أشار بيديه إليها:
– أنا كويس حبيبتي، يمكن عشان طلعت السلم مش ركبت الأسانسير. سلط عيناه على صهيب الذي هرب بنظراته بجميع أركان الغرفة، فاتجه لابنه:
– قوم روح مع عمك يا جاسر، قعدتكم مالهاش لازمة. أجابه صهيب سريعًا:
– لما أقعد فوق دماغك يبقى اطردني. قالها وتحرك سريعًا للخارج.
أشارت غزل لابنها بالتحرك خلف عمه، ثم استدارت تضم زوجها وتربت على أكتافه:
– عز مزعل رُبى، صهيب مالوش دخل يا جواد صح ولا إيه؟
ربت على كفيها وتنهد بوجع:
– إيه اللي بتقوليه ده، معقول يا غزل أنا بالتفاهة دي؟ رفعت ذقنه ونظرت لمقلتيه:
– إيه اللي حصل بين عز ورُبى يا جواد؟ مسح على وجهه وأشار لبنته الغافية:
– بعدين يا غزل، المهم نطمن على البنت. ❈-❈-❈ بعد عدة ساعات رجع جاسر إلى المنزل.
كانت تجلس بجوار مليكة وجواد حازم.
رأته فأشارت لعمتها:
– جاسر جه أهو. توقفت مليكة متجهة إليه سريعًا:
– حبيبي أختك عاملة إيه؟
نظر لتلك التي تجلس ولم تعره اهتمامًا، فأردف:
– كويسة يا عمتو. دنا جواد وقلبه يزداد دقاته متسائلاً:
– أنا كنت رايح بس خالو قال إنهم راجعين… مرجعوش ليه؟
ربت جاسر على كتفه مطمئنًا:
– هتخلص المحلول وهيرجعوا. بعد إذنكم أنا تعبان وعايز أرتاح.
قالها وتحرك إلى الداخل. ❈-❈-❈ بعد مرور عدة أيام، عادت رُبى إلى المنزل… لكنها كانت تلازم غرفتها. لم يخبر جواد غزل بما صار، وسافر جواد أسبوعًا كاملًا خارج القاهرة لضرورة عمله.
❈-❈-❈ في المساء كان يجلس في الحديقة أمام غرفتها علّها تخرج كسابق عهدها. تذكّر ذاك اليوم الذي قلب سعادته إلى تعاسة وحزن. عاد من النادي فوجد عمته تجلس مع والدته وتتحدث:
– بقولك يا نهى فيه موضوع عايزاكي تساعديني فيه. ابتسمت نهى وأردفت بيقين:
– لو بإيدي حاجة يا مليكة أكيد مش هتأخر.
– إيه رأيك في رُبى بنت جواد لجواد؟
جحظت عيناها وأردفت بسعادة:
– بتهزري مش كده؟ عايزة تقوليلي إن جواد بيحب رُبى؟
هزت مليكة رأسها بابتسامة:
– بيحبها أوي يا نهى. عايزة أفاتح غزل بس زي ما إنتِ شايفة، غزل بتيجي متأخر وكمان جواد على طول مش موجود وسفرياته الكتيرة… فقولت آخد رأيك. ضحكت نهى بصخب وتحدثت بسعادة:
– الولاد كبروا يا مليكة وهيكبرونا معاهم. وعلى فكرة جواد اختياره ممتاز، رُبى بنت جميلة ونفسها عزيزة جدًا… من الآخر ولاد جواد كويسين متفكريش كتير. تنهدت مليكة بارتياح وتحدثت:
– طيب فارق العمر بينهم ممكن جواد يرفض بسببه. جواد بيقولي لو مجوّزتش رُبى مش هتجوز حد تاني. جواد بيحبها أوي يا نهى فوق ما تتخيلي.
تحدثت نهى بتهكم:
– شكلك نسيتي يا مليكة مين جواد وغزل ولا إيه. دا مصر كلها عرفت قصة العشــ,,ـق المستحيل بينهم بسبب فارق السن. نسيتي ولا إيه؟ ثم أكملت:
– دا غزل كانت بتقوله يا بابا. هتيجي تتكلمي في سبع سنين بينهم؟ دا مش فارق سن أصلًا يا بنتي. ربتت مليكة بحب على يد نهى:
– ربنا يطمنك يا نهى زي ما ريحتي قلبي. خلاص هستنى حازم لما يرجع ونروح نتقدملها.
كان يقف بالخارج يستمع لحديثهما الذي شق قلبه لنصفين… شعر بانسحاب روحه من جسده، خرج بهدوء للحديقة علّه يجد بعض الهواء الذي شعر بانسحابه من حوله… أصبحت الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه. وشعور بضعف الدنيا احتل كيانه عندما تذكر حديث مليكة عنها. جلس على أقرب مقعد يلتقط أنفاسه… ونيران بص.دره تحترقه بالكامل. وصل جاسر حيث جلوسه:
– ماله الغزال مش رايق النهاردة ليه؟ بقالي كتير بناديلك ما بتردش غير شايف حمام السباحة فاضي.
ظل ينظر بشرود وكأنه لم يستمع لحديثه، ورغم شعوره بآلام تنخر بجسده بالكامل، رفع نظره لجاسر وتحدث بصوت مكتوم:
– جواد بيحب رُبى أختك. جلس جاسر بجواره مضيقًا عينيه ثم أردف:
– مين اللي عرفك؟ أنا لسه عارف بالصدفة من يومين. استدار ينظر إليه وتكاد مقلتاه تخرجان من محجريهما وقلبه أوشك أن يتوقف من فرط الألم:
– عرفت بالصدفة إزاي؟ شوفتهم مع بعض ولا إيه؟ أجابه جاسر بهدوء رغم استشفافه لحالته:
– كان بيسبح وكنت عايز تليفونه، طلبته منه ولما فتحه شوفت صورة رُبى وكان كاتب عليها:
“ولم يكن القلب ينبض إلا بوجودك… وإذا رحلتي رحل نبضي.”
قالها جاسر وهو ينظر بشرود بجميع الأنحاء عندما شعر بالحزن عليه لأنه شعر بوجود مشاعر لديه لأخته. تسلل الرعب لقلب عز من كلمات جاسر. هب واقفًا متجهًا لسيارته. حاول جاسر الحديث معه لكنه قاد سيارته بسرعة جنونية والحزن والغضب يعمي بصره وبصيرته. شعور الغيرة احتل كيانه، وشعر بنيران تغلي بأوردته. تساقطت دموعه بغزارة عندما عجز عن البوح بما يشعر به. ❈-❈-❈ بعد مرور عدة أيام، كان يجلس بالحديقة يشعل سيجارة. وقفت جاحظة عيناها مما ترى، هرولت إليه سريعًا ثم سحبتها من يديه بقوة وألقتها:
– إيه اللي بتعمله دا يا عز؟ اتجننت؟
رمقها بنظرة ناــ,,ـرية ثم تحدث بغضب لأول مرة لها:
– إزاي تتجرأي وتمدي إيدك وتاخدي حاجة مني بالطريقة دي؟ ارتجف جسدها كله من نظراته وحديثه الشرــ,,ـس، ارتعشت شفتيها وتحدثت بحزن:
– الكلام دا ليا أنا يا عز؟ ولاها ظهره وابتلع غصته التي تلهب حلقه:
– أومال في حد تاني معانا؟ إياكي تسمحي لنفسك تاني إنك تمدي إيدك وتاخدي حاجة مني. وبعد كده تناديلي زي ما بتنادي لجاسر وجواد وأوس. استدار ينظر لمقلتيها بقوة حتى يقضي على شعور الرأفة به:
– إنتِ لسه عيلة، مش مسموحلك تتخطي حدودك مع أي حد مهما كان.
فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها، وضعت كفها المرتعش عليها وأزالتها، ثم تحدثت بما أحرــ,,ـقه بالكامل:
– وأيه كمان يا حبيب قلبي؟ قول ومــ,,ـوتني بكلامك. انتفض جسده من كلماتها وأخفى عيناه الحزينتين بنظارته الشمسية السوداء وابتسم بسخرية وأكمل ما قضى عليها بالكامل:
– لا ما أنا نسيت أقولك يا رُبى… مش أنا اكتشفت إني كنت بعيّل. ودلوقتي فكرت صح وحبيت واحدة بمستوى تفكيري وبينا سنتين بس، يعني تفهمني من نظرة، مش عيلة لسه في ثانوي وكمان بينا ست سنين كتير عليها لما تفهمني. طيب دي أتجوزها أعلمها ولا…
ثم نظر لها بسخرية:
– روحي اكبري شوية وبعد كده شوفي حد قدك حبيه لو فعلًا تعرفي يعني إيه حب. هنا رعشة أصابت جسدها بالكامل ولكن رعشة مــ,,ـوت… ليت ربها يستجيب لها ويزهق روحها بالحال كما زهقها هو بجبروته. تحركت لمنزلها دون حديث، كالتائه المشتت الذي لا يشعر بما حوله حتى شعرت بجفاف دموعها، فلم تبكِ ولم تتحدث. دلفت لغرفتها وسقطت بجسدها على الفراش كطفل صغير يحاوط نفسه. آهة حارقة خرجت من أعماق قلبها.
والأصعب عليها عدم بكائها، كأن الشعور والإحساس اختفى ولم تعرف عنهما شيئًا. أغمضت عينيها وذهبت في سبات عميق تمنّت بعده ألا تفيق أبدًا منه عندما شعرت بوخزات داخل قفصها الص.دري. ورغم شعورها بالألم إلا إنها غفت بالكامل. فاق من ذكريات أيامه الأليمة. كاد يمــ,,ـوت عندما منعها عمه عليه. يشعر بوخزات أليمة بص.دره. أيعقل أن نظرة عيناها تعطيه رغبة في العيش والحياة؟ يتنفس لأنها تتنفس بجواره. إلى هنا لم يشعر بنفسه إلا وهو يذهب إلى منزل عمه.
❈-❈-❈ بالإسكندرية، يجلس ريان بجوار عمر:
– العيال دي منحوسة آه والله، كل ما نحدد على كتب الكتاب تحصل مصيبة. ألقى ما بيديه على المنضدة:
– جواد هيرجع النهاردة من فرنسا… وكمان إلياس كلمني وهيرجع أخيرًا. ضيّق عمر عيناه:
– أخيرًا وحشنا والله الباشمهندس… قالك إيه أخبار الشغل في إنجلترا ولا إيه؟ أيام الشقاوة وحشتني يا ريو. قهقه ريان عليه ثم وضع يديه على المنضدة أمامه ونظر لعمر وأردف:
– إلياس مش بتاع الحاجات دي يا لا، دا واحد ماشي في حاله… رغم بس الغربان اللي حواليه. كنت شفته ما زال الشيخ إلياس بتاع المواعظ.
فعل عمر مثله وتحدث رافعًا حاجبه:
– أكيد لازم يخرج عن المألوف مش صاحب ريان المنشاوي. ثم نقر بقلمه على المنضدة وتحدث بشقاوة:
– الولد عمر دا نحس طالع لأبوه… ارجع لتلاتين سنة لورا كدا وشوف إنت اتجوزت إزاي يا ريو باشا. قهقه ريان عليه وتحدث بفخر:
– تنكر بنات إسكندرية كانت هتمــ,,ـوت عليّا… لم يدعه يكمل حديثه وصاح بصوت صاخب:
– يا نغم… أين أنتِ… يا أم عمر أحضرينا فورًا.
هب واقفًا واضعًا يديه يكمم فمه:
– يخرب بيتك وإنت فصيل يالا… لسة واطي زي ما أنت. دلفت نغم بقهوتهما:
– في إيه يا عمر… بتنادي فيه حاجة؟ دلّك خصلاته ورفع جانب وجهه يضحك بسخرية على ريان الذي تغيرت ملامحه. رمقه ريان بنظرات ساخطة وأردف:
– عمر بس بيستظرف يا حبي… شوفي بنته هتتجوز ومفكر نفسه لسه دمه خفيف. اتجهت نغم تجلس بجوار ريان:
– ما هو عمر دمه خفيف… تنكر يا ريان ولا إيه؟
صفق عمر بيديه وضحك بصوت صاخب:
– يا سلام أهو دا الكلام يا أم عمر يا حبيبتي إنتِ. – حبك بورص يا حمار… قالها ريان بعيون غاضبة. وزعت نغم نظراتها بينهما:
– مالكم في إيه وبعدين أنا عايزة أشتكي لعمر منك يا ريان. ضيّق عمر عيناه وتحدث باهتمام:
– قولي يا نغم عامل فيكي إيه وأنا آخد حقك منه. استشاط ريان من داخله من طريقة نغم التي استفزته من حديثها مع عمر:
– نغم قومي جهزي نفسك علشان هننزل القاهرة نقعد يومين هناك ونرجع على حفلة خطوبة عمر وسيلا.
زفرت بضيق ثم قالت:
– لما أشكي لعمر ولا علشان أنا وحيدة ماليش حد تتحكم فيا؟ هنا خرج ريان عن صمته وعصبيته التي حاول أن يتمسك بها:
– تِشْتكيني يا نغم؟ تِشْتكي جوزك؟ يااه لدرجة دي حاسة نفسك وحيدة وجوزك مفتري رايحة تشتكي منه؟ نظر عمر إليهما بقلة حيلة:
– فيه إيه يا جما.عة ممكن تهدوا… إحنا كنا بنهزر. قاطعتهم دخول بيجاد:
– عمو عمر وحشتني فينك؟ بادله عمر سلامه:
– بيجو حبيبي وحشني يا لا فينك وإيه أخبار مزز الطيران؟
قهقه بيجاد عليه ثم تحدث:
– بيسلموا عليك. لكمه عمر وحاول أن يغير من أجواء الحديث التي صارت منذ فترة قليلة. اتجه بيجاد لوالده الصامت الذي يظهر الحزن والألم بعينيه:
– بابا ممكن أتكلم معاك شوية؟ فيه موضوع مهم وضروري ما ينفعش يتأجل أكتر من كدا. وقف عمر مستأذنًا:
– طيب أنا يادوب أعدي على ماسة زمانها خلصت المرسم… ثم نظر لريان بمغزى:
– روحوا غيروا جو في القاهرة شوية… سيلا بتشتكي منها وعايزة تنقل إسكندرية تاني… مش عارفة تتأقلم هناك، بتقول زحمة ومفيش بحر.
وقف ريان ليودعه:
– فعلاً القاهرة زحمة جدًا… مفيش أحسن من جو إسكندرية… رغم إنها زحمة برضو بس مش زي القاهرة… ثم أكمل مستطردًا:
– معرفش ليه سيلا مُصرة تروح تشتغل في الجامعة… ما الشركات هنا وبعدين دي مهندسة يعني… شغلها متاح. زفر عمر بحزن:
– سيلا طيبة أوي يا ريان ما بحبش أضغط عليها، عايزها تاخد قراراتها وتشوف نتيجة قرارها. أومأ ريان برأسه وتحرك معه للخارج. ركب عمر سيارته ثم أردف بهدوء:
– ما تزعلش نغم يا ريان… شكل الموضوع كبير اللي يخليها توصل إنها تكلمني… نغم عمرها ما كلّمتني على مشكلة بينكم.
نزل ريان بجسده ينظر له من نافذة السيارة:
– زعلانة علشان الولاد هيسافروا… بس لازم يسافروا يا عمر. روح إنت علشان ما تتأخرش على بنتك… وبعدين هتوصيني على حب حياتي يا لا. دلف حيث وجود بيجاد ينتظره أمام المسبح. جلس أمامه ونظر بعمق وأردف:
– فيه إيه؟ وإيه الموضوع الضروري دا؟ أخرج بيجاد هاتفه ووضعه أمام والده وتساءل:
– شوف الصورة دي كدا. دقق النظر ريان بها ثم ضيّق عيناه وتساءل:
– مش فاهم؟
ضجر بيجاد من والده فيبدو أنه يفكر بشيء آخر:
– بص الصورة كويس يا بابا… ابتسم له ريان:
– البنت جميلة أوي… إيه أخيراً هفرح بيك؟ رفع بيجاد حاجبه بسخرية وأردف بإحباط:
– وبعدين يا بابا… هو دا اللي فهمته من كلامي؟ وصلت نغم وهي تفرك يديها وتنظر لريان بحزن:
– ريان ممكن نتكلم شوية؟ ثم ذهبت بنظرها لتلك الصورة التي ينظر إليها كلاهما. أمسكت الهاتف وتساءلت:
– مين دي… قريبة غزل؟
هب بيجاد واقفًا وابتسم وظل يقبّل والدته:
– مامتي الحلوة اللي جابت المفيد. ضيّقت عيناها وهي تنظر لكلاهما:
– ماله الولد دا؟ اتجه بيجاد لوالده وأردف بيقين:
– دي غنى جواد الألفي. جحظت عينا كل من نغم وريان وأردفا بنفس الصوت:
– مين؟ ❈-❈-❈ بالقاهرة
وصل إلى منزل عمه جسدًا بلا روح، بلا ملامح تدل على أنه ما زال على قيد الحياة.
قابله جاسر، فضمه بحزن على حالته المزرية؛ ذقنه النابتة، شعره غير المرتب، حتى ثيابه غير المهندمة.
نظر إليه جاسر بقلة حيلة وأردف:
– نفسي أعرف إيه اللي حصل خلاك توصل للمرحلة دي…
ضمّه بحب أخوي وهمس له:
– حبيبي والله اللي بتفكر فيه دا مستحيل يحصل لسبب بسيط… إنها بتحبك إنت. نظر له بنظرات مرتجفة:
– مش عايز أفرق العيلة اللي أبهاتنا بتعملها من سنين يا جاسر… مش هقدر أخلي جواد يكرهني أو عمتو مليكة تكره عمو جواد… الموضوع صعب فوق ما تتخيل.
مسح دموعه وأردف:
– خليني أشوفها بس يا جاسر حتى لو من بعيد. تنهد جاسر بوجع على صديق عمره. وصل أوس إليهما ثم جذبه للداخل وأمسك يديه:
– تعالى معايا هخليك تشوفها يا عز…
ثم لكمه لكمة خفيفة في ص.دره:
– تحب أختي يا لا ومعرفش… كده تخون ثقتي فيك؟ لم يكن يستمع إليه، فقط… دقاته العنيفة كادت تصل للجميع كلما اقترب من غرفتها. خرجت غزل من غرفة ابنتها بعد أن أعطتها بعض الأدوية.
وقف عز أمامها يترجاها بعينيه:
– لو سمحتي يا طنط غزل والله خمس دقايق بس…
نظر إليها كالغريق الذي وجد ضالته لينقذه من ظلام قلبه. نظراته المترجية الحزينة أصابتها بالآلام، ولكن ماذا تفعل بعدما حرمه جواد من دخول بيته وعرفت من جاسر بما صار؟ وقف يحاول أن يتنفس نفسًا طويلًا يشحن رئتيه بأكسجين الأمل عندما وجدها مترددة بين الموافقة أو الرفض.
انتظر ردها طويلًا. كان قلبه يتمزق لأشلاء عندما منعه عمه من رؤيتها. لم يعلم أنه سيشعر بهذا الشعور المميت… حقًا حينها تمنى المــ,,ـوت ولا أن يبتعد عنها. ولكن كيف بعد ما صار بينهما؟
خرجت غزل عن صمتها وما زالت تقف أمام غرفة ابنتها:
– عز هتدخل تشوفها وتطلع على طول… لو عمك جه أو شم خبر بإنك جيت هنا بلاش أقولك إيه اللي ممكن يحصل. تبسم لها وهز رأسه سريعًا مقبّلًا يديها:
– شكرًا طنط غزل… شكرًا. دلف سريعًا إلى غرفتها. حاولت غزل إيقافه حتى ترتدي ابنتها حجابها ولكنه دلف سريعًا وأغلق الباب خلفه. خطا إليها بخطوات متعثرة. كانت تغط في نوم عميق، خصلاتها متمردة حول وجهها وعلى وسادتها.
جلس أمام فراشها على منكبيه ورفع يديه ممسّدًا على خصلاتها، وانسدلت عبراته رغمًا عنه.
شعرت بوجوده عندما استنشقت رائحته. ورغم ذلك ظلت مغمضة العينين عندما شعرت بارتجاف قلبها من قربه… ولكن كيف يغيب عنه ذاك؟ ظل يمسد على خصلاتها ويهمس بكلماته الحزينة:
– عارف إني خذلتك… وعارف مهما أعمل مستحيل تسامحيني. اقترب وهمس بجوار أذنيها:
– رُبى نفسي أمــ,,ـوت وأرتاح. فتحت عينيها سريعًا وتساقطت دموعها وشهقت شهقات مرتفعة ثم تحدثت من بين بكائها:
– إمشي يا عز لو سمحت… إمشي أنا مسمحاك يا بني عمي والله مسمحاك.
هنا أصابته رغبة عارمة في إحراق قلبه الذي فعل بها هذا. أراد أن يخرجه خارج جسده ويقدمه لها كي تمزقه كما مزق قلبها بسكــ,,ـين بارد.
– ربي ممكن تسمعيني حبيبي؟ أغمضت عينيها فهمسه لها يكاد يزهق روحها كلما تذكرت حديثه:
– معدتش حبيبتك يا آبيه… عيلة بقى متعرفش تحب. وضع جبهته فوق خاصتها وأردف ببكاء:
– ربي أنا بتمنى أمــ,,ـوت ولا أبعد عنك… صدقيني مكنتش أعرف بعدك صعب أوي كده.
دلفت والدتها إليهما:
– كفاية كده يا عز لو سمحت… جواد لو جه ولقاك هيولع فيا. دلف جواد وهو يستمع لحديثها.
تسمر عندما وجده، أسرع إليه يجذبه من ملابسه بقوة:
– إيه اللي جابك هنا يا لا… أنا مش حرمت البيت دا عليك… إمشي أطلع برة. وقفت غزل بينهما وحاولت تهدئة زوجها:
– جواد اهدى لو سمحت… قالتها عندما وجدت ارتجاف جسد ابنتها من هيئة والدها وهو يجذب عز للخارج.
دفع غزل وتحدث بغضب:
– إنتِ لسه حسابك بعدين…
– اطلع برة يا ابن صهيب.
قالها جواد بصوت صارخ مع دخول صهيب الذي وقف كالصنم مما استمع من حديث أخيه. نظر صهيب لعز:
– أمشي دلوقتي يا عز. – بابا…
أردف بها عز. صرخ صهيب على غير عادته:
– قلت أمشي حالًا. وقف جواد والحزن يتملكه. ولكن ماذا يفعل؟ وكيف يواجه ما يؤلم روحه بابنته؟
رفع نظره لابنته التي تختبئ بأحضان والدتها ولكن نظراتها عليه وحده.
اتجه بنظره لعز وبدأ يفكر في حديثه منذ أيام… أيعقل هذه حالة شخص وجد حبه مع شخص آخر؟
قبــ,,ـض على يديه بعنف عندما شعر بمدى غبائه. ظل ينظر له بصمت، حينها علم أن هناك ما يخفيه عليه. نظر جواد للجميع:
– كله يخرج برة. ظل عز واقفًا ينظر لتلك التي تبكي بأحضان والدتها.
تحرك جواد إليها مقبّلًا جبهتها:
– حبيبة بابي… عايزة تتكلمي مع عز؟ ثم رفع يديها مقبّلًا:
– آسف يا قلبي… كفاية عياط دموعك بتدبحني يا رُبي.
وضعت رأسها بأحضان والدها:
– عايزة أنام بحضــ,,ـنك بس يا بابي لو سمحت… مش عايزة أشوف حد ولا أتكلم. اقترب صهيب منه عندما وجد حالتها. ربت على كتفه ثم أردف له:
– جواد هستناك برة. أومأ جواد برأسه دون حديث.
جذب صهيب عز من يديه:
– تعالى سيب بنت عمك ترتاح وبكرة هتشوفها وعد مني.
قالها وهو يضم وجهه بين راحتيه. هز عز رأسه برفض:
– أنا طيارتي الساعة ستة الصبح يا بابا… لازم أتكلم معها قبل ما أمشي.
– سيبه يا صهيب…
أردف بها جواد الذي ضم ابنته لأحضانه. رفع كف غزل التي تجلس تبكي بصمت على حالتهما، تذكرت ماضيها وحدثت حالها:
– ماذا فعلت لكي تصفعني هذه الحياة بقوة؟ ملس جواد على خديها:
– حبيبي سيبينا لوحدنا شوية… رُبى عايزة تنام.
ثم همس لها:
– تفتكري هتنام وهو موجود؟ روحي وأنا هسبهم شوية وجاي وراكي. قبّلت يديه:
– ربنا يخليك لينا يا جواد. ❈-❈-❈
في اليوم التالي
ذهب للمشفى الخيري.
دلف لغرفة استشاري الأورام:
– دكتور طارق حمد الله على سلامتك… لسه عارف حالًا إنك رجعت من السفر. جلس طارق وبمقابلته جلس جواد:
– أهلا بحضرتك يا حضرة الظابط… وحشتني والله. ابتسم جواد:
– حضرة الضابط إيه… فيه بينا الكلام دا؟ ناظره طارق: