– وصلت لحد فين بالترقية؟ كنت دايمًا أسمع عن إنجازاتك العظيمة. ابتسم جواد وتحدث بهدوء:
– دلوقتي لواء… الحمد لله وصلت في وقت قياسي كله من فضل ربي. ضيق طارق ما بين حاجبيه:
– إنت تستاهل أكتر من كده والله… ربنا يبارك لك. عندك كام ولد دلوقتي؟ وطالبتك النجيبة بسمع إنها بقت من أشهر الأطباء بالقاهرة. – غزل طول عمرها شاطرة وذكية وحضرتك عارف دا… وبعدين شغفها زاد للطب جدًا بعد عدة ظروف مرينا بيها… الحمد لله على كل حال. ربنا يوفقها ونشوفها أكبر استشارية في مصر إن شاء الله.
أمَّن جواد على حديثه. تناول قهوته ثم نظر للدكتور:
– يعني كل الأجهزة الطبية متاحة؟ مش محتاجين حاجة؟ ابتسم له طارق:
– والله يا جواد كل حاجة موجودة ربنا يزيدكم يا رب… لو كنت عرفتني على المشروع العظيم دا كنت شاركت لو بجزء بسيط فيه. وضع جواد فنجانه الخاص:
– والله إحنا بنبني مبنى تاني في الصعيد بس مش للأمراض المستعصية… دا هيكون بالمجان للكشوــ,,ـفات والعمليات المتاحة. أومأ برأسه:
– تمام إن شاء الله… هكلم الدكتورة تهاني وأشوف لو هتدخل هي كمان.
قاطع حديثهما اتصال هاتفي:
– بعد إذنك دي بنتي لو مردتش هتفضل تزن اتصالات. ضحك جواد ورفع يديه:
– لا هتقولي… عارف البنات دول طباعهم صعبة. – أيوة حبيبتي… أنا في المستشفى الخيري… خلاص عدي عليا. وضع هاتفه ونظر متأسفًا:
– آسف يا جواد. هز رأسه وتحدث:
– مفيش حاجة يا دكتور… بتعتذر على إيه؟ – دي يا سيدي غنى بنتي الوحيدة وكل طلباتها أوامر… مستحيل أرفض لها طلب. – غنى…
رددها جواد بقلبه قبل لسانه.
ناظره سريعًا:
– بنتك اسمها غنى؟ أومأ برأسه وأكمل حديثه:
– غنى وهي غنى عن كل حاجة. ترقرقت عيناه على ذكر محبوبته وتحدث:
– غنى عن الحب وحرب الحياة… ربنا يبارك لك فيها. بعد فترة من حديثهما الذي كان الحاضر الغائب بعد ذكره لقرة عينيه الغائبة، قطع شروده دلوفها:
– بابابي أنا جيت. هنا ارتفعت دقات قلبه كدقة عاشق غاب حبيبه ثم رجع بعد فترة… أغمض عيناه وسحب نفسًا قبل أن يستدير للتي خطفت قلبه من صوتها الذي يشبه صوت والدتها.
❈-❈-❈
بفيلا صهيب وقف بغضب أمام ابنه الأصغر فارس:
– كنت فين لحد دلوقتي؟ نظر للأسفل وتحدث بخجل:
– آسف يا بابا… سهرت مع صحابي ونسيت نفسي. اقترب منه بعدما اشتم رائحة سجائره:
– إنت بتشرب سجاير؟ هز رأسه بلا وبدأ يتلعثم بالكلمات:
– أنا… أنا لا أبدًا… دا هو بس… رفع صهيب يديه وصفعه بقوة:
– اطلع أوضتك وبعدين نتــ,,ـحاسب. نظر لنهى وتسائل:
– الولد دا ممنوع من الخروج فهمتي؟ كفاية اللي غايب بقاله كام يوم معرفش عنه حاجة… يخربيت الحب وسنينه.
أنا رايح لحازم المقموص دا كمان.
❈-❈-❈
بفيلا ريان تجلس أمام التلفاز تشاهد بعض البرامج الإخبارية… دلف ريان إليها وهو ينظر بخبــ,,ـث:
– حبيبي اللي قاعد وبيسمع تطورات البلد. رفعت حاجبها بسخرية:
– لا والله لسه فاكر… أنسى يا بن المنشاوي مهما تقول مش هصالحك. قهقه عليها واقترب يلامس ثغرها مقبّلا إياه:
– يهون عليكي أستاذك تزعليه؟ استدارت للجانب الآخر:
– متحاولش يا ريان مهما تعمل. لامس وجنتيها بخديه وأردف بصوت متهدج ممزوج بمشاعره التي لم تتغير على مدى مرور السنوات:
– وحياة نغمتي ما أقدر أزعلها… يارب أمــ,,ـوت لو زعلتها.
وضعت يديها على شفتيه:
– إسكت… بتقول إيه… ربنا ما يحرمني منك. اقترب مقبّلًا خديها ولامسه بأصبعه:
– ولا يحرمني منك حبيبي. لامست كلماته أوتار قلبها الذي سرى به تيار كهربي نابع من عشــ,,ـقها الذي ألهب جميع حواسها بهيئته الجذابة لقلبها المسكــ,,ـين. ثم تذكرت ما فعله وتحدثت:
– زعلانة برضو. رجع بجسده للخلف وهو يحاوطها بنظرته:
– طيب اللي زعلان من حبيبه يلبس اللون اللي حبيبه بيحبه ويقعد يستناه. هبت واقفة وتحدثت بغضب مصطنع:
– أولًا أنا مش مستنياك، ثانيًا بقى أنا بحب اللون دا… وعن إذنك.
جذبها بقوة حتى أصبحت فوق ساقيه، ثم رفع خصلاتها مقبّلًا عنقها:
– اللي زعلان من حبيبه هو هيصالحه… إيه رأيك؟ بس حبيبه يذاكر كويس علشان تعبت من كتر النظري يا حبيبي. – لا والله نظري؟ أومال لو عملي هتعمل إيه… دا إحنا عندنا فريق كورة. ضحك بصوت مرتفع ثم فجأة التقط شفتيها حتى تلاشت أنفاسهما:
– لسه الكوتش والجماهير يا قلبي بس دول عايزين عملي ونظري يعني فيزيا مع فلسفة.
وضعت يديها على وجهها:
– ريان اتجننت إنت… مش عايز تعقل… دا انت عندك خمسة وخمسين سنة. حملها متجهًا للفراش بعدما صرخ بوجهها:
– نعم يا ختي بتقولي كام؟ طيب هعرفك الخمسة والخمسين دول إيه.
❈-❈-❈
في فيلا عمر المصري – يعني إيه يا مرام مش فاهم؟ ربتت على يديه:
– لو سمحت يا عمر ممكن تهدى علشان نعرف نتكلم. مسح على وجهه بعنف:
– أهدى؟… ودي حاجة ممكن أهدى فيها؟
ثم تحرك مغادرًا… وتسائل:
– هي فين؟ – يا عمر استنى… لازم نفكر… الموضوع دا لازم نفكر علشان ما نخصرش البنت. توجه إليها سريعًا وطالعها بغضب:
– مش عايز أقولك معرفتيش تربي بناتك يا مرام… ماسة خلاص عيارها فلت ولازم تتربى… مسمعتيش بيجاد بيقول إيه؟ ❈-❈-❈
بفيلا الألفي تجلس بغرفتها تطالع ألبوم صورها هي وأبنائها… تبتسم بذكرياتها الجميلة بطفولتهما… ثم فجأة توقفت وبدأت دموعها تتساقط بغزارة عندما وقعت عيناها على تلك الصورة التي سقطت أمامها بالصدفة بعدما جمع جواد كل الصور المتعلقة بها وأخفاها.
قاطعها رنين هاتفها:
– دكتورة غزل فيه حالة متعثرة جدًا وطالبين حضرتك بالعيادة. – تمام يا نورة أنا جاية حالًا. ❈-❈-❈
عودة إلى المستشفى الخيري دلفت إلى المكتب بخطوات متمهلة بعدما أشار والدها لجواد:
– غِنى تعالي أعرفك على صديق بابا من عشرين سنة. استدار ينظر لها ولكنه وقف ينظر إليها كأنه يرى غزل أمامه بصغرها.
أشار عليها وتحدث بصوت مهزوز بعض الشيء:
– دي بنتك؟ اقتربت منه تبسط يديها أمامه:
– أيوة بنته… اسمي غِنى.
رجفة بجسده بالكامل وبدأ يردد بعجز لسانه، ولكن روحه ماذا؟
مستحيل… أيعقل أن يكون الشبه بتلك الصورة؟ أم أصابني الجنون؟ ارجع خصلاته للخلف بهدوء على عكس حالته التي يشعر بها.
بسط يديه… لأول مرة يشعر بهذا الشوق الذي يغمره… هل هذا شوق الأبوة؟ أم ماذا يصير بي؟!! يا الله أزل ألم قلبي. ظلت تنظر له بهدوء على عكس شخصيتها المجنونة ثم أردفت بصوتها:
– بابي مين صاحبك دا أول مرة أشوفه.
