منوعات

الرابع عشر من ليلى وعمران بقلم سيلا وليد

ثم التفتت إلى حسنين محاولة تغيير الموضوع:
_ المهم… عملت إيه يا خال في اللي طلبته منك إمبارح؟
رفع حسنين حاجبه، ثم أشار لها بيده:
_ استني بس. اقعدي كلي لقمة معانا الأول، وبعد كده هيثم أو عصام يوصّلوكي للشقة اللي فوق.
اتسعت عينا وفاء بدهشة:
_ الشقة؟
_ أيوه. كانت مقفولة من وقت ما ابن خالك سافر، خليتهم يطلعوا ينضفوها النهارده. اقعدي فيها إنتِ وليلى براحتكم.
شعرت وفاء بغصة امتنان، فابتسمت وهي تهز رأسها.
_ تعبتكم معايا… مش عارفة أودي جميلكم فين.
ضحك حسنين:
_ طيب ليه؟

مش عايزة أنزل لمحمود وأشد له ودانه؟
رسمت وفاء ابتسامة رغمًا عنها، ثم قالت:
_ مالوش لزوم يا خالي… أنا خلاص قررت.
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى ليلى التي بدا عليها الإرهاق الشديد، وقالت:
_ هنسيبكم بقى… علشان ليلى تعبانة من السفر.
التقط حسنين التعب في ملامح الفتاة، فتغيرت نبرته إلى حنان أبوي:
_ روحي يا بنتي ارتاحي… البيت بيتك. وإنتِ يا وفاء، متفكريش في حاجة دلوقتي. كل حاجة ليها وقتها.
نظرت إليه وفاء للحظة، وكأن كلماته أصابت شيئًا بداخلها.

بعد قليل، دلفتا إلى الشقة العلوية.
كانت الشقة هادئة، واسعة، تتسلل إليها نسمات البحر من النوافذ المفتوحة، صعد معهم شاب في منتصف العشرينات، فتح لهما الباب بابتسامة ودودة.
نظرت إليه وفاء وقالت بابتسامة متعبة:
_ شكرًا يا ابني.
ضحك عصام وهز رأسه:
_ شكرًا إيه يا طنط؟ نورتونا… اتفضلوا، ولو محتاجين أي حاجة، فيه جرس هنا، اضغطي عليه. هو زي التليفون كده، وإحنا هنكون تحت.

قالها وهو يشير إلى الجرس المثبت بجوار الباب، ثم وقعت عيناه على ليلى التي كانت تقف في الشرفة، شاردة تمامًا، تحدق في البحر وكأنها تبحث بين أمواجه عن إجابة لكل ما يحدث حولها.
_ لو احتاجتوا أي حاجة، نادوني.
_ تسلم يا حبيبي.
غادر عصام وأغلق الباب خلفه.
استدارت وفاء نحو ابنتها. وتغيرت ملامحها تمامًا، واختفت منها تلك الابتسامة المصطنعة التي حاولت أن تطمئن بها ليلى طوال الطريق.
اتجهت بسرعة نحو أقرب غرفة، وكانت المطبخ، وأخرجت هاتف ليلى الذي كانت قد أخذته منها، وأخفته داخل أحد الأدراج.

خرجت ليلى من الشرفة تبحث عنها:
_ ماما؟
خرجت وفاء سريعًا من المطبخ، تحاول أن تبدو طبيعية.
_ أيوه يا حبيبتي.
نظرت إليها ليلى طويلًا، ثم اقتربت منها، وقد بدأ القلق ينهشها:
_ أنا مش فاهمة حاجة… مين الناس دي؟ وفين الدكتور؟ وليه كذبتي عليّا؟ دلوقتي عمران أكيد قلقان يا ماما… هاتي تليفوني عايزة أطمنه.
تجمدت وفاء للحظة.
ثم نزعت حجابها ببطء، وألقته على الأريكة، وكأنها لم تعد تملك طاقة لتحمل أي شيء آخر.
فقالت بصوتًا خافتًا، لكنه كان حاسمًا:
_ مفيش عمران يا ليلى… بعد كده.
توقفت ليلى مكانها.

اتسعت عيناها، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها في البداية.
_ يعني إيه؟
رفعت وفاء عينيها إليها، وكان الألم واضحًا فيهما.
_ يعني مش هترجعي له.
شهقت ليلى، وشعرت بقبــ,,ـــــضة باردة تعتصر قلبها.
_ ماما…
اقتربت وفاء منها، وأمسكت بوجهها بين كفيها بحنان، بينما بدأت دموع ليلى تتجمع في عينيها.
_ أنا مستحيل أخليكي معاه بعد اللي أمه قالته وعملته.
ابتعدت ليلى خطوة، تهز رأسها بعنــ,,ـــــف:
_ ماما… إنتِ بتقولي إيه؟ عمران ملوش ذنب!
_ أنا عارفة إنه ملوش ذنب، وعارفة إنه بيحبك… بس أنا أمك، ومهمتي أحميكي.

_ بس هو هيحميني!
_ لو حد غريب كنت هقولك آه… بس دي أمه يا ليلى.
صمتت وفاء لحظة، ثم قالت بمرارة:
_ أمه مش واحدة غريبة عنه. دي واحدة تقدر تدخل بيته، وتوصل له، وتوصلك، وتعمل اللي هي عايزاه من غير ما حد يقدر يمنعها.
ارتجفت شفتا ليلى:
_ عمران مش هيسمح لها.
_ يمكن.
مسحت وفاء دمعة هبطت من عين ابنتها.
_ بس إنتِ عارفة يعني إيه واحدة زي دي تكون رافضاكي من البداية؟ إنتِ فاكرة إنها هتستسلم لمجرد إن ابنها بيحبك؟
_ عمران بيحبني يا ماما…

خرجت الجملة من ليلى مكسورة، كأنها تستنجد بها.
_ هو بيحبني، وهيحميني… أنا واثقة فيه.
أغمضت وفاء عينيها لحظة، ثم فتحتها وهي تحاول أن تسيطر على دموعها.
_ وأنا مش بشك فيه يا حبيبتي… أنا بخاف عليكي منه ومن اللي حواليه.
_ بس أنا مقدرش أعيش من غيره.
انكسرت نبرة ليلى في آخر كلمة، وهوت جالسة على المقعد، وانفجرت دموعها دون مقاومة.
اقتربت منها وفاء وجلست بجوارها، ثم احتضنتها وربتت على ظهرها بحنان.
_ هتعيشي يا ليلى…
هزت ليلى رأسها وسط بكائها.
_ لأ…

_ هتعيشي، حتى لو دلوقتي حاسة إن الدنيا وقفت.
_ أنا بحبه يا ماما… وهو كمان بيحبني.
_ عارفة.
_ طب ليه بتبعديني عنه؟
سكتت وفاء للحظات، وكأن الإجابة نفسها تؤلمها… ثم قالت بصوت مخنوق:
_ علشان بحبك.
رفعت ليلى وجهها إليها.
تابعت وفاء:
_ الحب حلو يا حبيبتي، وأنا مش ضد إنك تحبي… بس الحياة مش حب وبس. الحب لوحده مش هيحميكي من كل حاجة.
مسحت دموعها بأطراف أصابعها.
_ ممكن تعيشي معاه بتحبيه، وكل يوم تفضلي خايفة من أمه. ممكن كل مشكلة تحصل بينكم تتحط فيها.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى