن ترفع عينيها إلى انعكاسها وتهمس لنفسها:
_الليلة دي لازم تكون مختلفة يا خديجة… لازم يحس قد إيه إنتِ بتحبيه.
ارتسمت ابتسامة عاشقة على وجهها، لكنها ما لبثت أن اختفت قليلًا، حين تسللت إلى ذاكرتها كل تلك الأيام التي عاشتها بين الخوف
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحتهما بعزم.
كفى خوفًا… كفى هروبًا.. دا عبدالرحمن مش مروان، دا حبيبك، اوعي تتراجعي
لقد قررت أن تكمل ما تبقى من عمرها معه، بكل ما يحمله الغد من مفاجآت، وبكل ما قد تعصف به الأيام من عواصف. لم تعد تريد حبًا تحاصره الشكوك، ولا سعادة تفسدها مخاوف الماضي؛ أرادت أن تعيش معه، أن تضحك بجواره، وأن تستيقظ كل صباح وهي تعلم أن لها مكانًا في قلبه لا ينازعها عليه أحد.
لقد عادت الحياة إليها من جديد، ولم تعد مستعدة للتخلي عنها… وبين حربها مع نفسها وقلبها
فجأة، اخترق صوت إغلاق الباب أرجاء المنزل.
ارتجف قلبها فرحًا، واتسعت ابتسامتها حتى أضاءت ملامحها. ألقت أحمر الشفاه جانبًا، ثم التفتت سريعًا نحو الوشاح، ترفعه فوق كتفيها لتستر انكشاف معظم ردائها، قبل أن تلقي نظرة أخيرة على هيئتها.
كانت قد منحت جميع العاملين في المنزل إجازة، لتبقى الأجواء هادئة، وتتمكن من مفاجأته بليلة استثنائية، أرادت أن تمنحه فيها كل ما عجزت عن قوله بالكلمات.
ليلة تخبره فيها أنها اختارته، لا لأنها لا تستطيع العيش من دونه فحسب، بل لأنها تريد أن تعيش معه، بكل إرادتها، وبكامل قلبها…
_ياله ياخديجة… هتقدري، دا حبيبك
هبطت درجات السلم بهدوء، تكاد قدماها لا تلامسان الأرض من فرط حماسها، وعيناها تتفقدان المكان بحثًا عنه.. وهي تردد بينها وبين نفسها
_دا عبدالرحمن حبيبك مش مروان، دا حبيبك… كل كلمة كان يرتجف لها قلبها
توقفت في منتصف البهو، ونظرت حولها باستغراب، ثم اتجهت نحو غرفة مكتبه، ظنًا منها أنه دخلها فور وصوله.. رغم انه لم يفعلها
فتحت الباب، وألقت نظرة سريعة إلى الداخل.
فارغة! قطبت جبينها، وشعرت بوخزة خيبة صغيرة تتسلل إلى صدرها.
_معقول ميكونش عبد الرحمن؟! أنا تخيلت من كتر اشتياقي ليه!
_ليه اتأخرت كدا… يوووه
خرجت من الغرفة ببطء، ثم نادت اسمه بصوت خافت، يحمل من اللهفة أكثر مما يحمل من النداء:
_عبد الرحمن…
لم يجبها أحد.
تسارعت دقات قلبها، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء المنزل، قبل أن تتجه نحو النافذة، لرؤية سيارته في الخارج.
ربما لم يصل بعد… ربما أخطأت في سماع صوت الباب.
فجأة اعترض أحدهم طريقها، وفي اللحظة نفسها أُضيئت أنوار المنزل
شهقت بقوة، وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بذهول، تجمدت الكلمات على شفتيها.
_إنت! ازاي، هو راح لك
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه غسان، وهو يتأمل صدمتها ببرود مستفز، ثم مال برأسه قليلًا، قائلًا:
_إيه؟ ما ينفعش؟ لو مفيش عبد الرحمن، فيه غسان!
ظلت تحدق فيه لثوانٍ، تحاول استيعاب كلماته، وأصابعها تتشبث بطرف الوش……اح فوق كتفيها.