قالتها وهي ترمقه بنظرات إعجاب، أدى إلى توسع مقلتيه وهو يهز رأسه ويردف كالمجنون:
– لا… مستحيل… مش معقول… نفس الصوت. ابتسمت ظنًا من انبهاره بها:
– أنا يا سيدي اسمي غِنى بس حضرتك ما قولتش اسمك إيه. قهقه طارق عليها:
– شوف يا جواد… زي ما قولتلك… مجنونة… أهي دي يا سيدي بنتي المجنونة غِنى. يا الله… ما هذا الشعور الذي انقض على قلبي حتى شعرني بالحنين إلى ابنتي الغائبة؟
– اسمك جواد؟… حلو الاسم أوي يا عمو… أول مرة أسمع الاسم الحلو دا. مطت شفتيها عندما تذكرت بيجاد ولا تعلم لماذا تذكرته هنا.
جلست أمامه وأشارت إليه أن يجلس. ولكن حالته تائه… مشتت… غائب عن الحضور إلا سواها وحدها.
ابتسم لها بحب لا يعلم لماذا تمنى أن يضمها لص.دره ويستنشق رائحتها. – تعرف يا بابي… دون شعور منه أجابها:
– نعم يا روحي. جحظت عيناها من رده السريع فيما قطب طارق عيناه متسائلًا:
– آه صحيح يا جواد ما قولتليش عندك كام ولد؟
استدار بصعوبة ينظر لطارق… لم يستطع رفع نظره من عليها:
– عندي جاسر وأوس وياسين ورُبى… ثم توجه بنظره لها: وكان عندي… هنا قاطع حديثه هاتفه الذي قام بالرنين.
انسدلت دمعة وبدأت يديه ترتعش. في تلك اللحظة دلفت الممرضة سريعًا:
– دكتور طارق… المريضة في غرفة عشرين حالتها خطرة ودخلت في تشنجات. هب واقفًا يعتذر من جواد:
– آسف يا جواد شوية وراجعلك. ثم قبل رأس غِنى وأردف:
– حبيبة بابي شوية وراجع.
أومأت برأسها وهي تطالع ذاك المتخبط. – تعرف اسمك فكرني بواحد برضو اسمه حلو… يناظرها ولا يستمع إليها… يحفر ملامحها بذاكرته.
طرقت بأصابعها لعينيه. رفع نظره لعيناها… نعم إنها غزل. – بقول لحضرتك… فيه واحد كمان اسمه حلو عجبني بالقاهرة… اسمه بيجاد.
يعني جواد وبيجاد… أسماء رائعة. حاوطها بنظراته الصقرية… شفتاها… عيناها… ملامح وجهها البريئة… كان في غياب عن حديثها إلا من ملامحها فقط أمامه. أعاد الرنين مرة أخرى.
ما زال جسده يرتعش ولا يستطيع السيطرة على نفسه. حاول أن يمسك هاتفه فسقط من يديه.
هبت واقفة سريعًا واتجهت إليه. أمسكت هاتفه وجلست على ذراع مقعده واضعة الهاتف على أذنه:
– رد… أنا همسك لك الفون… شكلك تعبان. لم يشعر إلا بقربها ورائحتها التي عبأت رئتيه.
على الجهة الأخرى تحدث ريان:
– جواد فينك… إحنا في القاهرة… عايزك ضروري. – تمام يا ريان، قالها باهتزاز. لم يُنهِ حديثه حتى اتصلت غزل، فتح الخط سريعًا:
– أيوة حبيبي… أنا جاي يا غزل حالًا. أجابته:
– جود، مالك حبيبي… صوتك ماله؟
– كويس… استنيني هعدي عليكي في العيادة… “غزل”. أردف بها ومازال يطالع التي تجلس بجواره ولم يفصلها عنه سوى أنفاسهما:
– غزل… وحشتيني أوي أوي. قالها مغمضًا عينيه عندما شعر بانسحاب الهواء من حوله.
رفع يديه حتى يأخذ هاتفه… لامست يديها الناعمة كنعومة الأطفال.
رفع نظره وتقابلت النظرات… هو باشتياق أبوي، أما هي فشعور مختلف يغزوها لا تعرف ماهيته، لكنها فسرته لشيء آخر. ابتسمت بعيونها الجميلة وتسائلت عندما وجدت تخبطه، ظنًا من عقلها الصغير الذي صوّر إعجابه بها. حاولت الحديث معه:
– مراتك اسمها غزل؟
وقف ولم يجبها… كفى ما صار له وما يشعر به. ❈-❈-❈
أمام الجامعة خرج من كليته ينتظرها أمام الجامعة.
أسرعت إليه:
– واقف من زمان؟ هز رأسه برفض:
– لسه واصل… عاملة إيه وأخبار السكشن؟ – كويس. قطب حاجبه بدهشة:
– إيه هو اللي كويس… يا بنتي الهندسة دي متعة. أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه كي لا تتقابل بعينيه التي تقع صريعة له:
– ياسمينا، الأرض فيها كم حبة رمل؟
رفعت نظرها للأعلى، قاطبة جبينها ثم تسائلت:
– مش فاهمة… تقصد إيه؟ رفع حاجبه للأعلى وأشار بعينيه للأرض:
– هتفضلي تبصي على الأرض كده؟ ابتسمت بخجل.
تنهد بعشــ,,ـق لها، ثم أشار لسيارته:
– طيب يالا… زمانهم مستنينا… باباكي كلمني خمسين مرة… قلتله إحنا جاين أهو… وطبعًا حضرة البشمهندس ريان بيحسسني إني خاطفك. تهدجت نبرتها وخرج صوتها متقطع:
– ما هو إنت خطفتني يا بشمهندس… عندك شك في كده؟ بسط يديه إليها… عندما شعر بأن قلبه على وشك الخروج من مكانه من كلماتها البسيطة التي اخترقته.
❈-❈-❈
بمكتبه بقسم الشرطة طرقت طرقات خفيفة على باب المكتب، بعد معرفة العسكري بشخصيتها.
ادخلت رأسها مردفة:
– عندك قهوة يا حضرة الضابط ولا أرجع بيتنا؟ رفع نظره إليها ومنع ابتسامة كادت تشق ثغره.
دنت وتوقفت أمامه:
– جسورة أنا أسفة، معرفش قلتلك كده إزاي… والله آسفة، أسفة… ووعد مش هقولك كده تاني… خلاص بقى متبقاش بارد. ابتسم أخيرًا على طفولتها ونهض من مقعده، متجهًا يستند بظهره بمقابلتها على المكتب ثم أردف:
– خلاص… عشان أقبل أسفك عندي شرط.
مطت شفتيها للأمام ثم قالت:
– انتهازي… بس أمري لله لازم أقبل. – اقعدي، قالها وهو يحاوطها بنظراته. جلست دون حديث.
– عايز كل التفاصيل، وكمان إزاي اتجرأ ووقف معاكي، وكمان ليه عمو رفض يقابله وكمان… نهضت سريعًا تضع كفيها على فمه وابتسمت:
– إيه كم الـ “كمان” اللي عندك دي؟ خلاص… دا مجرد كلام مع ماما وراحت قالت لبابا، وبابا زعل… دي كل الحكاية. رفع حاجبه ينظر لكفيها على فمه.
أنزلت كفيها سريعًا ثم حمحمت:
– بتكلم جد على فكرة… شوفها لو مش عجبتك يبقى خلاص… أنا وعدت البِت.
ضغط على ذراعها ينظر إليها بغضب:
– برضو هنرجع للكلام اللي يزعل أهو… اتلمي يا جنى بلاش تستفزي هدوئي. تصنعت الحزن وتحدثت بشفتين مرتعشتين:
– وحياتي يا جاسر مش تكسفني قدامها… مجرد قهوة بس… وبعد كده اعمل اللي يعجبك. مسح على وجهه بعنف كاد أن ي.ع جلد وجهه:
– تعرفي أنا بضعف قدامك عشان كده بتستغلي ضعفي مش كده؟ – طيب والله العظيم إنت حبيبي يا جاسر، بحبك أوي أوي أوي.
وضع يديه فوق فمها:
– يخربيتك اسكتي هتشحتي عليا. دلف جواد حازم… ضيق عيناه متسائلًا:
– وأنا بقول القسم منوّر ليه؟ أهو اتاري عندنا الصغنن. أفلتت ضحكة ناعمة وأردفت:
– شكرًا يا بيه جواد… وحشتوني فقولت أعدي أمسي على إخواتي. جلس جواد حازم وهو يضحك بسخرية:
– على أساس كل واحد مننا في محافظة يا جنى؟ استدارت لجاسر ثم غمزت له:
– إيه يا جسورة هتيجي ولا أرجع بخفي حنين؟
❈-❈-❈ وصل جواد لعيادتها وجدها تنتظره.
نزل سريعًا يضمها بقوة كأنها كانت غائبة لعدة سنوات. طوقت خصره وأردفت:
– مالك حبيبي فيه إيه… نغم كلمتني وقالت هيروحوا عندنا. – غزل ضمني أوي… مش عايز أشوف حد… خديني بيت المزرعة مش عايز حد غيرك.