منوعات

السابع عشر ج2 طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

التفتت إليه خديجة بسرعة، وضربته بكوعها في جانبه، ثم همست من بين أسنانها:
_اتلم واطفح وإنت ساكت!
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة، ثم التفت إلى والدته.
_شوفتي يا أم عبد الرحمن اللي يتجوز اتنين بيحلو إزاي؟!
هزت حسناء رأسها وهي تضع الطعام في فمها.
_آه يا حبيبي، من كتر ما شفت حلاوتك بتلزق!
كتمت خديجة ضحكتها بصعوبة، بينما انحنى عبد الرحمن قليلًا يخفي ابتسامته، فقالت حسناء
_إيه يا حبيبتي؟ الأكل مش عاجبك؟
ابتلعت لقمتها بهدوء، ثم أجابته ببرود متعمد:
_لا يا خالتي، عجبني. بس لازم أغذّي وحش الكون علشان يعرف يسد مع الاتنين!

انفجرت حسناء ضاحكة، فضربت كتف ابنها بخفة
_إنتِ بتقولي إيه يا بت؟!
رفعت كتفيها ببراءة زائفة.
_بقول الحقيقة يا حبيبي، هو أنا هكدب ليه؟
مال نحوها، يضيّق عينيه بتهديد مرح.
_بقى كده؟
ثم رفع رأسه نحو والدته، وقال بثقة:
_شوفتي يا أم عبد الرحمن؟ أهو ده جزاء اللي يتجوز اتنين!
_آه يا حبيبي، ربنا يعينهم عليك!
وضعت خديجة قطعة من السمك في فمها، تمضغها ببطء وهي تنظر إليه بطرف عينها، ثم قالت:
_ما هو نصيبي ولازم أرضى بيه… أهو ظل راجل عما تفرج!
اختفت ضحكته تدريجيًا، واستدار إليها بكامل جسده.

_هو مين ده يا بت اللي ظل راجل؟!
رفعت عينيها إليه بكل براءة.
_إنت يا كذاب! يا اللي بالليل كلام، والصبح الشمس تبخّره!
ضحك مجددًا، ثم مال نحوها قائلًا:
_الله! مش قالولك الخدعة في الحب والحرب؟
رمقته بنظرة صامتة، ثم رفعت كوب الماء ترتشف منه بهدوء، متجاهلة ابتسامته التي اتسعت أكثر.
راقبها للحظات، ثم قال:
_طيب ما تيجي نكمل كذب على بعض؟ ما تخافيش، الملايكة بتنام بالليل علشان الكذابين اللي زينا!
توقفت حسناء عن الأكل، ونظرت إليهما بشك.
_إنتوا بتكدبوا في إيه يا واد إنت وهي؟!
رد عبد الرحمن بسرعة:

_روحي نامي يا حسناء، لتموتي من الصدمة!
اتسعت عينا والدته، والتفتت إلى خديجة.
_الواد ده بيقول إيه يا ديجة؟! ده دماغه لسعت ولا إيه؟
أومأت خديجة بجدية مصطنعة.
_لسعت يا خالتي، ومحتاج دكتور حودة!
بتاع مزرعة الفراخ!
_اغلطي اغلطي
هطوّل لسانك! هقول لأمك على كذبك كله، وأنا شاطرة في الفضايح!
نهض فجأة من مكانه، ثم قال وهو يمد يده نحوها:
_لا، دي لعبتي أنا! هو فيه حد قدي في الفضايح؟!
شهقت خديجة، وحاولت النهوض والهرب، لكنها لم تكد تبتعد حتى وجدته يحملها بين ذراعيه، فشهقت وهي تتشبث بكتفه.

_الحقيني يا خالتي!
لكن عبد الرحمن كان قد تحرك بها نحو الداخل، يضحك وهو يضمها إليه، راحت تضرب كتفه بقبضتها الصغيرة.
_إنت مجنون؟! أمك هتقول علينا إيه دلوقتي؟!
ابتسم وهو ينظر إلى وجهها الغاضب.
_هتقول إيه يعني؟ بيلبّسها شراب من البرد!
دفعته بيديها، محاولة الإفلات من ذراعيه.
_وسع خليني أطلع! عيب كده!
اقترب بوجهه منها، وارتسمت في عينيه لمعة مشاكسة.
_عايز بوسة مشبك وأطلّعك!
قطبت جبينها باستغراب.
_يعني إيه دي؟
انفجر ضاحكًا، ثم ضمها إلى صدره، مستمتعًا بملامحها التي جمعت بين الغضب والحيرة.

_لا، إنتِ لازم تاخدي درس في السفالة!
ضربته على صدره بخفة.
_آه يا سافل يا قليل الأدب! والله كنت عارفة إنك مش متربي!
توقف لحظة، ثم رسم على وجهه ملامح الأسى، وقال بنبرة درامية:
_أبويا مات يا خديجة وأنا صغير، وأمي مكنتش فاضية تربيني، كانت بتقعد مع النسوان في الشارع!
شهقت ضاحكة، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام، لكنه استغل اللحظة وسحبها إلى أحضانه بقوة حانية، ثم دفن وجهه في شعرها.
_عايزك إنتِ تربيني يا روحي. شوفتي الأم بتربي ابنها إزاي؟ ربيني زيه!
ضحكت وهي تهز رأسها باستسلام.
_آه، عارفة دي!

قهقه وهو يدفن وجهه عند عنقها، مستنشقًا عطرها الذي بات مألوفًا لروحه، لفت ذراعيها حول جسده، وراحت تمرر كفها على ظهره بحنان.

همست وهي تشدد احتضانها له:
_أنا مبسوطة أوي يا عبد الرحمن.
ابتعد قليلًا، يتأمل وجهها، ثم مرر إبهامه على وجنتها
_وأنا عمري ما كنت مبسوط كده يا خديجتي.
كاد يقترب منها أكثر، لكن رنين هاتفه قطع اللحظة.
تنهد بضيق، وأخرج الهاتف من جيبه.
_أيوه؟
جاءه صوت الطرف الآخر، فتبدلت ملامحه قليلًا.
_لازم أقابلك دلوقتي؟
صمت يستمع، ثم أجاب باقتضاب:
_ماشي.
أغلق الهاتف، فراقبته خديجة بقلق.
_رايح فين؟
أمسك بيدها.
_تعالي أوصلك على البيت، عندي مشوار.
تبدلت ملامحها، وشعرت بخيبة صغيرة لم تستطع إخفاءها.

_خلاص، روح إنت وسيبني هنا.
نظر إليها بجدية، ثم قال:
_لا، عمر شوية ويرجع، ومينفعش تقعدي قدامه كده.
اتسعت عيناها، ونظرت إلى ملابسها، قبل أن ترفع رأسها إليه.
_هلبس حاجة تانية!
_قولت لا.
قالها بحسم، ثم مد يده إليها، وكأن النقاش انتهى قبل أن يبدأ.
بعد فترة، كانت خديجة تتحدث مع عمر
_أيوه يا عمر، عملت اللي قلت لك عليه؟
جاءها صوته عبر الهاتف مفعمًا بالحماس.
_إنتِ تؤمري يا ديجة، كله تمام! ناقص بس سواق اليخت، وطبعًا دي مش عارف أتصرف فيها؛ لأن أخويا عصبي وممكن يرميني عشوة للسمك!

انت في الصفحة 8 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى