منوعات

الفصل السابع

في تلك اللحظة حمل فريد أخته بين ذراعيه، وضم جسدها المرتخي إلى صدـ,,ـــره.
وقال بصوتًا خرج مبحوحًا من الخوف:
— ماما!
التفتت إليه وفاء.
— ليلى بتمــ,,ـــــوت يا ماما! لازم نلحقها!
شهقت وفاء، وركضت نحوهما وهي تبكي:
— بنتي… يا روح قلبي!
اقتربت منهما والدموع تغرق وجهها:
— حسبي الله ونعم الوكيل…
ارتجف صوتها:
— يا رب… إنت شايف اللي حصل لبنتي.
ثم احتضنت رأس ليلى، وهي تردد بانهيار:
— يا رب ما تسيبش حقها… يا رب رد لها وجعها في اللي ظلــ,,ـــــموها… ي
بينما صرخ فريد:

— لازم نوديها المستشفى حالًا!
وتحول البيت في لحظات إلى صراخ وفوضى…
أما ليلى…
فكانت غارقة في غيبوبتها، لا تسمع شيئًا.
ولا تدري أن آخر كلمة خرجت من بين شفتيها قبل أن يغيب عنها الوعي…
لم تكن لا…ولم تكن موافقة…
كانت اسم الرجل الذي احبته، رغم أنه حطم قلبها…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند عمران…
وصل إلى المنزل بعد وقتٍ لا يعرف كم استغرقه، وترجل من سيارته بجسدٍ مترنح، كأن الطريق كله مرّ فوق صدـ,,ـــره.
لم يذهب لوالدته، لم يرد أن يراه أحد بهذه الحالة… لم يرد أن تنكشف هشاشته التي حاول طوال عمره أن يخفيها خلف بروده وقسوته.
صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ثم ألقى مفاتيحه وهاتفه وساعته بلا اهتمام، قبل أن ينهار بجسده فوق فراشه.
استلقى على ظهره، وحدق في السقف بعينين زائغتين.
لكن صورتها كانت أقوى من أن يهرب منها…رآها بفستان زفافها.

أغمض عينيه بقوة، وكأن إغلاقهما سيمنع تلك الصورة من الظهور، لكنها ازدادت وضوحًا.
فستان أبيض… وجه شاحب… عيون منكسة… ورجل آخر يقف إلى جوارها.
تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر.
لأول مرة في حياته، يفهم معنى أن يكون الألم أكبر من قدرة الإنسان على احتماله.
قديمًا… كان الحب بالنسبة إليه شيئًا عابرًا.
حب مراهقة مرّ به، وحين انتهى ظن أنه انتهى معه كل شيء.
وتمضي الايام والسنين ويعود قلبه للنبض
ليلى التي دخلت حياته دون استئذان، تسللت إلى قلبه في الوقت الذي كان يظن فيه أن قلبه لم يعد يعرف الحب.
ضحكتها…خوفها…ارتباكها…

كل مرة قالت فيها اسمه.
كل مرة نظرت إليه وكأن وجوده وحده يمنحها الأمان.
كيف يتغلب على كل ذلك الآن؟
كيف ي.ع إنسانة من قلبه بعدما جعلها جزءًا من نبضه؟
ارتجف حين استمع الى، همسة صدحت بااذنه:
— أنا بحبك أوي يا عمران…
انتفض جسده فجأة، واعتدل في جلسته بأنفاس متسارعة.
فتح عينيه، كأن صوتها جاءه من جواره بالفعل.
— ليلى..همس بها يبحث عنها
جلس و قلبه يضــ,,ـــــرب بعنــ,,ـــــف، والذكريات تتهاوى فوق رأسه كصفعات متتالية.
ضحكتها.. صوتها.. خجلها.
نظراتها إليه.
وكلمتها التي ظلت عالقة في داخله:
“أنا بحبك.”

نهض من فوق الفراش بعنــ,,ـــــف.
— كفاية!
دار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يمرر يده في شعره بجنون.
لا يريد أن يتذكر.. لا يريد أن يسمع صوتها.
لا يريد أن يرى وجهها.
يريد فقط أن يخرجها من رأسه!
لكن عقل الإنسان حين يحاول النسيان، يصبح قلبه أكثر عنادًا.
كل لحظة بجوارها عقله ذكّره بها.
كل نفس أخذَه حمل رائحتها.
وكل نبضة في صدـ,,ـــره كانت تنطق باسمها.
ضــ,,ـــــرب كفيه على وجهه بعنــ,,ـــــف.
— اخرجي من دماغي بقى!
لكن ضحكتها الطفولية ارتدت في أذنيه من جديد.
ضحكتها التي كان يحبها…

والآن أصبحت تؤلمه أكثر من أي شيء.
رفع رأسه إلى السماء، والدموع تنساب رغمًا عنه.
— يا رب… خليني ما أسمعش صوتها تاني.
سكت لحظة، ثم ابتسم بمرارة.
— حتى لو أصم… بس ما أسمعهاش.
اتجه إلى هاتفه فجأة.
فتح الصورة التي وصلته.. ظل يحدق فيها طويلًا.
هذه المرة لم ينظر إلى فستان الزفاف فقط.
عيناه راحتا تلتهمان كل تفصيلة في وجهها.
شفتيها المجروحتين…وجهها المتورم…
آثار الألم التي لم ينتبه إليها من قبل.
تجمد.. قطب جبينه.
— مين عمل فيكي كده؟
اقترب من الصورة أكثر.

ثم عاد إلى الوراء.. كان هناك شيء خاطئ.
شيء لا يستطيع فهمه.
لكن الغيرة كانت أعلى من عقله.
زوجها.. الرجل الذي اختارته.
الرجل الذي وقفت إلى جواره بفستان زفافها.. الرجل الذي من أجله تلاعبت بمشاعره
ضغط على أسنانه حتى آلمته.
رفع هاتفه واتصل دون تردد
— علي.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
— أيوة يا عمران، معاك.
— هبعت لك اسم واحد… تتصرف وتعمله قضية. لازم يبات في السجــ,,ـــــن الليلة.
صمت علي لحظة.
— واحد؟! مين ده؟
— خليك معايا… هجيب لك الاسم.

أغلق المكالمة، ثم بدأ يقلب في هاتفه بعصبية.
أصابعه ترتجف.
كان يعرف أنه يتصرف بدافع الغضب.
يعرف أنه ربما يظلــ,,ـــــم رجلًا لا يعرف عنه شيئًا، لكن الألم كان قد أعماه.
هي لعبت بمشاعره كما يظن…
خدعته…جعلته يصدق أنها تحبه، ثم ذهبت في النهاية إلى رجل آخر.
أقسم أن هذه الليلة لن يتركها تنعم بما فعلته به.. عاد واتصل بعلي.
— علي!
— معاك يا عمران.
— اسمه هشام محمد المختار.
— حاضر… بس ده مش من القاهرة.
— لا… هتلاقي اسم المحافظة عندك لما تبحث عن اسمه.

انت في الصفحة 9 من 36 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى